رَحْمـَةً باللّغـةِ .. رفقاً بالصّيـاغَـة .. بقلم: جمال محمد إبراهيم

أقرب إلى القلب:

jamalim@yahoo.com
(1)
نظرتُ مليّاً في بيانٍ أصدره  حزبٌ مرموق المكانة، يحمل رأياً مُبيناً حول مجريات أحداث مصر يوم 14 أغسطس 2013، فهالني ما رصدت من أخطاءٍ فادحةٍ في الطباعة والإملاء والنحو، وكأنّ للسياسي حقٌاً مباحاً للتلاعب باللغةِ العربية  فوقَ كلّ اعتبار، طالما  يعلو عنده الموقف السياسي الضمني في معناه، على  شكل التعبير في مظهره الخارجي. يرى  بعضنا أنّ شكل التعبير وأسلوب العرض هما أمران يقعان في أدنى سلم الأولويات، والأهمّ  عند هؤلاء هو لحمة الموقف السياسي  ومضمون الخطاب وما حوَى. ولعلّ بعضكم يرى في الحساسية تجاه  الشكل والاخراج، أمراً يعنى بالمظهر فيما المخبر أحرى بالاهتمام ، وأنّ لحساسيتي المهنية صلة بالأمر، إذ في الدبلوماسية كما يعلم أكثركم،  قدر كبير من الإجراءات الشكلية التي تكمّل جوهر الرسالة الدبلوماسية. الإهمال هنا يضعف الرسالة بل قد يفضي إلى خسارة  وفشل.
(2)
وللدبلوماسية  لغتها  ومحسناتها البديعية، مما يجدر الالتزام بتجويدها  وترتيب صياغتها على نحوٍ أوضح وأقرب فهما، مثلما نتوخّاهُ أجملَ وأرقّ نظما. وللدبلوماسية  رسائلها المتنوّعة، إظهاراً أو إيماءاً، اختصاراً أو إسهابا تحكمها في ذلك مقتضيات الرسالةن محتواها وأهدافها. ثمّة رسائل تصدر بإسم الشخص الثالث، كأنّها  منقولة بقلمٍ وسيطٍ بين طرفين، وتسمّى في لغة الدبلوماسية “مذكرة شفاهية”. ثمّة رسائل أخر تصدر بتوقيع أحرف أولى من الإسم. ثمّة رسائل أخريات تصدر بلا توقيعٍ ولا خاتم رسمي، وتُصنّف “مذكّرة  للمساعدة”، وأخرى أيضاً  محض سطور وفقرات، غفلاً بلا عنوانٍ ولا توقيع . لكلِّ نوعٍ من هذه الرسائل مقامٌ  يُحدّد مخرجها والمقصد منها. وغير ذلك يكون للدبلوماسية أسلوبها في صياغة البيانات الرسمية وغير الرسمية واختلافها عن التصريحات التي ترسل شفاهة، أو تلك  التي  تصدر مكتوبة بديباجة ومتن وخاتمة.

(3)
يحتاج من يوكل إليه تدبيج البيانات وصياغة مثل تلك الرسائل، أن يكون مُلمّاً بأبجديات  مراسمية ، فوق إجادته اللغة التي ينطق بها أو يخطّ بها رسائله، بلغةٍ عربية كانت أم أجنبية. لا يقف الاهتمام عند اللغة وحدها، بل يتعداه إلى  إحسان الخط وتجميله. كثيرون لا يعرفون أن أوراق الاعتماد التي حملها سفراؤنا في سنوات الخمسينات وحتى السبعينات كان يخطها فنان ومعلم تشكيلي سامق القامة هو الراحل عثمان وقيع الله. ولو كنتَ عزيزي القاريء، ممّن شاهد جدار مبنى بناية “جلاتلي” وقد كانت موقعاً لوزارة الخارجية على أيام د. منصور خالد، لخلبتْ لبّك تلك الجدارية المُطلّة على شارع البرلمان، والتي أنجزتها الفنانة التشكيلية الكبيرة كمالا إبراهيم إسحق. لم يكن منصور- وهو الدبلوماسي روحاً وعقلاً وقلباً – ممّن يغفل عن “جماليات” الدبلوماسية و”مُحسّنات” رسالتها الجاذبة . ولا يقف الأمر اختصاصاً للدبلوماسية والدبلوماسيين ، إذ تحتاج الهيئات والمؤسسات والكيانات الرسمية وشبه الرسمية ومنظمات المجتمع المدني، إلى أن  تلزم نفسها بقواعد تحسّن معايير القبول والمخاطبة ، أسلوباً وشكلاً وإجراءاً. ليس في ذلك تضييق غير مرغوب، أو قسر  مُستهجن، بل هو ممّا  تتطلبه الرسالة في مسيرها القاصد إلى المُتلقي والمخاطب.
(4)
ولقد لفت نظري حين أمعنت في ذلك  البيانٍ الصادر عن حزبٍ معتبرٍ وله موقعه في الساحة السياسية، ولقياداته أقلام مُجيدة وألسنة مُبينة ، فهالني  استسهال  من صاغه وإهماله  عامداً أو غير ذلك ، فحفل البيان بأخطاء في الطباعة كما في اللغة والنحو . ما أرضتني تلك الصياغة البائسة أن  أتعاطف مع الموقف السياسي الذي حمله مَتنها، فنفرت، ولن أكون النافر الوحيد بلا ريب. ولعلّ أغلب الأخطاء فيما رصدتُ، قد وقعتْ لعجلةٍ في إصدار البيان دون مراجعة، وهو ما يسميه السودانيون غير مخطئين : “كلفتة” صراحا. وإنّي لأعجب إذ أن الحواسيب المتوفرة الآن بها معينات غاية في الدّقة، تضبط لك اللغة والنحو، وكثير منها به برامج تصحيح  يمكن تنشيطها تلقائياً، ولا تكلّف جهداً أو وقتا يُذكر، بل لعلّ من  اخترعها قصد بها  مع التجويد، الركون إلى الاختصار والاختزال وكسب الوقت. صار  في أكثر الصحف عندنا، وظائف راتبة لمدقّقين لغويين متخصّصين يؤدون هذه المهمة ، فلا أكثر من أن تستعين أحزابنا وهيئاتنا الأخرى بمن  يمتهنون التدقيق اللغوي ، فلا  تكون الصياغة العجلة  توريطاً في  إخراج بيان محتشد بالأغلاط، عاطلٍ من محسنات اللغة  الجاذبة ، فلا ينظرَ إليه بل ينفر من قراءته  من استهدفه البيان.

(5)
من المراجع الدبلوماسية التي أعود إليها بين وقت وآخر كتاب للأكاديمي  بارستون الذي كان  يُدرّس العلاقات الدولية في جامعة لانكاستر بانجلترا، والكتاب صادر في طبعته الثالثة عام 1991 عن دار نشر لونجمان المرموقة، وعنوانه “الدبلوماسية الحديثة”. وفي مجال المخاطبات الدبلوماسية بين مندوبي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وأمينها العام ، أورد الكاتب نصّاً  لرسالة من مندوب السودان وقتذاك السفير عبدالرحمن عبدالله، تحمل في صياغة دقيقة ومحكمة، شكوى السودان ضد ليبيا في 16 سبتمبر 1981، وقد أودعها مجلس الأمن، لاختراق طائراتها العسكرية وقصفها مناطق سودانية متاخمة لتشاد. وإني كدبلوماسي سوداني أعرف ما للدبلوماسية السودانية من رصيد معتبر في السنوات  التي تلت إستقلال السودان، تنفّست زهواً أن تكون رسالة  يصوغها سفير سوداني  بلغة إنجليزية  ناصعة البيان ومحكمة المقاصد، تحتلّ مكاناً في كتاب يُعدّ مرجعاً مهمّاً في الدّراسات الدبلوماسية الحديثة.
لمّا أطالع بعض ما ينشر في صحفنا من بيانات وتصريحات ، أكاد أتحسر كمداً ممّا أقرأ، وكأنا تناسينا ذلك الرصيد الذي كنا نفاخر به في الساحتين العربية والأفريقية. .

الخرطوم – 16 أغسطس 2013

jamalim1949@gmail.com; بالنيابة عن; جمال ابراهيم [jamalim@yahoo.com]

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …

اترك تعليقاً