محمد صالح محمد
يقولون إنّ لكلّ عمرٍ ربيعًا، ولكنّ ربيعي لم يكن فصلاً يمرّ بهِ الفلك، ولا شهورًا تطويها الأيام. كان ربيعي أنتِ؛ كان “أحلى فصول العمر حنانكِ”.
حين ألتفتُ اليوم إلى الوراء، أجدني أقف على أطلالِ عمرٍ تشظّى، ألمسُ بقايا الدفءِ الذي كان ينسكبُ من كفّيكِ في صقيعِ أيامي. كيف لغيابِكِ أن يحوّل ذلك الحنان الطاغي إلى خنجرٍ يمزّق الوريد؟ كنتِ المأوى، وكنتِ الأمان، وكان حنانُكِ هو الدثار الوحيد الذي يحميني من قسوة الدنيا. والآن وا أسفاه على قلبٍ بات يرتجفُ بردًا وشوقًا في غيابكِ يبحث عن فصلِكِ الراحل فلا يجد سوى شتاءٍ أبديٍّ من الدموع.. يا زولتي النادرة التي غابت ولم تغب ذكراها.
في غربة الروح… “أجمل حتة لقيتَ مكانك”:
لقد طوّفتُ في هذه الأرض طولاً وعرضًا، ركضتُ خلف الأوهام والناس، لكنني لم أشعر يوماً بالانتماء إلا بين يديكِ. “أجمل حتة لقيتَ مكانكِ”.. هناك في ذلك الركن الدافئ من صدركِ حيث كان قلبي ينبضُ مطمئنًا، حيث كانت روحي المتعبة تلقي أثقالها وتنام كطفلٍ أضناه البكاء في حضنِ “زولته” التي يفديها بروحِه.
أين أذهبُ اليوم بكل هذا الحب اليتيم؟ كل الأمكنةِ بعدكِ منافٍ باردة وكل الوجوه غامضة وموحشة. لقد انطفأ النور في الزاوية التي كنا نلتقي فيها وصارت “أجمل حتة” في كوني مجرد وادٍ من الذكريات السحيقة، أزورها كل ليلة بدموعٍ تحرق المآقي، وأتساءل بمرارة: كيف لمكانٍ اتسع لكل أحلامنا أن يضيق بي وحدي حدّ الاختناق؟
دربُ الدموع.. “أجمل سكة مشيتَ عيونك” :
لم أكن بحاجةٍ إلى خارطةٍ لأهتدي في هذه الحياة فقد كانت عيناكِ دليلي ونجمي القطبيّ، وضيايَ في العتمة. “أجمل سكة مشيتَ عيونكِ”.. كانت الرحلة في بحرِ نظراتكِ هي السفر الوحيد الذي تمنيتُ ألا ينتهي. كم تاهت نظراتي في تفاصيلِ عينيكِ، وكم قرأتُ فيهما وعودًا بالبقاء، وعهودًا بالوفاء، وقصائد عشقٍ لم تُكتب بكلمات بل ببريقٍ سمرّيٍّ يحيي العظام وهي رميم.
واليوم.. أسير في سكةِ الأحزانِ وحدي، أغمض عينيّ لعلّي ألمح طيفَ ذلك البريق، فلا أجد سوى السواد، وسوى دمعٍ حارٍّ يغسل ما تبقى من ملامح الفرح في وجهي. لقد انكسرت المرآة التي كنت أرى نفسي فيها جميلاً وانطفأت العيون التي كانت تختصر لي الكون بأسره.
الوداع الأخير لزمنٍ لن يعود:
آهٍ من قسوةِ الحب حين يتحوّل إلى رثاء ومن مرارةِ الرومانسية حين تُكتب بمدادِ الفقد والرحيل. لقد رحلتِ ورحلَ معكِ كل شيء؛ أخذتِ الحنان، وأغلقتِ المكان، وأطفأتِ العيون، وتركتني هاهنا.. مجرد بقايا إنسان، يبكي فصولاً لن تعود، ويسند رأسه المتعب على جدارِ الذكرى، ويموت في رثائكِ كل يومٍ ألف ألف مرّة.
وتظلّين أنتِ.. الحاضرة الغائبة، والوجع المقيم الذي لا يبرأ، والحب الذي لا يموت وإن فنيَ الجسد. سأبقى أتلفتُ خلفي في كل ليلة، أنادي طيفكِ الهارب في عتمة الذاكرة، وأردد مع كل دقة قلبٍ مكسور: ليت الفصول لم تمضِ، وليت المكان لم يخلُ، وليت تلك العيون الباكية لم تودّع أجمل سكك العمر.
يا “زولتي” الراحلة في غياهب الغياب، يا من تركتني في منتصف الطريق بلا حنانكِ وبلا أمانكِ، اعلمي أنني سأظلّ أحبكِ بملء هذا الشجن، وأبكي فراقكِ بملء هذا الكون حتى يجمعنا الموت في موطنٍ لا فراق فيه ولا دموع، ولا حنين يمزق الروح.
نامي مستريحةً في قلبي فما زال مكانكِ هو الأجمل وما زالت عيناكِ هي المبتدأ والمنتهى.
binsalihandpartners@gmail.com
