رسالة حب وتقدير لشعب السودان ونسائه المميزات .. صياغة وتحرير : ندى حليم

 


 

ندى حليم
23 May, 2011

 



من قطر إلى السودان: رسالة حب و تقدير لشعب السودان ونسائه المميزات

أفكار وآراء : ندى ناصر السعدي
صياغة وتحرير : ندى حليم

لي تجربة في السودان مليئة بالانفعالات والمفاجآت، فيها الدموع، وفيها الضحك وفيها الدهشة، إنها تجربة ثرة استخلصت منها الكثير الذي أود مشاركتكم إياها  خصوصاً عن المرأة السودانية التي سوف أتحدث عنها بالتفصيل .
بدأت حكايتي مع السودان عندما سمعت خبر مجيئي إليه نسبة لظروف زوجي في العمل، فعندما قال لي هذا الخبر أصدقكم القول أنني لم أفرح كعادتي بالسفر بل تلقيتة برضى كنوع من قناعتي بواجباتي تجاه زوجي الذي علي أن أرافقة اينما ذهب وأكون دعماً وسنداً له، فكان ردي لزوجي على الفور " أنا معاك أينما كنت "    أما في أعماق نفسي فكان هناك خوفاً كبيراً أخفيته عن الجميع وبدأت أفكر بقلق عن مستقبلي في هذا البلد السودان .
غريزة الأمومة جعلتني كتاب مفتوح أمام والدتي قرأتني في صمت واستطاعت دون الآخرين أن تكشف عميق خوفي هذا ، فنبرات صوتي عبر الهاتف وأنا أنقل لها الخبر كانت أولى السطور التي قرأت فيها قلقي المهول . فما كان منها الا أن دعمتني بكلمات محدودات لكنهن قيمات وقالت لي " خليك مع زوجك وربنا يوفقك ويسدد خطاك "، وكالت لي الدعوات الطيبات.  كنت أعلم أن هذا ليس كل ماتود قوله ففي داخلها أيضاً خوف علي لم تفصح عنه، ربما فقط لوالدي، بل بالتأكيد أخذ منهم هذا الموضوع زمناً طويلاً في النقاشات المتكررة المليئة بمخاوف الأبوة والأمومة تجاهي وتجاه أحفادهم " أبنائي " .
ربما يرى البعض أنه ليس هناك دافعاً حقيقياً لكل هذا الخوف والقلق؛ لكن أعزائي مانسمعه عن السودان من أحاديث مثل أن الأرض صحراء قاحلة ودرجة الحرارة عالية حد المرض، وانتشار الوبائيات، والفقر، والحروب والقتلى  .... الخ  كل هذا كان سبباً أساسياً في خلق هذا القلق المرعب .
وكانت المفاجأة العظمى مع صديقاتي عندما تصفحنا شبكة الانترنت بحثاً عن معلومات عن السودان لأنني في العادة أجمع معلومات عن أي بلد قبل زيارتها  . تأهبنا جميعنا والتففنا حول شاشة الكمبيوتر بدأنا البحث بكلمة (سودان )، لم تظهر لنا سوى صورة واحدة لرجل بالعمامة والجلباب السوداني داخل "كشك تجاري " صغير . ذهلنا ذهولاً عظيماً وبدأن صديقاتي يشعرن بالخطر الحقيقي تجاهي وبدأ خوفي يتصاعد، قالت إحدى الصديقات " أنتن لا تعرفن طريقة الطريقة البحث دعنني أنا أحاول "،  فتحت جهازها "اللاب توب" وحالما كتبت كلمة سودان على الموقع الالكتروني تعطل الجهاز نهائياً وأظلمت الشاشة، انفجرنا ضاحكات بعلو صوتنا حتى سالت دموعنا، وقالن لي إن هذا نحس واااضح ورُحن يعزينني ويرفعن أكفهن  بالفاتحة يترحمن على مستقبلي وهن غائصات في الضحك والحسرة والحيرة .
بعدها حاولت أن أتماسك، ونجحت في ذلك ملأت قلبي باليقين وتأهبت لمواجهة أسوأ الظروف، وأنني سوف أعيش في منزل عبارة عن غرفة واحدة وقد تكون نفسها للنوم والطبخ، وسوف لن أجد سيارة للتنقل، وسوف أقوم بكل أعباء المنزل بنفسي دون مساعة آليات أو أشخاص. وبدأت في شراء كل احتياجات الأسرة من أدوية ومواد تموينية، ومعدات، وملابس، حتى الخبز أشتريته، حزمت الأمتعة انتظاراً لزمن الإقلاع الأسود .
وصلت السودان وقلبي ينبض بعنف عند الهبوط الجوي للطائرة، ومخيلتي مزدحمة بالصور المتشابكة المظلمة المزعجة، دخلت المطار بصحبة زوجي وأبنائي، تجولت ببصري في أرجائه، وجدته معقولاً ومقبولاً جداً؛ قلت في داخلي " زين " . وكانت هذه بدايات الدهشة، أما الدهشة الحقيقية والتي انتشلتني فجأة من احباطي كانت في الطريق من المطار الى الفندق عندما رأيت الشوارع والمباني والسيارات والحدائق الجميلة، صعقت وسألت زوجي " هل أنت متأكد من أننا في السودان ؟؟ ". أجابني مؤكدا بابتسامة فقط وهو يعلم جيداً مابداخلي . شعرت براحة نفسية عميقة وأطمأنت روحي كأنما هبط عليها الهاماً من السماء.
معرفتي الواقعية بالبلد بدأت بعد فترة آناء تجوالي في أوقات العصر مع زوجي وأبنائي باحثين عن نوادي الترفيه وحدائق الأطفال. الحياة فيها تبدأ باكراً منذ السادسة صباحاً مثلما يحدث في قطر. تزدحم الشوارع ويرفد المواطنون لكسب أرزاقهم وإدارة معايشهم، أحببت هذا الازدحام وأحببت كثيراً هؤلاء الناس الطيبين البسيطين في تعاملهم بلا تكلف، وعميقين وصادقين في أحاسيسهم تجاه الآخرين بلا زيف  لا أقول هذا الحديث عن مجاملة أو مبالغة لكن المواقف التي عشتها أثناء تجوالي في وسط البلد هي خير دليل، أذكر جيداً وجه تلك المرأة كيف أصبح بشوشاً ومبتسماً،  وهي تتجة نحوي ونحو أبنائي ونحن في الحديقة العامة، معرفة نفسها بكل تهذيب وطابعة قبلاتها الأمومية على خدود أبنائي الصغار، عرفتها بنفسي وفي دقائق معدودات تعمقنا بانسياب في تفاصيل الحديث، مثيلاتها كثر يتصرفن بنفس الاحترام والبشاشة ، نتآنس ونضحك بالرغم من أننا لانعرف بعضنا مسبقاً.
الشعب السوداني شعب مبادر تجاة الغرباء من أجل التعرف ومن أجل الترحاب ومن أجل تقديم المساعدة، لم أجد هذه الروح الجميلة في أي بلد من بلدان العالم التي زرتها أو التي سمعت أو قرأت عنها .
بعد عدة أشهر كان التغيير الذي حدث في موقع سكني سبباً أساسياً لتوسيع وتعميق علاقاتي الاجتماعية بالنساء السودانيات ، حيث أنه كان مجمعاً سكنياً كبيراً ضم جنسيات مختلفة . لكن كما قلت لكم كانت المبادرة من السودانيات، إذ بها احداهن تطرق بابي بعد أن انقضى أول أسبوع من اقامتي الجديدة واستقبلتها وهي في منتهى الود وتقول لي : إنها مندوبة الجارات السودانيات وتريد أن تستأذنني في قدومهن للتعرف علي وعلى أسرتي . وكان اللقاء والتعارف واستمرت العلاقات حتى  وصلت مرحلة الصداقات القوية ببعضهن وكانت سعادتي كبيرة بهذا التفاعل الاجتماعي، ولم  أشعر بالغربة بل ملأت دواخلي الطمأنينة والمودة .
كم هن رائعات النساء السودانيات ذكيات، قويات، بشوشات، جميلات ومهذبات، لا أدري من أين جاء هذا الانطباع  الخاطئ عن السودان وأهله،  ألا يوجد واحد أو واحدة فقط عاش مثل تجربتي ؟
إنها رسالة مني إلى كل العالم: إن ماتسمعونه عن السودان من معلومات منقولة شفاهة خطأ، إنه شعب المودة والإلفة والحب.
تواصلت مع النساء السودانيات كثيراً في مختلف المجالات الحياتية تواصلاً خفف علي إحساس الغربة وعوضني عن فقدي لأسرتي الصغيرة وموطني الكبير  وحينما  رأني والداي في أولى اجازاتي وعودتي بينهم في قطر الحبيبة، اندهشا وقالا لي إنك بألف خير وصحتك في تحسن إذن لماذا كنتي تبكين في الهاتف عندما نحادثك ؟ هم لايعلمون إنه الشوق فقط ولايوجد في الدواخل أية معاناة .
أعزائي كوني امرأة وباعتبار أن أكثر اختلاطي  الاجتماعي في السودان بالنساء أود كما قلت لكم أن أشارككم أرائي وملاحظاتي  عنهن بشيء من التفصيل، ودعوني أسترسل عن المرأة السودانية  وأتطرق أولاً إلى :
مظهرها الخارجي واهتمامها بجمالها :
إن أول ماجذب انتباهي تجاة المرأة السودانية هو اهتمامها بجمال مظهرها الذي تعتبره من أولوياتها، بغض النظر عن مستواها الاقتصادي والاجتماعي، فوجدتها حريصة على أن تكون أنيقة في زيها، نظيفة منسجمة ، مستخدمة لأدوات التجميل والمستحضرات المحلية التراثية  التي أعتبرها بمثابة ثروة قومية وملمح أساسي من ملامح البيئة السودانية مثل " الدلكة، والدخان، والأطباب والعطور ".
ومع مرور الزمن ومعرفتي بها أكثر أكتشفت أن هذا الجمال الخارجي لايقل عن جمال روحها الداخلي بل نبع هذا الجمال الخارجي من هذه الدواخل المميزة ذات الأصالة والسلام والمودة .
ثانياً : المرأة السودانية ومملكتها الخاصة  " البيت " :
إن أهم شيء في حياة السودانية بيتها وزوجها وأبناءها، إنها مملكتها التي تبدع بشتى السبل في بنائها بحكمة وترتيب ونظام ونظافة، وما أعجبني أنه مهما اختلفت المنازل ومستوياتها الاقتصادية ومهما تطورت أساليب الديكور ووصلت مراحل مختلفة من الحداثة والتغيير، إلا أنه لابد وأن تجد شيئاً خاصاً بالتراث السوداني داخل المنزل مثل : " العنقريب، أواني الفخار، البمبر، الصناديق القديمة المصنوعة من الحديد أو الخشب ".
هذا وإن دل انما يدل على ارتباطها الوثيق ببيئتها وببلدها ومحبتها وانتماءها له لدرجة أن هذا الانتماء انعكس بشكل مباشر في ذوقها العام وأصبح طابعاً أساسياً فيه.
أما زوجها فله نصيب الأسد من اهتمامها فعلى الرغم من انشغالها بتربية أبناءها وبإدارة شؤون بيتها الا أنها تحرص على أن تكون في أبهى حلة، وتحرص على راحته في المنزل وحتى خارجه؛ بل الكثيرات منهن وإن لم يكن موظفات في ميادين العمل بالخارج،  يقمن بإدارة أعمال صغيرة من داخل منازلهن لجلب المال ودعم الزوج في تلبية متطلبات الأسرة.
وعن أبناءها ، فهي ممكن أن تقصر في حق نفسها من أجلهم ، وجدتها تضحي بصبر وحب كي يرتاحوا وينجحوا في كل جوانب الحياة. يشغل بالها في المقام الأول تعليمهم الأكاديمي وارتيادهم أحسن المدارس الموجودة وحصولهم على مراكز مرموقة . وعلى حسب معايشتي لا يوجد بيت في السودان يخلو من وظائف عليا ذات أساس علمي متين مثل : طبيب ، مهندس ، أستاذ جامعي .
المرأة السودانية والعمل :
ما أذهلني حقيقة هو حب المرأة السودانية للعمل، فوجدت أغلبهن عاملات سواءً في وظائف عليا في الدولة ، مثل السفيرة والوزيرة أو أعمال حرة صغيرة أو كبيرة، فهي طموحة ومفكرة ولديها طاقة كبيرة، حتى وإن كان الزوج يوفر كل الاحتياجات المعيشية والمستوى الاقتصادي للأسرة جيد فأجدها أيضاً تعمل بهمة واخلاص كأنما تريد أن تقول أنا هنا أنا موجودة، لها همة عالية تجاه اثبات الذات واصرار عميق لتحقيق ذلك.
تلك القوة في العمل وتحدي الظروف الصعبة ظهر لي أول ماظهر في  " ست الشاي " حقيقة إنها امرأة تستحق الاعجاب والتقدير فهي تحتمل مشقات ومشقات عبر هذا العمل البسيط من أجل أبنائها، إنها رغم العنت إنسانة منظمة ونظيفة وعفيفة تدير مهنتها بصدق ومسؤولية عالية. سحرتني بعصاميتها وكفاحها.
المرأة السودانية والتواصل الاجتماعي :
في الوقت الذي قلت فية أواصر التواصل الاجتماعي نسبة لمشاغل الحياة وتطورها وتعقيداتها في كل العالم ، وجدت المرأة السودانية حريصة كل الحرص على ابقاء علاقاتها الاجتماعية حية ومنتعشة. إنّ حميميتها في التواصل واحساسها تجاهه بالمسؤولية أرجعني إلى شعور  دافئ لازم سماعي لقصص  الطفولة التي كانت تحكيها لنا  جدتي .
فما زالت البيوت السودانية فاتحة أبوابها على مصراعيها  للجميع في كل الأوقات، للأهل، والأصدقاء، وزملاء العمل،  للغني وللفقير وحتى الغرباء  بدون تحديد مواعيد مسبقة للزيارة، فمرحبا بالكل في أي وقت صباحاً ومساءً؛ بل البيوت السودانية تقول مرحبا بالجميع لمدة قد تصل 40 يوماً في الأعراس وفي المآتم، وشهوراً عدة في حالات المرض فيتوافدون الزوار من كل أرجاء البلاد ومن مختلف الأعمار، كل ذلك والمرأة السودانية نشطة وهميمة في استقبال الضيوف، وساهرة على راحتهم وتلبية احتياجاتهم، لا تتأفف ولا تكل، ولا تمل بل بشوشة ومبتسمة ولا تفقد على الإطلاق اهتمامها بنفسها ومظهرها رغم الارهاق والتعب . هذه الطقوس الاجتماعية السودانية وطريقة تعامل المرأه معها جعلتني أستعجب كثيراً واحترم أكثر شعب السودان ونساؤه المكافحات.
إنّ المرأة السودانية سلسة في التعامل قريبة للقلب مرحة بشوشة وقادرة على كسر الحواجز في وقت قصير جداً، وهنا يبرز سحرها الروحي فيما يخص تواصلها الاجتماعي.
أحبائي هذا هو ما جاش بخاطري ووجداني عن ذلك البلد العريق الصادق أهله إنهم حقاً شعب  المحبة  والكرم. أتمنى أن أكون قد وفقت في ما رميت إليه وهو أن تبدو أرائي كمرآة تعكس لكل العالم حقيقة ما يدور في هذا القطر الجميل رغم الصعاب، وهذه هي المرأة السودانية ذات الجلد والحكمة رغم قساوة  الظروف أحياناً؛ إلا إنها مذللة العوارض والمشقة، إنها باختصار المرأة المكافحة، هكذا أحب أن أسميها ولها مني خالص التقدير والاحترام والود.

Nada Haleem Saeed [nadahaleem19@yahoo.com]

 

آراء