رحلت خليتنا للأحزان يا الفريّد
ebraheemsu@gmail.com
نعي فاجع
مساء الأحد، أمس الأول، الموافق السادس عشر من هذا الشهر نوفمبر 2025م رحل عن دنيانا الفانية، بصورة مفاجئة، الأخ العزيز إسماعيل محمدين آدم “اللجابو”، لم يمهله المنية لالتقاط أنفاسه بعد وصوله للقاهرة مستشفياً من علة لم تلازمه طويلا.
نتضرع للمولى عزّ وجل أن يتقبله قبولاً وحسناً، وأن يرزقه الفردوس الأعلى من غير حساب، وأن يحسن نزله ويوسع مدخله، ويصّبر ذويه. اللّهم بارك في ذريته وأجبر كسر أهله وخفف كرب معارفه في فقده المر.
رحيله المباغت، أربك مشاعرنا، وعكّر مزاجنا، وكاد أن يفقدنا توازننا، لو لا استدراك، أن الموت حق والحياة باطل. رحيل صديق العمر حاج إسماعيل اللجابو، بالنسبة لنا ليس حدثاً عابراً، وليس فاجعة ككل الفواجع، فهو رفيق الصبا، وزميل التجارة وصديق العمر، لعبنا الشّادة والشليل على رمال حلتنا الناصعة، وتكبدنا مشاق المشاوير، بين الحلال وراء الأبقار العطشى، وتجرعنا ملل الانتظار الممتد أمام بوابات الدوانكي المزدحمة، تقاسمنا بلح الجيوب، وأكلنا الملح والملاح.
كان الفريّد، نوارة شباب الحِلة، في المناسبات الفرائحية، حريف ومرتب، هادئ ورزين، لمّاح وحسّاس للغاية، لا يقحم نفسه فيما لا يعنه، حازم مع من يتجاوز حدوده، مدلّع لكنه ليس مغرورا.
اسمه إسماعيل، وسمى بالفريّد لأنه فريد والدته الحاجة أم قماش بت حامد، الخالة الفاضلة، كمريم بنت عمران، ما دخل أحد بيتها، إلا وجد عندها البركيب الثخين، أو الحليب المقنن، وسمى باللجابو، لأنه قدم إلى الدنيا، بعد إلحاح وطول انتظار، وربما يأس، ونحن أطلقنا عليه العاقب، وأحياناً العجب، ولا يعرف سر هذه التسمية المخصوص إلا هو وأنا. وأخيراً حاج إسماعيل، وكثرة الأسماء تدل على عظمة المسمى.
إسماعيل اللجابو، بين أخوته لأبيه، بمنزلة يوسف بن يعقوب، يخصه والده الشيخ الحاج محمدين آدم، شيخ الحِلة، وحكيم الديار، بحبٍ جما، إلا أن هذا الحب لم يفسده، وإنما ارتكز عليه، ليصبح ملاذ الأسرة وقرة أعين والديه، وواجهة مشرفة للحِلة، حباه الله بالمال الوفير منذ بداية شبابه، فلم يخصه لنفسه، ولم يحتكره لعائلته الضيقة.
من شقاوة الطفولة، ومغامرات الصبا، والدكاكين المجاورة في السوق، والفرش في أسواق الشمس، وجولات تجارة الأم دورور بين القرى المجاورة، تقاطعت مشاوير حياتنا، وتشابكت مسيرات خطانا المتعرجة. خلال الرحلات التجارية، عرفنا بروتكولات فنادق عروس الرمال، أيام عزها، وعنفوان مجدها، منتصف الثمانينات واكتشفنا أطايب المدن، وخبايا البندر، كقوّازة قادمين من الضهاري، أدهشتنا لذة الباسطة مع الحليب “الساقت”، في بوابة سينما عروس الرمال، وحسدنا ناس المدن على فاكهة الموز اللذيذ، وعيدان الأقاشي الطاعم، وكدنا أن ندمن أكل الفول بالجبنة في مطعم طرمبة أجيب بوسط المدنية.
عندما انتقل من رهد البشم للاستقرار بمدنية غبيش، قبل حوال عقد ونصف من السنوات، وأصبح مرتكزا وعنواناً للحِلة، اتصلنا عليه معاتباً، لماذا هجرت الحِلة يا الفريّد، ورحلت إلى البندر؟ قال لنا: “ناس تورابورا وعصابات النهب المسلح، لم يتركوا لنا خياراً، يلاوك في حقك، وإن عنقرّت، يشربوا دمك، ويسلوا روحك”، فعذرته.
اتصل علينا الراحل حاج إسماعيل اللجابو آخر مرة في شهر سبتمبر الماضي، ضمن سلسلة من الاتصالات المتكررة، يوصيني خيراً بأبنته موّدة اللجابو التي شرعت في إكمال إجراءات اللحاق بزوجها والاستقرار معنا هنا في بريطانيا، اتصالات “العاقب” المتكررة، وتكراره ذات الوصية، دفعنا للإشفاق عليه، رغم محاولات التطمين الجادة.
تعازينا الحارة، لزوجتيه الأستاذة/ حواء إدريس، حفيدة عمه الراحل، الفقيه العارف بالله مولانا فضل، أمام وخطيب مسجد الحِلة، والأستاذة/ علوية بت المرحوم الحاج عبدالله خليل، الذي كان أحد رموز دار طويشة وأحد أعيان منطقة شق الجاموس/ ريفي اللعيت جارالنبي، ولأبنائه الماحي وعبدالباسط ومنتصر ومصباح ومحمد.
والعزاء موصول لوالده الشيخ محمدين آدم، وإخوانه إبراهيم والشيخ الصادق ومحمدين وعصام الدين محمدين، وجميع أبناء عمه المرحوم الفكي فضل ولآل الفكي حسن ود بشر ولآل الفكي على الجزولي ولآل الفكي حامد أب دومة ولآل حاج عبدالله خليل.
تعازينا الخالصة والخاصة لجميع أهل رهد البشم في رحيل حاج إسماعيل اللجابو، والتعازي موصلة لأهالي أم جرو عبيدة وعيال أمين ورهد التور، والمنارة والدم زوقة، وجاد السيد والتوم بشارة وكافة أهالي منطقة اللعيت جارالنبي والطويشة وغبيش.
عظّم الله أجرهم، وأجر جميع أصدقائه ومحبيه.
ستبقى ذكراك نبراساً في قلوبنا
وعطراً يفوح في أرواحنا
رغم أنف الفراق يا الفريّد
إبراهيم سليمان “الخليل”
17 نوفمبر 2025م، بريطانيا
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم