(هذه كلمة قديمة معدلة عن اعتقال آخر للترابي ذكرني إياها احتجاج المعارضة أمس الأول على تطاول حبسه وكذلك كلمة نشرتها أمس عن الأمريكي لاري فلنت)
ما من شك أن اعتقال الدكتور حسن الترابي قد وضع خصومه الأصليين من معارضي دولة الإنقاذ في حرج شديد . فليس بوسع هؤلاء الخصوم ، على كراهيتهم المؤكدة للترابي بما قد يفوق كراهيتهم للفريق البشير ، أن يستثنوه من مطلبهم السياسي من الحكومة بحرمة الحريات ، والكف عن الاعتقال التحفظي ، والحق في المحاكمة العادلة . فمن سخرية القدر أن الخصوم الذين تمنوا للترابي هذه “الهقلة والزرة” يسارعون الآن لاستنقاذه منها طالما تمت بيد عمرو [أو عمر] لايدهم .
لن يجد خصوم الترابي سبباً يُسوِّغون به عدم شمول الرجل بعنايتهم السياسية . غير أنهم بحاجة إلى التحوط ألا يجعلوا من موالاتهم الترابي ميتة وخراب ديار . وأعني بهذا ألا يستفيد مرواغ قديم بالحقوق الإنسانية الأساسية مثل الترابي من مظلة هذه الحقوق الآن بغير قيد أو شرط. فليس من باب العدل أن يستظل الترابي بهذه الحقوق ، التي لم تجد منه توقيراً متى تمكن هو من السلطان ، لمجرد أنه أصبح من بعض بنود معارضة نظام الإنقاذ .
خطر لي حيال هذا الحرج السياسي لخصوم الترابي في المعارضة موقفاً شبيهاً (في الدلالة السياسية لا الموضوع) صَوَّرة فيلم أمريكي اسمه “الشعب ضد لاري فلنت” . وفلنت هو صاحب مجلة “هسلر” التي ترتزق من تجارة الجنس العاري. وقد بدأت المجلة كنشرة محددة تُروِّج لتجارة ملهى جنسي كان فلنت قد افتتحه في مدينة سنسناتي بولاية أوهايو . وقد شدد المحافظون في المدينة عليه الخناق ، ” وزازوه ” في المحاكم . وبلغ بهم الأمر أن حاول أحدهم اغتياله . ونجا من المحاولة غير أنه لزم قعيداً كرسياً متحركاً .
انتقل فلنت بتجارته إلى كليفورنيا . ولم يكف عن مشاغبة المحافظين حتى قال عن السيد جرى فولويل ، زعيم الأغلبية الخلقية المسيحية ، إنه آثم مضاجع لأمه . واشتكاه فولويل للمحاكم . ووقف فلنت يدافع عن حقه في حرية التعبير بمقتضى المادة الأولى من الدستور الأمريكي التي وطنت تداول الأفكار كحق أساسي مقدس للناس .
وطلب خصوم فلنت من الجهة الأخرى أن يحجبوا عنه هذا الحق الدستوري بالنظر إلى فساد أفكاره ، وجفاء تجارته الجنسية ، والفحش . وبلغت القضية عتبة المحكمة الأمريكية العليا . وانتصرت المحكمة في حكمها لفلنت على خصومه . وخرج فلنت من المحكمة ظافراً يجرجر كرسيه نحو جمهرة من الصحفيين التي سألته رأيه فقال:
– كنت متأكداً أن المحكمة العليا ستحميني من أمثال فولويل لأنني أنا أسوأكم .
وقد ظل فلنت يراوح على هذا المعنى طوال الفيلم . فهو ، في نظره ، لم يستحق الحرية لأنه أفضلنا بل لأنه هو الذي ابتذلها ولم يحسن إليها أبداً . فمنطق فلنت أن قضية الحرية ستخسر خسراناً مبيناً إن لم تحم أمثاله من الذين يسيئون إليها ويتجرون فيها . فإن أخفقت الحرية في حماية الأسوأ فإنها ستفشل في حماية الرجل السئ حين يحين دوره . بل ستفشل في حماية الرجل الحسن في يوم بعيد أو قريب .
وكان د. الترابي فينا أسوأنا متى تعلق الأمر بحرية التعبير والتنظيم والتنقل . وستطاله الحرية غصباً عنه. وستنبح له المعارضة الحكومة خوفاً على ذيلها .
(IbrahimA@missouri.edu)
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم