khirawi@hotmail.com
علاء خيراوي
رئيس الوزراء كامل إدريس حتى هذه اللحظة، لا يبدو أنه يحمل مشروعاً حقيقياً للدولة، ولا رؤية متماسكة للخروج من هذا الخراب الهائل. الرجل يلتقط أي حديث قديم عن الأزمات والحلول، يعيد تدويره، ثم يقدمه وكأنه اكتشاف جديد أو برنامج عمل متكامل. نفس العبارات، نفس الوعود، نفس اللغة الإنشائية التي سمعها السودانيون لعقود وهم يغرقون أكثر في الفشل والانهيار.
المشكلة ليست فقط في ضعف الأداء، بل في غياب الفكرة نفسها. فالرجل، كما يبدو كان مشروعه الأساسي أن يصبح رئيساً للوزراء، لا أن يقود مشروعاً وطنياً لإنقاذ بلد يتآكل أمام أعين الجميع. ولذلك تحوّل المشهد إلى حالة من الحركة المستمرة بلا أثر: سفر، اجتماعات، رقص سياسي بين العواصم، انضمامات، تصريحات، توجيهات، ووعود تتطاير في الهواء، بينما الأرض تحترق، والناس يزدادون فقراً وخوفاً وتشرداً.
كان مشهداً صادماً لا ينسجم أخلاقياً ولا رمزياً مع صورة بلد يغرق في الدم والخراب. حين يُحمل رئيس وزراء على الأكتاف في حفل غنائي بينما وطنه ينهار، ومدنه مدمرة، وملايين مواطنيه بين نازح ولاجئ وجائع، فإن الأمر يتجاوز حدود “العفوية” أو “الاحتفال الشعبي”. هذا أقرب إلى حالة انفصال كامل عن المأساة العامة، أو ما يمكن وصفه “برقصٍ عاريٍ للسلطة فوق الرماد. فالقائد في لحظات الانهيار الوطني يُنتظر منه أن يجسد الوقار والمسؤولية والقلق على مصير الناس، لا أن يتحول إلى جزء من مشهد استعراضي يوحي وكأن البلاد تعيش حالة انتصار أو رخاء. التاريخ قاسٍ مع الحكام الذين أخطأوا قراءة اللحظة، وأكثر ما يهزم السلطة أحياناً ليس قراراتها فقط، بل الصور التي تختصر استخفافها بوجع الشعوب.
الأخطر أن كامل إدريس ومن حوله ربما وصلوا إلى قناعة داخلية بأن لا شيء يمكن فعله فعلاً في ظل هذه البنية المنهارة وهذه السلطة المختطفة. ومع الزمن تطبعوا مع هذه الحقيقة القاسية، ثم انتقلوا من محاولة التغيير إلى محاولة التعايش مع الكارثة والاستفادة منها. وهنا تصبح السلطة مجرد فرصة أخيرة للنفوذ والامتيازات والسفر والمال والظهور، لا مسؤولية تاريخية تجاه شعب منكوب. ولهذا يبدو كثير من سلوك هذه الطبقة وكأنه احتفال فوق أنقاض وطن؛ استمتاع بالسلطة حتى آخر لحظة، واستنزاف لكل قرش وكل امتياز وكل مساحة نفوذ قبل أن يسقط المسرح بالكامل. أما الشعب السوداني، فقد تُرك مرة أخرى وحيداً أمام الحرب والجوع والانهيار، يستمع إلى خطابات مطمئنة من رجال يعرفون في أعماقهم أنهم لا يملكون لا مشروعاً ولا إرادة ولا حتى القدرة على مواجهة الحقيقة.
فإن كان لدى كامل إدريس ومن حوله ذرة صدق مع هذا الشعب، فعليهم أن يتوقفوا فوراً عن هذا النزيف العبثي للمال العام، وعن الصرف الدولاري الهائل على الأسفار والاستعراضات والوفود والاحتفالات الفارغة، بينما ملايين السودانيين يطاردهم الجوع والنزوح وانعدام الدواء والأمان. السودان اليوم لا يحتمل حكومة تعيش عقلية الفنادق والمطارات والوعود المنبرية، ولا يحتمل مسؤولين يتصرفون وكأن الدولة غنيمة مفتوحة في زمن الانهيار. وإذا كانوا قد أدركوا فعلاً أنهم عاجزون عن تقديم مشروع حقيقي أو إحداث فرق حقيقي، فإن أقل قدر من الشجاعة الأخلاقية يقتضي أن يقدّموا استقالاتهم فوراً، وأن يعودوا من حيث أتوا، تاركين هذا الشعب يبحث عن فرصة أخيرة مع من يملكون الإرادة والكفاءة والإحساس بالمأساة الوطنية، لا مع من اكتفوا بإدارة الخراب والتكيّف معه.
khirawi@hotmail.com
