منى عبد الفتاح
بهذا العنوان كان عليّ أن أنتظر مساهمات اثنين من الزملاء في هذه الصحيفة ، رشحهم الأستاذ عادل الباز إحداهم في أقصى الغرب والآخر ما بين شرق الشرق وشتاته وحضن الوطن .كانت الفكرة وكعادة أفكار الأستاذ عادل التي تبدأ متوهجة وتجد طريقها للتنفيذ ، فإن هذه من الأفكار القليلة جداً التي خالفت القاعدة ومكثت في أضابير هذا الجهاز ثمانية شهور حسوماً.الفكرة كانت أن نشترك ثلاثة في الإطلاع على رواية معينة ونقوم كل برؤيته الخاصة بسرد عرض لها على ألا نتفق على نقاط العرض.وكانت هذه الرواية “رأيتُ رام الله ” لمريد البرغوثي هي ضربة البداية لسلسلة كان متوقع استمرارها ما دام خيال الروائيين بخير.
قررت أن أنقض الاتفاق وأنشر مساهمتي المتواضعة هذه دون الرجوع إلى الزملاء الذين لم أتعرف عليهم إلى الآن وذلك بعد ملاحظتي أن رئيس التحرير نفسه يستعين على محكمة الخرطوم شمال ب”عزازيل” ، وعلى محكمة الجنايات الدولية بلاهاي ب”الله يفعل ما يشاء” ، ولم يترك لي زاداً أستعين به في سجن “رام الله” هذا.
زمان الرواية : نسيج الوعي، الواقع والحياة
الزمان خارج مكانه: “الإقامة في الوقت”
“الغربة دائما لا تكون واحدة, إنها دائماً غربات”
رغم أن عنوان الرواية حمل اسم “رام الله” المكان ذي البعد المادي إلا أن مريد البرغوثي لم يقف كغيره أمام مسلمات تقديس المكان وإنما جاءت كتابته لسرديته الذاتية “رأيتُ رام الله” دون الالتزام بجغرافيا المكان ودون التضليل بالعودة ،فهو قد حكى عن مدينته طوال الثلاثين سنة التي غاب عنها:”أطلّ من هذه النافذة التي تقع بعد ثلاثين عاماً من العمر، وتسعة دواوين من الشعر، على بعد العين عن دمعتها تحت صفصاف المقابر البعيدة” (ص41). فما عناه في روايته هو الزمان ، هو الوعي بالحياة وبأحلامه وقضاياه الخاصة والعامة وهموم النفي والمنفيين:”علاقتي بالمكان هي في حقيقتها علاقة بالزمن. أنا أعيش في بقع الوقت ، بعضها فقدته وبعضها أملكه لبرهة ثم أفقده لأنني دائماً بلا مكان.إنني أحاول استعادة زمن شخصي ولّى،لا غائب يعود يوماً،لا شيء يستعاد كما هو. عين الديرة ليست مكاناً.إنها زمن ، وقت” (ص 95) .”دار رعد ليست مكاناً. هي أيضاً زمن”(ص 96) .بل ذهب لأكثر من ذلك بأن بدّل نسيج المكان بحقبه الزمنية خلال ثلاثين عاماً انقضت وتغلغل عميقاً في هذا النسيج لا ليصوغ قدَراً جديداً بل ليرى برؤية الأديب ما سُطّر من أقدار تجلّت في أسلوب كتابة هي آيات من جمال المعنى قبل اللغة وحملت حسه المرهف وعاطفته المتزنة التي تحاول قدر الإمكان عدم النزوع إلى الرومانسية والعيش في الأحلام والتمنيات مما أفاض بواقعية الرواية نسيجاً واعياً حياً بلا زوائد أو ضفاف وشعوراً إنسانياً لا يحتاج إلى محسنات. يتجاوب الزمن الداخلي للرواية الذي يتحرك مداره المفتوح على أمكنة متعددة مع زمن خارجي قلق ، يعاني التحول بين “الغربات” :”الغربة لا تكون واحدة ، إنها دائماً غربات. غربات تجتمع على صاحبها وتغلق عليه الدائرة، يركض والدائرة تطوقه. عند الوقوع فيها يغترب المرء في أماكنه وعن أماكنه ، أقصد في الوقت نفسه” (ص 142).وذلك على نحو يغدو معه الزمنان زمناً واحداً يناوشه فيه الحرمان واستحضار المنفى بينما هو يعايش لحظات العودة:”في المنفى لا تنتهي الغصة، إنها تستأنف .في المنفى لا نتخلص من الذعر ، إنه يتحول إلى خوفٍ من الذعر” (ص 165).”كان علينا أن نتحمل وضوح الغربة وعلينا اليوم أن نتحمل غموض العودة” (ص 79). “منذ ذلك الصيف أصبحت ذلك الغريب الذي كنت أظنه دائماً سواي ” (ص 5) .ومن هذا المنظور، كأن “مريداً” أراد نوعاً من المجاز الموسّع أو تصويراً رمزياً لزمن خاص تفاصيله ناجمة عن الأوضاع المعيشية العامة للحياة الحقيقية للفلسطينيين ،المؤطرة لدرجة الاعتياد في أُطر تصاريح الإقامة وتجديدها والرحيل عند العجز عن التجديد :”يحدث هذا للمنفي والغريب والسجين. ويحدث مثله للخاسر والمهزوم والمهجور.” (ص 142).وحدث مثله لمريد البرغوثي، فبعد حرمانه من العودة إلى مسقط رأسه “رام الله” وهو لا يزال طالباً في جامعة القاهرة، بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967م واحتلال اسرائيل للضفة الغربية صار الرحيل الدائم هو سمة حياته : فمن رام الله الى عمّان الى الكويت الى القاهرة ثم رُحّل منها إلى بيروت، ثم عاد إلى القاهرة مرة أخرى، ومكث فيها حتى زيارة السادات الى إسرائيل، ثم رُحّل ثانية إلى بيروت فبغداد ثم بودابست ودام ذلك 17 عاماً أقام خلالها في بيروت وبودابست فإلى عمان ثانية ثم إلى القاهرة. الزمن كشخصية رئيسية في الرواية حررها “مريد” من سببية التسلسل الحدثي حيث بدأت الرواية بالعودة عبر الجسر ولكن بداياتها الحقيقية ومتونها جاءت في فصول أخرى موزعة بانسيابية فرضها تسلسل الذكريات ومناسباتها في المجال الحيوي للزمن والذي يمثل البعد النفسي وتباين العواطف المختلفة. ساعده في ذلك افتقاده للاحساس بوجود الحواجز والحدود الفاصلة بين مختلف أبعاد الزمن .وكما حررها من هيمنة البعد المادي ممثلاً في المكان فقد حررها أيضاً من مثول شخصية الراوي “هو” في ضمير الغائب لتحتل مرتبة “أنا” ضمير المتكلم . فوق كل هذا فقد كان الحنين عنده هو كسر الإرادة وهو حنينه للزمان وفي رأيه أن الحنين متاح للمسافر بإرادته إلى مكان يختاره وفي وسعه العودة إليه متى شاء :” كل القصة في المكان. يمنعونك من امتلاكه فيأخذون من عمرك ما يأخذون .عندما سألني صحفي عن معنى الحنين بالنسبة لي، قلت له شيئاً قريباً من هذا.إنه كسر الإرادة.بالتالي لا علاقة له برخاوى الذكرى والاستحضار” (ص96). “لكثرة الأماكن التي رمتنا إليها ظروف الشتات واضطرارنا المتكرر لمغادرتها، فقدت أماكننا ملموسيتها ومغزاها، كأن الغريب يفضل العلاقة الهشة ويضطرب من متانتها.المشرد لا يتشبث. يخاف أن يتشبث،لأنه لا يستطيع. المكسور الإرادة في إيقاعه الداخلي الخاص”(ص 97).
رغم احتفائية النص بهموم الوطن والهموم الشخصية إلا أنه لم تنضح عباراته عن مرارات في أشد اللحظات مأساوية ولم يلقِ خطباً في لعن العدو بل استخدم مصطلحاً جديداً هو “تبريد اللغة” أي تفريغها من الوقع الرنان ولهجة الخطاب البطولي. فقد قابل موت من أحبهم كموت أبيه وموت شقيقه منيف المباغت واغتيال أصدقائه ناجي العلي وغسان كنفاني بحزن موجع ورثاهم بذات النغمة الموجعة الحزينة .كما رثى لذكرى أيامه الخاصة التي اتفقت مع فقد من أحبهم فذكرى زواجه كانت مع تاريخ اغتيال صديقه ناجي العلي وذكرى ميلاده كانت مع اغتيال صديقه الروائي غسان كنفاني ، أما تخرجه من الجامعة فكان في العام السابع والستين الذي شهد احتلال القدس والضفة الغربية وقطاع غزة ليفشل مريد البرغوثي في العودة مرة أخرى إلى وطنه :”نجحت وتخرجت وفشلت في الحصول على جدار أعلق عليه شهادتي” (ص 4). هذه النغمة الموجعة نعى بها أيضاً خيبته في عملية السلام واتفاق أوسلو وسخريته من تبدل الأدوار التي تحول بها الغزاة إلى ما يسمونهم “بالجانب الآخر” .
عن صحيفة “الأحداث”
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم