كيف لا
المجتمع السوداني مجتمع خيّر بطبعه ، يمارس فعل الخير بشكل فردي وبسيط ، كأن يمد الجار لجاره من زاده أويتكفل القريب المقتدر بالمصاريف الدراسية للطلاب المحتاجين من العائلة الممتدة ،كما يمارسه بشكل جماعي في الأفراح والأتراح بأشكال مادية وعينية تتنوع بتنوع تلك المناسبات ، مما يدل على أن ثقافة فعل الخير في ثوبها السوداني ضاربة بجذورها في الخلفية الأخلاقية الإنسانية بمعناها الشامل .
إن المقدرة على فعل الخير أساسها سماحة النفس واستعدادها لمساعدة الآخرين .هذا المعنى له قاعدة راسخة في المجتمع السوداني ، كما استطاعت أن تجسدها حديثاً منظمة "رد الجميل" التي أسسها الأستاذ محجوب شريف ونتابع نشاطاتها التي تسري وسط الناس في أريحية وعفوية. والاسم المستوحى من خلفية أخلاقية عقائدية في المجتمع السوداني يصور هذا الجميل المراد رده مهما كان صغيراً فهو كبير بمعناه.و فكرة رد الجميل هي فكرة إنسانية شاملة فهي ليست قاصرة على المجتمع السوداني وحده ، فقد شاهدت قبل أعوام ما يجسدها في الفيلم الأمريكي ( رد الجميل لآخرين) ، وهي تقوم على تكريس ثقافة فعل الخير في المجتمع من خلال التخلص من الشعور بالأنانية الذي يصاحب فعل الخير أحياناً، فبدلاً من أن ترد الجميل لفاعله ، فإنك تقدم المساعدة لآخرين محتاجين لا تعرفهم وبذلك يشيع فعل الخير كأسلوب حياة في المجتمع بأسره.
من ضمن ما نشطته منظمة "رد الجميل" في السلوك الاجتماعي السوداني هي أنها أزالت الفكرة التي تربط فعل الخير بالمقدرة المالية لدى الفرد ولفتت النظر إلى أن فعل الخير هو مقدرة نفسية توظف هذا البذل وتخرجه في أريحية كاملة وبما هو موجود ومتاح . كما إنها تعمل بطريقة أشمل من العمل الخيري لبعض الجمعيات الذي يستهدف فئة معينة مثل فئة الخيرين من أصحاب المال. هناك دراسة في هذا المجال قام بها باحثون من جامعة بريتش كولومبيا في كندا أثبتت أن:" إنفاق المال على الآخرين لا امتلاكه يُشعر المرء بالسعادة, وأشاروا إلى أن إنفاق ولو خمسة دولارات فقط على الآخرين يملأ القلب بالسعادة. وقال الباحثون الكنديون إن الأشخاص الذين أجريت عليهم الدراسة كانوا أكثر سعادة عندما أنفقوا جزءاً من مكافآت حصلوا عليها ، على الآخرين وليس على أنفسهم. وأن هذا الإنفاق أشعرهم بأن عمل الخير يحسن نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى غيره. "
وكواقع معاش فإن المجتمع السوداني يستشعر المسئولية الاجتماعية ويعمل عليها ، إلا أن كثيراً من الجمعيات الخيرية تعمل على استحياء لأن نظرة المجتمع السوداني لطالب العون فيها كثير من الظلم ، فهو يفضل الإنسان المنزوي بحاجته على ذلك الذي يعلنها . كما أن هذه الجمعيات تواجهها إشكالات أساسية تحد من فعل الخير بشكل مؤسسي وهو عنصر الإطمئنان ، وذلك لأن من يرغب في فعل الخير أول ما يهمه هو أن يقدم المساعدة إلى مستحقها . فما الذي يمنع هذه المنظمات من أن تعمل بشكل حديث وأكثر شفافية بأن تنشيء قاعدة بيانات مفتوحة ترشد الراغبين في فعل الخير من مؤسسات وأفراد إلى مواطن الحاجة كما تزودهم بإحصائيات دقيقة تشمل المحتاجين، وإذا كانوا متبرعين دائمين تقدم لهم تقارير دورية تطمئنهم على وصول تبرعاتهم إلى مكانها الصحيح.وبهذا نكون قد كرسنا فعل الخير في نفوس الناس وأصبح أسلوب حياة يعكس القيمة الإنسانية العميقة التي تنضح بالمشاعر الإيجابية نحو الآخر المحتاج كما تُشعر فاعل الخير بقيمة العمل الذي يؤديه ، فهو مهما كان صغيراً فإنه يساهم في تخفيف معاناة أحد ما .
"سلميلي علي البحسو
بكل نبض الأرض ديا
و سلميلي على البيابو
الحق هدية
وسلميلي علي مهيريات
شهيدن نارو حية
وسلميلي علي رفاقي
وبلغيهم اشتياقي
وعن حياتم قولي لي
وسلميلي علي حبايب
في زوايا المغربية
وقولي ليهم حبو غنو
الدنيا ما زالت ندية"
"في انتظارك لمحجوب شريف"
عن صحيفة "الأحداث"
moaney [moaney15@yahoo.com]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم