للحروب أوجاع كثيرة، ولعل أقساها موت الإنسان، ليس حين يسقط جسده برصاصة، وإنما حين يُرهق القهر روحه، وتضيق به الحياة، ويصبح الوطن الذي كان يحلم به مثقلاً بالجراح.
ومن بين أكثر الفواجع التي أصابت السودان في سنوات الحرب رحيل عدد من رموزه الفكرية والأدبية والفنية. فالموت حين يطال إنساناً عادياً هو فقدٌ لأسرته وأصدقائه، لكنه حين يطال مفكراً أو شاعراً أو فناناً، فإنه يأخذ معه جزءاً من الذاكرة الوطنية، وجزءاً من ذلك الصوت الذي كان قادراً على أن يقول ما يعجز الآخرون عن قوله.
وكان رحيل الدكتور حيدر إبراهيم علي من هذه الفواجع التي هزّت الوسط الثقافي السوداني. فلم يكن حيدر إبراهيم مجرد كاتب أو باحث يكتب في شأن عابر، وإنما كان صاحب مشروع فكري ظل ملازماً له سنوات طويلة. حمل قلمه، وواصل الكتابة، ودافع عن أفكاره، ولم تكن تقلبات الحياة السياسية ولا قسوة الواقع كافية لأن تجعله يتخلى عن قناعاته أو يتراجع عن دوره في الحياة العامة.
لقد اختار أن يجعل من الفكر وسيلة لفهم الواقع، ومن الكتابة مساحة للنقد والحوار، ومن الثقافة جسراً بين الإنسان ووطنه. ولهذا فإن قيمة حيدر لا تكمن فقط في الكتب والمقالات التي تركها، وإنما في الأسئلة التي أثارها، وفي الأجيال التي قرأت له، وفي ذلك الإصرار على أن يكون للمثقف موقف من قضايا وطنه ومجتمعه.
والحرب التي يعيشها السودان منذ أبريل 2023 لم تدمر المدن والبيوت وحدها؛ فقد أصابت كذلك الذاكرة الجمعية، وأرهقت الإنسان السوداني، وأثقلت المثقفين والمبدعين بأوجاع يصعب التعبير عنها.
فالمبدع ابن بيئته، يرى ما لا يراه الآخرون، ويشعر بما قد يمر على غيره من دون أن يترك أثراً. ولذلك فإن الحروب حين تطول لا تستهلك الموارد والمكان فحسب، وإنما تستنزف أيضاً طاقة الإنسان على الحلم والتحمل.
وقد فقد السودان خلال السنوات الماضية عدداً من رموزه في مجالات الفكر والأدب والفن، وكل رحيل منها كان يذكّرنا بأن الوطن لا يفقد الأشخاص وحدهم، وإنما يفقد معهم أصواتاً وتجارب وذكريات لا يمكن استعادتها بالصورة نفسها.
لكن الموت، مهما كان قاسياً، لا يستطيع أن يقتل الفكرة. وهنا تكمن المفارقة الجميلة في حياة المفكر:
قد يرحل صاحب الفكرة، لكن الفكرة تظل تبحث عن قارئ جديد، وعقل جديد، وجيل جديد يحملها إلى المستقبل. قد يغيب الصوت، لكن ما قاله يبقى حاضراً في الكتب، وفي ذاكرة تلاميذه وقرائه، وفي الأسئلة التي تركها مفتوحة.
وهذا هو المعنى الأعمق لرحيل حيدر إبراهيم. لقد رحل الرجل، لكن فكره لم يرحل معه.
فالمفكر الحقيقي لا يقاس عمره بعدد السنوات التي عاشها، وإنما بما تركه من أثر في عقول الآخرين. وربما كان خلود الإنسان في أن يجعل من حياته سؤالاً يتجاوز موته، ومن كلماته جسراً تعبر عليه الأجيال من زمن إلى زمن.
رحم الله الدكتور حيدر إبراهيم، ورحم كل الذين رحلوا وهم يحملون في قلوبهم حلماً بوطن أكثر سلاماً وعدلاً وإنسانية.
ويبقى السودان محتاجاً إلى فكره ومفكريه أكثر من أي وقت مضى؛ لأن الأوطان التي أنهكتها الحروب لا تحتاج إلى إعادة بناء الحجر وحده، وإنما تحتاج قبل ذلك إلى إعادة بناء الإنسان.
وهنا، ربما، يبدأ خلود الفكر بعد رحيل صاحبه.
عثمان يوسف
