فضيلي جمّاع
تظلُّ بعض الكتب عصيّةً على النسيان. نعود إليها كلما ألحّت مسألة طارئة. لذا سمّيت مثل تلك الأسفار بالمراجع. وأشهد أنّ كتاب (قلمُ التعليم وبَلَم المتعلّمين) للبروفيسور صدّيق امبدّة ، إستحقّ بجدارة أن يبقى بذاكرتي ، وأن يأخذَ مكانه مرجعاً في مكتبتي المتواضعة. وهذا السفر – في نظري – تزداد أهميته متى أنجزت شعوب السودان بنضالها الدولة المدنية ، دولة المساواة في الحقوق والواجبات، وعلى رأس تلك الحقوق ديموقراطية التعليم ، حيث ينبغي المساواة في تلقي التعليم للفقير والغني!
المؤلف صديق امبدة للقارئ الجاد علم على رأسه نار. فإنّ قراءَ كثيرين يذكرون إسم الكاتب الذي أماط اللثام عن بعض قضايا الوطن الهامة مثل (شهادة لندن) – فبراير 1985- و المقال الذي فجّر ما عرف بمثلّث حمدي ، وعنوان المقال (من أين جاء هذا العبد الرحيم حمدي؟) وورقة بعنوان (مؤشرات الغبن التنموي -1988م). لكن من حق القارئ علينا في مستهل هذا المقال أن نقدّم له مؤلف الكتاب في عجالة. صديق امبدة من مليط – شمال دار فور. نال الدكتوراه في الإقتصاد من جامعة لندن1979م. رئيس قسم الإقتصاد – جامعة الخرطوم. عمل خبيراً اقتصادياً ببنك التنمية الأفريقي – ساحل العاج. كما عمل نائباً لمدير العمليات ومديرا لصندوق دعم الفقراء بالهيئة العربية للإستثمار والإنماء الزراعي – الخرطوم. له إصدارات ، منها: (واقع التعليم العام في السودان وتحدّيات الإصلاح) 2015م، و(التنمية مفتاح السلام في دار فور) ، 2004م بالإشتراك مع:آدم الزين، موسى آدم عبد الجليل ، سيف النصر. و(سياسات القبول للتعليم العالي في السودان).

على الرّغم من أنّ الكاتب أشهر قلمه في تقدمة الكتاب بوجه المثقف والمتعلم معاً، باعتبار أنّ ما يهمّ فهمه من مادة الكتاب هو “السلوك العملي لشريحة المثقفين/المتعلمين عندما يتعلق الأمر بمصالحهم الشخصية …. عندما تتعارض بالمصلحة العامة”، ص13 إلّا إن المؤلف قصد بمعظم كلامه المتعلمين، فليس كل متعلم بالضرورة مثقفاً. ولعلّ من الإشارات القيّمة في هذا الكتاب أنّ التعليم في السودان ظلّ سلوكاً اقتصادياً عقلانياً لا صلة له بالأخلاق. وهو ما أطلق عليه المؤلف تسمية “السلوك الريعي”. أولى تموضعات الفساد وقصر النظر في التعليم ما نجم عن تكوين لجنة سودنة الوظائف من المستعمر. الهفوة الأولى أنها قامت على أساس حزبي لا على أساس قومي. يقول المؤلف في هذا الصدد (مما أدّى إلى منح الجنوبيين ستة وظائف فقط من الوظائف التي أخلاها الإنجليز من بين ثمانمائة (800) وظيفة.) يرمي المؤلف باللوم على المتعلمين وأحزابهم السياسية بأنهم مثلما لم ينظروا لسودنة الوظائف إلا في إطارها الحزبي الضيق (كذلك لم ينظروا – في مستقبل الأيام – في معالجة استمرار المظالم التاريخية في تسنم الوظائف العامة أو التوزيع العادل لمشاريع التنمية، مما أدّى إلى ما يعرف بالتهميش الآن وإلى رفع السلاح. وبدلاً عن الإعتراف بتلك المظالم ومحاولة معالجتها ، حدث العكس تماماً بدرجات متفاوتة، تحت الأنظمة السياسية المختلفة وقمتها نظام الإنقاذ 1989م يسندها في ذلك وينظّر لها متعلموها ومثقفوها.) ص 16 – 17.
من القضايا الجوهرية التي طرقها المؤلف مسألة ديموقراطية التعليم ، وهي ما تعني (الإستثمار في رأس المال البشري …كعامل محوري في التنمية). يقول بإيضاح أكثر: (إنّ تكافؤ الفرص من ناحية يحقق أكبر قدر من المنافسة الشريفة). ص22 لكن المؤلف يلفت نظر القارئ إلى عدم الإنزلاق في مصطلح مجانية التعليم حين يقول: (هل المجانية بشكلها الممارس في التعليم العالي في السودان تؤدي إلى مزيد من ديموقراطية التعليم؟) ويجيب بالنفي في الحالة السودانية حين يقول: ( إلى أيّ مدى أفسدت المدارس الخاصة والدروس الخصوصية والكورسات التسخينية في الداخل والخارج مبدأ المجانية؟) ص 23
لعلّ ضربة المعلّم في هذا الكتاب أنّ مؤلفه بذل جهداً كبيراً في تزويد كل بحث في قضية من القضايا الهامة التي طرقها بجداول استقى معلوماتها من مصادر رسمية وبحثية مثل تقارير مصلحة المعارف وكلية غردون التذكارية وتقارير لجنة جامعة الخرطوم وتقرير البنك الدولي حول سياسة القبول ومعادلة الشهادات الأجنبية.
أود أن أتناول بإيجاز في خاتمة هذا المقال إحدى أهم الأوراق التي قدّمها مؤلف الكتاب كورقة بحث في (معهد الدراسات والبحوث الإنمائية بجامعة الخرطوم – تحت عنوان (سياسات القبول ومعادلة الشهادات الأجنبية – في فبراير 1985م.) يذكر الكثيرون الضجة التي أثارتها هذه الورقة بنشر ملخص لها ، وتناول بعض الصحف لاحقاً لمادتها ، خاصة صحيفة “الرأي” التي نشرت في عدد الإثنين 9 مارس 1989م تحقيقاً صحفياً حول شهادة لندن والتي -كما جاء في الصحيفة – (تعتبر مدخلاً خلفياً لجامعة الخرطوم)! نشرت صحيفة “الرأي” كذلك في عدد 16 مارس 1989م قائمة ضمت أسماء 178 شخصاً جلهم من علية القوم (طبقياً)..من عضو في مجلس رأس الدولة إلى وزراء ووكلاء وزارات وكبار ضباط الجيش وكبار الموظفين والمهنيين ورجال الأعمال. ليس بينهم رجل واحد أو إمرأة واحدة من محدودي الدخل. وحتى لا نخرج عن الموضوع الأصل فلنجب على السؤال لمن لا يدرون: ما هي (شهادة لندن)؟ وأين موضوع اللغط فيها؟
يقول المؤلف: (هي أولاً شهادة لما وراء البحار، وليست لبريطانيا، وثانياً هي شهادة يمكن الجلوس لها دون أي حد أدنى من التأهيل، إذ يمكن الجلوس لها من المدرسة المتوسطة، وأيٍّ من سنوات الثانوي العالي. في الوقت الذي لا يسمح بالجلوس للشهادة السودانية إلا بشرط إكمال ثانية ثانوي عالي…ويمنح الطالب الشهادة في أي علم ينجح فيه – أي إنها ليست شهادة بالمعنى المتعارف عليه.) ص137
فضيحة ما عرف بشهادة لندن هي (منح الطلاب الجالسين لهذه الشهادة درجات فوق الدرجات التي يحصلون عليها من المصححين البريطانيين وفقاً لجدول جامعة لندن …والذي تحول بمقتضاه التقديرات إلى درجات، وذلك على زعم أنّ هناك تضخماً في الدرجات الممنوحة للشهادة السودانية!) ص138 وبمقتضى ذلك (إعتبرت لجنة القبول للتعليم العالي، بموافقة مجلس أساتذة جامعة الخرطوم – إعتبرت تقديرات D وE مساوية والصادر من جامعة لندن في مارس 1975) حيث تقابل E و Dتقديرات رسوب! لكنّ لجنة القبول إعتبرت هذه التقديرات نجاحاً بإضافة درجات بدأت بخمس درجات وانتهت ب19 درجة في العام 1989م.
مذ قامت السودنة على أكتاف متعلمين من أحزاب بعينها صار التعليم في عرفهم باباً للتكسب المادي والترقي الوظيفي. لذا فإن التنافس الشريف كبوابةٍ تطل منها الكفاءة الأكاديمية لم يعد هو الهدف.
أختم بالقول أنّ (قلم التعليم وبلم المتعلمين) كتاب أرى أن يكون في مكتبة كل حادب على إشاعة التعليم كحق أساس لكل إنسان. إنّ نضال شعوب السودان المستميت من أجل إقامة الدولة المدنية الديموقراطية، دولة المساواة بين مواطنيها في الحقوق والواجبات ، هذا النضال هو الذي يوفر التعليم لكل مواطن ومواطنة كحق يساوي حق الحياة الحرة الكريمة.
فضيلي جمّاع
لندن
11 أبريل 2026
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم