يا سناء بعد التحية والسلام التام لشخصك.
كم تمنيت لو كان لنا رواكيب او حتى ارض او عُوَض كما ينطقها اهلي في الجزيرة لسعدنا بان نطلب منك ان تسوي لينا شاى وبى لبن كمان، باقي نحن هناك مغرمين بشاي اللبن الكارب داك وعند المغارب او وقت الطيحة في رواياتهم آخر من رواياتهم وكمان ماتنسي السكر الزياده..
ياعزيزتي سناء شدني ان اكتب اليك هذه الرسالة ، واستفذني (هنا بالمعنى الإيجابي) ذلك النص الجميل الذي صورتي فيه زيارتك لذلك الصرح العظيم -معهد الموسيقى والمسرح – والذي تشرفت باني قد انتميت اليه لفترة قصيرة جداً كطالب في قسم الدراسات الإضافية ولكن القلق الذي امتلكنا لاسباب اهمها الهوس الفلسفي ونحن على عتاب التخرج منعني من نعم المواصله
ماعلينا سيدتي، فقد عوضنا بديلاً عنه حوش المجلس القومي للاداب والفنون الذي كان قبلة ومنارة لكل اهل الفنون والآداب والثقافة واحسب ان فترة عملي في المجلس كانت من انصر وأبهى فترات حياتي حيث اتيحت لي ولحسن الحظ، فرصة التقرب الي ذاك الرهط الطيب من المبدعين السودانيين ممن كانوا يمثلون كل المجالات الأدبية والثقافية ولم يكن المجلس وحده بالطبع القيم على امر الثقافة السودانية فقد كانت هناك اجسام ثقافية اخرى انشات لذات الغرض منها مصلحة الثقافة ومعهد الموسيقى والمسرح وقبلهما دار الاذاعة وبعدها التلفزيون اضافة الى الجمعيات الأهليه والخاصة ومن اهمها في نظري دار الثقافة.
اما جهازى الإذاعة والتلفزيون فقد مثلا دور الخزانة التي أدت دورها في حفظت تراث هذا البلد اغني والزاخر بكل ماهو جميل وممتع..
الكلام الفوق كله جاء خاطرة بسبب ان حظي العاثر لم يسعفني ان أتعرف على ذلك الشاعر الذي كانت كلماته تتسلل الى الروح بعفويتها المتناغمة.. ومن يكون ذلك غير سعد الدين ابراهيم والذي تسلل هو من هذه الدنيا في هدوء مثلما عاش فيها بذات الهدوء..لقد تعلمنا كلمات الحب الاول حينما كنّا نغازل الحسان في أيامنا بروائع كلمات أغنيات سعد الدين واللاتي على قلتهن الا أنهن كن دررا غوالي فمن منا لم من لم يردد مع عركي
ساوا ليكم بادينا شاي
وحالبالكم ضراع الليل
وده عشان تفرحو كلكم.. وانتشينا وتمايلنا وطربنا مع عركي ونحن ننساق زي الشُعَاع بين رواكيب سعد الدين واوض عركي علشان نتاوق معاه لتلك الحبيبة الفرضية والتي سوا لينا بايدينا شاي وايه كمان من لبن ضرعات الليل زياده كمان..ياسلام ياسعد الدين كيف لك هذا الخيال البازخ؟
كان اخيك ابو السعود احد رواد تلك المدرسة الواقعية الجديدة في الشعر الغنائي والتي احسب انها بدأت بخليل فرح في قدلاته عند شارع الترماي بحى ابروف ولقد استفاد بالتالي سعد الدين من ذاك الارث الخليلي ومفرداته الجديده والمتميزة..(حافي حالق) والذي في تقديري ( خليل فرح) انه هو من وضع حجر الاساس للمدرسة الواقعية الجديدة التي تأثرت بها الاجيال اللاحقة.. وليس ذلك بغريب على سعد الدين ذلك الشاعر المتمرد المعروف بذكائه مما أتاح له ان يخلق لنفسه مفردات افادته في كتاباته النثرية في عموده الراتب ( النشوف اخرته)..
لم يذكر احد ان سعد الدين قدم عمل درامي حتى انا الفقير لله المتابع لك ولابداعك لم أكن حقيقة اعلم ان لك باب عريض وعريق (ومن السنط كمان) الى ان سمعت صريره من الامين العام للمجلس الاستاذ جمال محمد احمد عليه رحمة الله في زيارة لي معه للمسرح للاحتفال بيوم المسرح العالمي وعم جمال لا يجامل ابدا مهما كانت مكانتك عنده انتبه استاذنا جمال لتمثيلية باب السنط كعمل درامي إذاعي وكتب عنها في صحف تلك الايام واشاد به كعمل متميز وتنبأ لكاتبه(الشاب وقتها سعدالدين ابراهيم) بمستقبل ناجح وقد صدق استاذنا جمال فقد اصبح ذاك الشاب الطموح احد من يشار اليهم بالبنان في حيواتنا الثقافية…
وشوفنا اخرتا ياسعد الدين واخرتا كوم تراب لذاك الجسد الذي لم يتحمل صاحبه المهووس بالإبداع ولكن ستبقى حكاوي الحبيبة وتلك الاخرى المابتسال عن ظروفك ونسأل نحن رب الرحمة ان يرحمك وهو من كتب على نفسه الرحمة….
عثمان يوسف خليل
المملكة المتحدة
osmanyousif1@icloud.com
سناء إبراهيم
سيدي الكاتب الجميل عثمان يوسف خليل،
قرأت كلماتك عن أخي سعد الدين إبراهيم، رحمه الله، كمن يُمسك بمنديل من الوجد ويجفف به دمعة في وجدان الوطن. كلماتك لم تكن رثاءً بقدر ما كانت مرآة صافية تعكس كيف تسلل هذا الرجل إلى الناس، وسكن قلوبهم، ثم رحل على أطراف الحنين.
لقد عرفتُ سعد الدين في بيتة كما عرفه الناس في كلماته؛ هادئًا، عميقًا، مستغرقًا في التأمل، غارقًا في اللغة كمن يغوص في نهر من المعنى. عرفتُه أخًا، وصديقًا لمن جعلوا من الكلمة حياة. كيف لي أن أنسى حديثه الممتد عن الدوش، عن محجوب شريف، عن التجاني سعيد، عن محمد نجيب محمد علي ومحمد الحويح، عن دكتور من الله واستاذ وراق وعن الرفقة التي لم تكن مجرد أدب، بل كانت مشروعًا إنسانيًا، متّقدًا وواعِدًا.
كانت أيام “نادي المسطبة” واخرة”نادي الحديقة” تضجُّ بنقاشات ومجادلات، ضحك وقراءات، وكلها تذوب في وجدان سعد الدين، وتخرج لاحقًا في قصيدة، في زاوية، أو في صمتٍ لا يُترجم إلا بالحبر.
كان بيتنا يعج بالكتب وبالضيوف وبالشجن النبيل، وكنتُ أراه يسهر يكتب، أو يصغي، أو يبتسم دون أن يُفسر لماذا. كانت كلماته خفيفة على الورق، لكنها ثقيلة بالمعنى، وكانت عزلته لا تشبه الوحدة، بل تشبه النضج حين يختار أن لا يصرخ في ضجيج العالم.
“النشوف آخرتا” لم تكن عمودًا فقط، بل كانت تنهدة تُقال نيابةً عنّا جميعًا، في مواجهة العبث، السخرية، والمفارقة التي نعانيها كل يوم. أما “باب السنط”، فقد كان سرّه الصغير الذي قلّما يتحدث عنه، لكنه يبتسم حين يُذكر، كمن يتذكّر أول حبٍّ خبّأه في دفتر قديم.
سيدي،
لقد رحل سعد الدين كما عاش: بسيطًا، شفيفًا، هادئًا، لكنه ترك وراءه أثرًا لا يُمحى. أما نحن، أسرته الصغيرة، وأسرته الكبيرة الممتدة في الناس، فسنظل نقرأه، نردّد أغنياته، ونشتاق إليه في لحظات الصدق، لأن الصادقين لا يُعوّضون.
شكرًا لك على كلماتك التي نكأت في القلب وجعًا جميلاً، وجعلتني أعود إلى تلك الذكريات التي أحبها، وأحنُّ إليها، والتي أصبحت جزءًا منّي.
سناء إبراهيم
أخت الشاعر سعد الدين إبراهيم
28 يونيو 2025
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم