دكتور الوليد آدم مادبو
في السياسة — كما في الأخلاق — هناك مفارقة تتكرر كثيرًا: الذين يطاردون خصومهم في المنافي يكتشفون يومًا أن المنفى نفسه ليس مكانًا آمنًا. وهذه المفارقة ربما تلخص المسار الطويل للإسلاميين السودانيين الذين حكموا البلاد ثلاثة عقود، ثم وجدوا أنفسهم اليوم أمام سؤال لم يفكروا فيه حين كانوا في موقع القوة: ماذا يحدث حين تتغير الأزمنة وتُعاد كتابة التحالفات؟
ليست هذه استعادة للذاكرة بدافع التشفي، بل بدافع التذكير. فالمعارض السوداني في زمن دولتهم لم يكن مجرد خصم سياسي؛ كان مشروع مطاردة مفتوحة. ضُيّق عليه في السودان في رزقه وعمله، فإذا هاجر طلبًا للأمان تبعته التقارير الأمنية والقوائم الدبلوماسية إلى الخارج. في غير دولة خليجية، كان يكفي أن تسلّم السفارة السودانية قائمة أسماء حتى يتحول صاحبها فجأة إلى شخص غير مرغوب فيه، لا لأنه خالف قانون البلد المضيف، بل لأنه خالف سلطةٍ رفعت شعار الدين وأدارت الدولة بعقلية التنظيم.
وللمفارقة، انتهى المطاف بكثير من هؤلاء في أوروبا لاجئين سياسيين، ضمن الفئة التي يسميها القانون الدولي ضحايا الاضطهاد. والمفارقة الأكثر سخرية أن بعض من مارسوا ذلك الاضطهاد وجدوا أنفسهم لاحقًا يسلكون الطريق نفسه، بل إن بعضهم طرق أبواب اللجوء تحت اللافتات ذاتها: ضحية سياسية أو عضو في أقلية مضطهدة، وهي الأقليات التي ظل خطابهم يحتقرها عقودًا من الفور والمساليت والزغاوة والنوبة وسائر شعوب السودان التي دفعت ثمن الدولة المؤدلجة.
هذه المفارقات ليست تفصيلًا أخلاقيًا عابرًا؛ إنها جوهر المشكلة. فحين تفقد السياسة إطارها القيمي يتحول الخلاف إلى خصومة شخصية، وتصبح الدولة أداة انتقام لا مؤسسة حكم.
اليوم، ومع الحرب التي تمزق السودان وتبدل موازين القوى في الإقليم، يواجه الإسلاميون السودانيون المقيمون في الخليج معضلة سياسية لا يمكن تجاهلها. فالدول، بطبيعتها، لا تبني سياساتها على العواطف أو الأيديولوجيا، بل على المصالح. والروابط التي قامت يومًا بين بعض العواصم الخليجية وتنظيم الإسلاميين — سواء كانت أيديولوجية أو مصلحية — ليست روابط أبدية.
وحين تنتهي الحرب وتتغير الأولويات الأمنية في المنطقة، سيجد كثير من هؤلاء أنفسهم أمام واقع جديد: دول تسعى إلى تصفية الملفات القديمة، وإعادة ترتيب علاقتها مع السودان وفق معايير مختلفة. عندها لن يكون من المستغرب أن يتحول وجودهم من حليف مرحب به إلى عبء سياسي وأمني ترغب الدول المضيفة في التخلص منه، بإرادتها أو تحت ضغط توازنات دولية أكبر.
هنا تظهر المعضلة الوجودية الحقيقية. فأوروبا — التي استقبلت موجات من اللاجئين السودانيين — لن تفتح أبوابها بسهولة أمام شخصيات ارتبط اسمها بتنظيمات مصنفة في كثير من الأدبيات الأمنية بوصفها حركات راديكالية. والسودان نفسه لم يعد بالنسبة لكثير منهم خيارًا واقعيًا؛ فقد اعتادوا حياة المدن الخليجية الهادئة وأسواقها الواسعة ونمطها الاقتصادي المترف، وهي حياة يصعب تصور انتقالها فجأة إلى مدن مثل شندي أو مروي بعد سنوات طويلة من الغربة.
هكذا يقف كثير من الإسلاميين السودانيين اليوم أمام مأزق صنعته سياساتهم القديمة.
فالدولة التي بنوها على الإقصاء انتهت، والثروة التي جمعوها في الظل ستبقى دائمًا عرضة للرصد والمساءلة، هذا إذا سلمت من التجميد من قبل الولايات المتحدة أو المصادرة من الهيئات الدولية، والتحالفات التي احتموا بها ليست مضمونة البقاء، والمنفى الذي بدا يومًا ملاذًا دائمًا قد يتحول إلى محطة مؤقتة فيما أرى أو كما تبدو الأحداث في الورى.
والأهم من ذلك كله أن الذاكرة السودانية لم تُمحَ. فالشعوب قد تصبر طويلًا، لكنها لا تنسى بسهولة كيف استُخدمت الدولة يومًا لملاحقة مواطنيها في أرزاقهم ومنافيهم. ولا يمكن لمن كان جزءًا من تلك المنظومة أن يطالب اليوم بنسيان الماضي دون مراجعة حقيقية له.
لقد دالت الدولة التي صنعها الإسلاميون في السودان، كما دالت قبلها دول كثيرة قامت على احتكار الحقيقة. وهذه ليست نهاية استثنائية في التاريخ؛ إنها القاعدة. فكل سلطة تجعل الولاء التنظيمي معيارًا للمواطنة تنتهي عاجلًا أو آجلًا إلى العزلة، ثم إلى السقوط.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل سيتعلم الإسلاميون السودانيون من هذا الدرس التاريخي القاسي، أم سيواصلون الدوران في الحلقة ذاتها — حيث يبدأ كل شيء باسم الدين وينتهي دائمًا عند حدود السلطة؟
March 8, 2026
auwaab@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم