رائحة المدينة وهويتها (حول درويش حمور وشوقه) .. بقلم: غسان علي عثمان

في تضاعيف الرواية نجد “خرطوم الترك” مدينة مؤقتة ومستبدلة، ولا موجدة للسودانيين فيها طارئة مدينة للغزاة..
الأدب لا علاقة قانونية له بالتاريخ أو علم السياسة أو حتى دروس النقد المقدسة، وإن استبطن درسها وضايفه في تضاعيفه..
(بخيت منديل) نموذج المحظور فينا أنه بالشوق (لبد) حتى استحال إلى موت خالد..

ghassanworld@gmail.com 
إن ما يمنع حمور زيادة في رائعته (شوق الدرويش) من أن تصبح سيرة مغايرة، أن  درويش الشوق (بخيت) ما كان له من سبيل أن يبتز ذاكرتنا الاجتماعية الغارقة في الأنا، كما بان للبعض وأسرفوا غير مبالين بأنه قد تعمد إزعاجهم، وما شغل المعرفة إلا هذا!  فالرواية الحقيقية وظيفتها ليس إلهاء وإثبات الواقع، بل المَهمة الرئيسة لنص خلاق أن يؤرقنا، ويطن في الأذن، محدثاً أصوات مُرهقة، طنين شديد الولع بالإزعاج، فكيف نطلب من نص أن يتحول إلى نص آخر، فقط لأن مزاج النقد غلاب؟! ذلك أن وصية عمال النقد الذي يعملون على إجلاء آخر عسكر النقدية الجديدة أن يتهموه في شرف المهنة، ومهنة الأديب أن يتعارض أدبه من قلته، أن نقف انتباه أمام حيلتنا المقدسة في المعنى والوسيلة، وما للأدب علاقة قانونية بالتاريخ أو علم السياسة أو حتى دروس النقد المكتسب، وإن استبطن درسها وضايفه في تضاعيف سرده الطويل، وقد فعل “زيادة” ذلك بامتياز، أنه اشتغال محض على الذائقة؛ اشتغال مُر، يهرب من الرقابة، ويمايع المسكوت عنه، يقلب فيه جوانب المعقول واللامعقول، ويسرب شُعلة من توسلاته الخاصة؛ بل الخاصة حد الأذى، إنه وعي من كتب، وليس غيره، ، فالرواية تملك من قوة الانخراط في الوعي أكثر من أي نص آخر، والسبب خلوها من جدلية المنهج والموضوع، فالروائي نصّاص ومخادع طيب النية. 
وكما أننا نطالب بإعفاء الرواية من النقد التاريخي، أو الذي يستخدم أدوات وظيفتها إعطاء الأهمية للحظات في التاريخ عبر تقعيد وتأسيس المعلومات الواردة في النص، وتجميعها بغرض فرض واقعية الحدث، لا يمكن تطبيق هذا المنهج على الأدب، وصعوبة التطبيق تدخل من باب أنها رواية، أي هي حالة من السرد الممتد، ويلعب فيها الخيال دوره الفذ، وإن استلفت من حقول أخرى معالم تؤسس بها لحظاتها، فهذا يدخل في صميم حظها، أيعقل أن نطالب من يحيك رقعة للصلاة ألا يستخدم الحرير لأنه لا يصنعه ولا يجني ثمرته؟!. ولعل كتاب النقد الذين يدخلون إلى أي نص من الخارج، ويحتالون بذلك عبر المحاكمة، هم أشبه بالقضاة لا طلاب المعنى، وفي القرآن الكريم عادة ما نقف عند قصة البدء وهو موقف الملائكة من خلق آدم في سورة البقرة، ذلك أن السياق المعد سلفاً مؤذي بل يمنع من التطور، فهو رهين بالفكرة المركبة لصالح الموجود، يقول تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) صدق الله العظيم، إن السياق الدائري محكوم بمنطق ثنائي، وهنا فالناقد لابد له من نظير أو شبيه يقيم عليه قياسه، فنراه يلجأ مضطراً لعلم التاريخ فيصف الرواية بأنها تاريخية بشكل ما، أو يستبق القراءة الثانية للنص ويدعي كمال فهمه لما تقوله ولا تقوله. 
حول “بخيت منديل”: 
(بخيت منديل) نموذج حي لغائب المحظور فينا، وهنا لن يوفر المزاج الاجتماعي السوداني المولع بالاختباء والدس، قلنا لن يوفراً حلاً مرضياً لجميع الأطراف، فـ”بخيت” حمور موجود فينا ونقابله يومياً أحياناً نقترب منه بحذر ونشتهي أن نعترف له بالجرم؛ جرم إبعاده من حديقة النخب، فسودان الاجتماع لوحة مطرزة بأطياف خافتة وأشكال معدة سلفاً، فالواقعي ألا نقربه من جنتنا بدواعي طبقية، فبخيت حمور عبر بـ(الحب) فوق مواطن الرتبة والطبقية، هكذا أراد، ومن يمنع النص من الارتقاء بالواقعية، ماذ فعل؟ عبر بالحب مفككاً المسكوت، ومشذباً برفق العنف المُسرف في نسيانه، أنه بالشوق (لبْد) حتى استحال إلى موت خالد، يمط شفتيه لأنواع الضلال التي تجسدت فينا، فما غاب في درسنا الاجتماعي وظل هو (الأنسنة) أن تكون إنساناً بالشوق لا بالجلد.
“خرطوم الترك” الحضور المؤقت.. 
قرأت الرواية بحمولة ماكرة سببها ما كتب عنها، فالذين سطروا نقدهم توزعوا بين مدرسيين يلتزمون المنهج المتاح بشكل سلطاني بعض الشيء، وهؤلاء وقعوا في رق سلطة النقد المتعالي على النص، والذي من نتائجه الخروج باكراً من الرواية دون أثر، وأخرون قاربوا النص مع الواقعات التاريخية ليثبتوا أو ينفوا تحريفاً أجرته الرواية على سيرتنا الذاتية، وهؤلاء أيضاً وقعوا في شرك دراسة النص من الخارج، ذلك أن أي بنية معرفية في غالب أوقاتها تكتفي بنفسها، وهذا ما يجب أن يكون عند دراسة الأدب، من الصفحات الأولى عملت جاهداً لفعل إزاحة المعاني التي تركبت فيني، واصدقكم القول أنني لم أنج تماماً، لكن شغلتني سيرة المدينة الخرطوم (خرطوم الترك) التي ارتحل إليها الشيخ إبراهيم ود الشوّاك الدنقلاوي مع أسرته “حين شرع خورشيد باشا في اجتذاب السكان إليها بتوسعتها، وإنشاء المباني والحدائق لتكون عاصمة للقطر – الرواية” فالخرطوم هي وريثة (سوبا المقتولة) كما ذكرت الرواية، وقام وأسرته بالفعل التأسيسي لها عبر نقل أحجار سوبا إلى المدينة الوليدة، وحقق بذلك ثروة، إن الانتقال من سوبا إلى الخرطوم – خرطوم الترك – والجماعات التي عملت على صياغة معنى المدينة يفيد بشكل مباشر الهوى الثقافي الذي تبنته الخرطوم، كعاصمة للقطر، وهذا ما يجعل من الخرطوم مدينة مصنوعة، وغريبة عن الوعي الشعبي، ففي سجل الكتابة الأدبية عن الخرطوم بؤس إذ هي فقط جغرافيا جديدة ومقرن للنيلين، لا روح فيها ولا شجن، فكيف يمكن لمدينة تأسست برغبة الدخيل أن تمتلك خصيصة وجدانية مائزة، فالسوداني في خرطوم الترك لا يحتل إلا المواقع الدنيا فيها، فهو إما تاجر عن وسيط وإما مسترق – تخفف لخادم – ومن يراجع الخارطة السكانية لخرطوم القرن التاسع عشر وحتى مطلع القرن العشرين قبل استقلالنا الوطني سيعرف إلى حد كانت مدينة نافرة عن الوجدان السوداني، فهي مدينة (القبط واليونان والسريان والمصريين والخواجة، والمنبوذين.. حتى أسماء أحياء المدينة توزعت عند هوى سادتها) وما وجود السوداني فيها إلا نتوء افتراضي، وما كان ليقبل فيها الساكن الأصلي للبلاد إلا عبر الدخول مكرهاً في دائرية الخواجة وإقامته فيها محددة بل ومراقبة، ومن استطاع الإقامة في  الخرطوم “خرطوم الترك” فهو حتى اليوم يعيش العزلة الوجدانية عن بقية الجسد السوداني، أسود ومائل للود بشكل صارخ. إذن في سيرة مُشكلة على من يتتبعها، ولعل في الخرطوم حتى الآن شيء من الغربة تعانيه النفس، الخرطوم مدينة مؤقتة مستبدلة، ولا موجدة للسودانيين فيها، فهي طارئة وحتى بعد انهيار المهدية عُمدت من جديد مدينة للغزاة.
إن ما يشغل قارئ الرواية أمران أولهما كثافة التداخل بين الشخوص ولعله ولع بفكرة (الفلاش باك) وهي تقنية سينيمائية إلا أنها دخلت عالم النص بسبب من سحريتها وامعانها في الغموض المركب، وقد أسرف زيادة في استخدامها وظني أنها كانت تحتاج (التقنية) إلى ضبط ما يجعل حضورها مفيد في سياق السرد وضروري، الشيء الآخر العبارات ذات المدلول الجنسي، وهي عبارات (دارجة) من صميم رصيدنا اليومي من الحكي، وإن جعلها حمور تتسق في أحيان مع طبيعة البيئة والشخوص وفي أحيان أخرى مقحمة، وبان لي أنه كان من الممكن تعطيل هذه الخاصية، خاصية المحلية الشفاهية في فضاء الرواية، ومن يتصفح (شوق الدرويش) سيقع على مسألة الهوية، فإبراهيم ود الشوّاك الذي “نشأ في الخرطوم بمعية المغاربة، ثم رافق أبناء جركس واليونان وتعلم منهم التجارة ومسالك الرزق” الرواية- يجعل منها شخصية نموذجية للسودان النيلي، أي الشخصية التي تركبت على مزاج جديد يخص الغازي وتسريبه لقيم الحداثة في مجتمع متخلف، إبراهيم ود الشواك “نمت فيه غريزة الربح وقراءة اتجاه الريح بقوة، فكان كمن يقرأ غيب المكسب. لا تخطئ له صفقة، ويمشي في ركابه الربح تابعاً مخلصاً” الرواية – حتى أن إبراهيم اعتنق الحداثة الوافدة بأن تزوج من النّوار بنت الحاج قاسم المغربي تاجر الغلال والذي تصفه الرواية بأنه ” كان قد غرس مجده في أعلى تلال الثراء” وهنا يأتي الحديث بجدة عن تأسيس الشخصية السودانية النيلية تلك التي وجدت متشابهات في القيم والسلوك والتدين فأقامت نفسها على أنموذج الوافد الغازي برفق، وكيف أن ود الشواك النموذج الانتهازي الذي كان عميلاً مزدوجاً للثوار وقائدهم وللحكومة وباشاها، إذ أنه بعث سراً برسائل إلى أمير الأمراء عبد الرحمن ود النجومي (ولعل اختيار النجومي بالذات فيه دلالة واضحة على العلاقة بين الوعي الذي يحمله ود الشّواك وبين النجومي الذي أسس لاحقاً حضوراً هوياتياً في مصر) بعث إليه سراً معلناً ولاؤه لمهدي الله. هذا ما يجعلنا نقول بأن مسألة الهوية تتركز بصورة أساسية عبر تحليل حضور شخصية إبراهيم ود الشواك وأدواره المتصلة منها ببطل الرواية “بخيت منديل” ومقتولته المحبوبة “ثيودورا” الخرطوم و”حــواء” البقعة، حيث تتجلى أزمة الهوية في رواية زيادة.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

السودان بين حروب الموارد وأقنعة الهوية -قراءة لكتاب

زهير عثمانzuhair.osman@aol.comقراءة في كتاب د. محمد سليمان محمد على ضوء الحرب الجاريةفي خضمّ الحرب المدمّرة …

اترك تعليقاً