ذكرى رحيل محمد الامين 1940-2023

ms.yaseen5@gmail.com
محمد صالح عبدالله يس

وتحل علينا اليوم ذكري رحيل العملاق والاسطورة محمد الامين الذي جمل حياتنا باعذب الالحان فقد أكمل مشروعا عظيما انجز فيه من الالحان ذكرانا واناث ووطن الشجن والعاطفة في اعماقنا فهو من الذين شرعنوا العاطفة والمحبة واطلقها من سجنها وفك عقالها بعد ان كان الحب متهم والحبيبة محتجزة في المحاكم الجنائية حتي اطلق سراحها واخرجها من الصدمة العاطفية فاكتملت دائرة الوعي الجمالي فاخرج لنا خرزات وعقود نضيضة من عيوناتها التي كانت مشغولة بجريدة وهي تختلس النظر من الشباك حتي اعياها الانتظار ووجع الحبيب الغائب فصرخت تنادي نشيل املنا نقابل اهلنا لايقول قلنا ويفرح املنا ويقول اهلا خلاص قبلنا .الان ضجت افئدة الجميع وانهارت مداميك الولهة وتوشحت احزان السودانيون بالشجن والاسي الشفيق لفراق اخر العملاقة الذين تربعوا علي عرش الاغنية السودانية لاكثر من ستون عاما محمد الامين كان يُجمّل حياتنا بأعذب الألحان ثم رحل مضى في صمتٍ يشبه انطفاء نجمةٍ كانت تُرى من آخر القلب، وترك خلفه فراغًا لا يُملأ، ووجعًا لا يعرف طريق النسيان. لم يكن مجرد عابر في أيامنا؛ كان نبرة دفء، ورائحة طمأنينة، وظلًّا يرفرف حولنا كلما ضاقت بنا الدنيا كان حضوره يضيف للحياة نغمًا خفيفًا لا نعرف قيمته إلا حين يغيب. واليوم، كلما مرّ طيفه في الذاكرة، خُيّل إلينا أنّ العالم يتوقف لحظة احترام، كأن الأشياء من حولنا تعرف أنه كان مختلفًا، وأن غيابه خلّف صمتًا أثقل من الكلام. نُحيي ذكراه لأن الأرواح النبيلة لا تفنى، ولأن صدى اللطف الذي زرعه فينا لا يزال يطرق أبواب القلب كلما أوصدها الحزن. نُحيي ذكراه لأن بعض الراحلين يواصلون مرافقتنا، حتى وهم في الغياب، يرسمون لنا طريقًا من الضوء، ويذكّروننا أن الحُب لا يموت، بل يتحوّل إلى دعاء. رحمك الله رحمةً واسعة، وجعل ذكراك نهرًا من السكينة، يتجدد كلما ضاقت أرواحنا واشتاقت كان احد سدنة معبد ديوان الغناء السوداني وشي حواشيه وطرزها باجمل العناقيد واحلي الخروز كانت اوتار عوده تخترق صم الحجارة وتنحر افئدة الحسان حارة حارة فقد كانت جمله الموسيقية الرشيقة تاخذ بآلباب مستمعيه وتحيلهم الي كائنات مسرفة في الطرب والنشوة فموسيقاه كانت مستحلبة من مزامير عبقر وفيروز الشطئان العابرة استطاع محمد الامين وعلي طريقته الخاصة ان يفك عقال الاغنية السودانية من مخافر الافندية والمجالس الخاصة الي الفضاء العام فاصبحت الاغنية في عصره اكثر شعبية وديمقراطية محمد الامين هد المرض جسده فاعياه النضال واستسلم الجسد من رحلة طويلة اصابته منها الرهق والنصب والمخمصة دفن بعيدا في ارض لم تعرفه ولم تعرف تاريخه وجغرافيته كان يستخرج الالحان من اعماقه الوجيفة واعطي اهل السودان كل جميل فلكل عمق نهاية ولك لجِ منتهي ومستقر كان يعرف ويسقي مشاعرنا وعواطفنا ولم يستبقي لنفسه شيئا حتي ظمأت روحه للتلاقي فتسرب من بين ايدينا نكايةً فينا وفي احبابه واصدقائه الذكرى التي تعود كل عام كجرحٍ لا يلتئم نقف أمام غيابه كما يقف طفلٌ وحيد أمام بابٍ أُغلق خلف أحبّته. ذلك العازف الذي كان إذا مرّت أصابعه على أوتار العود اهتزّ الهواء، وارتفع القلب من مكانه وصار الليل أقلّ وحشة واليوم، في يوم ذكري رحيله، تبدو الدنيا أضيق،وصوته البعيد يجيء كأنه يستأذن للدخول ولا يدخل.كان يغنّي لشعبه من عمق روحه،لا لأن الغناء مهنة، بل لأنه عهدٌ قطعه على نفسه: أن يترك للناس ما يُسندهم حين تنهار الأشياء. فأعطاهم كل لحنٍ كأنه آخر ما يملك،ثم مضى سريعا مثل النيزك العابر مضى سريعًا، كأن السماء استعجلته،وكأن الأرض لم تعد قادرة على حمل الحساسية التي في يقلبه.نستعيد اليوم ذكراه فنجد أن المكان ناقص،وأن الصدى الذي كان يملأ لياليناتحوّل إلى فراغ كبير يتكئ على أرواحنا.يا لَه من غيابٍ فادح… غيابٌ داهمنا وأحسسنا وشعرنا أن الريشة سقطت من يد العود وأن الحنجرة التي كانت تشقّ الصمت تركت خلفها صمتًا أعمق وأثقل من احتماله.نقول له في يوم رحيله سلامٌ عليك أيها الراحل يا من علّمتنا أن الفن يمكن أن يكون دمعةً نبيلة،وأن الأوطان قد تُغنّى قبل أن تُبنى وأن الرحيل، وإن كان قاسيًا،لا يستطيع أن يطفئ نورًا أُوقد وتوهج في القلوب

عن محمد صالح عبد الله يس

محمد صالح عبد الله يس

شاهد أيضاً

البروفيسور عبد الرحمن الزاكي صالح 1944-2023 (1-2)

ms.yaseen5@gmail.comمحمد صالح عبدالله يسالبروف عبد الرحمن الزاكي هو احد العناوين البارزة لثورة اكتوبر عاصر مخاضاتها …