سونا في زمنها المهني: شهادة على جيل الصحافة قبل إعلام السلطة

شهادةً الصحفي المخضرم محمد الفاتح سيداحمد نائب المدير العام بالإنابة وأثناءها المدير العام بالإنابة لفترات متقطعه قبل الإحاطة به في عصر الانقاذ

(ديفز كلفورنيا ٥ مارس ٢٠٢٦)

مقدمة

في تاريخ الإعلام السوداني محطات كثيرة لم تُكتب بعد كما ينبغي. ومن بين هذه المحطات تجربة وكالة السودان للأنباء «سونا» في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وهي المرحلة التي يمكن وصفها بأنها الفترة المهنية الأكثر انضباطاً في تاريخ العمل الإخباري الرسمي في السودان. فقبل أن تتحول المؤسسات الإعلامية إلى ساحات صراع سياسي أو أدوات دعاية للسلطة، كانت هناك فترة عمل فيها الصحفيون داخل غرف الأخبار وفق قواعد مهنية واضحة، وكان الخبر يُحرَّر بعناية قبل أن يصل إلى الجمهور.

وكالة السودان للأنباء(سونا)

كانت وكالة السودان للأنباء في تلك السنوات تمثل غرفة الأخبار المركزية للدولة السودانية. فمن داخل مكاتبها كانت الأخبار تُجمع من الوزارات والمؤسسات الحكومية، كما كانت تصلها الأخبار الدولية عبر وكالات الأنباء العالمية. ثم تمر هذه المواد عبر عملية تحرير دقيقة تشمل المراجعة اللغوية والتحقق من المعلومات وإعادة صياغة النصوص، قبل أن تُرسل إلى الصحف والإذاعة والتلفزيون.

ولذلك لم تكن سونا مجرد مؤسسة إدارية تنقل البيانات الرسمية، بل كانت مؤسسة تحريرية حقيقية يعمل فيها صحفيون محترفون. وكان المحرر في الوكالة مطالباً بأن يفهم طبيعة الخبر، وأن يختصر النصوص الطويلة، وأن يضع العنوان المناسب، وأن يحافظ في الوقت نفسه على الدقة والوضوح. وكان هذا العمل يتطلب مهارات تحريرية لا تقل أهمية عن تلك التي يحتاجها الصحفي في الصحف اليومية.

غرفة الاخبار و المحررون

كانت غرفة الأخبار في سونا مكاناً حيوياً يجتمع فيه الصحفيون يومياً لمتابعة الأخبار القادمة من الداخل والخارج. وكان المحررون يتناوبون على متابعة وكالات الأنباء الدولية مثل رويترز والأسوشيتد برس ووكالة الأنباء الفرنسية، إضافة إلى الأخبار التي ترد من المؤسسات الحكومية والبعثات الدبلوماسية. وكان على المحرر أن يميز بين الخبر المهم والخبر الثانوي، وأن يعيد صياغة الخبر بلغة واضحة تصلح للنشر.

ومن خصائص العمل في تلك الفترة أن الكادر التحريري في الوكالة لم يكن كبيراً جداً. وهذا جعل الصحفيين يعرفون بعضهم معرفة وثيقة داخل غرفة الأخبار. فقد كانت الأقسام التحريرية محدودة العدد، وكان العمل يتم في بيئة مهنية متقاربة تتيح تواصلاً مباشراً بين المحررين والمراجعين ورؤساء الأقسام.

جيل الصحفيون التي قضت عليهم الإنقاذ

في هذه البيئة المهنية نشأ جيل من الصحفيين الذين اكتسبوا خبرة عميقة في تحرير الأخبار ومتابعة الشؤون السياسية. وكان من بين هؤلاء محمد الفاتح سيد أحمد، الذي تدرج في العمل داخل وكالة السودان للأنباء حتى أصبح من القيادات المهنية البارزة فيها. وقد عُرف بين زملائه بالانضباط المهني والدقة في تحرير الأخبار ومتابعة التطورات السياسية.

كان العمل في سونا بالنسبة لكثير من الصحفيين مدرسة حقيقية للعمل الإعلامي. فالشاب الذي يدخل الوكالة في بداية حياته المهنية يتعلم بسرعة قواعد التحرير الإخباري، ويتعلم أيضاً كيفية التعامل مع النصوص السياسية والبيانات الرسمية. وكان على الصحفي أن يوازن بين نقل المعلومات بدقة وبين صياغتها بطريقة واضحة ومفهومة.

نشاة تقاليد مهنية رفيعة قضت عليها حكومة الكيزان

ومن خلال هذه التجربة تشكلت تقاليد مهنية مهمة في العمل الصحفي في السودان. فقد كان الخبر يُحرَّر أولاً وفق قواعد المهنة قبل أن يُنشر، وكان المحرر مسؤولاً عن دقة النص الذي يخرج باسمه. وكانت هذه التقاليد المهنية هي ما أعطى سونا مكانتها بوصفها المصدر الأساسي للأخبار في البلاد.

لكن هذه البيئة المهنية بدأت تتغير تدريجياً مع التحولات السياسية التي شهدها السودان في العقود اللاحقة. فمع مرور الوقت أصبح الإعلام الرسمي أكثر ارتباطاً بالسلطة السياسية وأقل ارتباطاً بالمعايير المهنية التي كانت تحكم العمل الصحفي. وبدأت المؤسسات الإعلامية تفقد شيئاً فشيئاً استقلالها التحريري.

وقد بلغ هذا التحول ذروته بعد انقلاب عام 1989، عندما دخلت الحركة الإسلامية إلى مؤسسات الدولة، بما في ذلك المؤسسات الإعلامية. ففي تلك المرحلة لم يعد الإعلام يُنظر إليه باعتباره مهنة قائمة على التحرير والتحقق من المعلومات، بل أصبح في كثير من الأحيان أداة للدعاية السياسية.

هذا التحول لم يؤثر فقط في طريقة تحرير الأخبار، بل أثر أيضاً في الثقافة المهنية داخل المؤسسات الإعلامية. فقد تغيرت معايير الترقية المهنية، وأصبح الولاء السياسي في كثير من الأحيان أهم من الخبرة الصحفية. ومع مرور الوقت تغيرت طبيعة غرفة الأخبار نفسها.

وفي مثل هذه الظروف بدأت بعض الروايات المهنية تختلط، وأصبح بعض الأشخاص يعيدون كتابة بداياتهم المهنية أو يربطون أنفسهم بمؤسسات أو شخصيات لم تكن لهم بها علاقة مباشرة في الواقع. وهذه ظاهرة ليست خاصة بالسودان وحده، بل تحدث في كثير من البلدان عندما تتغير السياقات السياسية.

ولهذا السبب تظل الشهادات المباشرة للعاملين في تلك المؤسسات مصدراً مهماً لتصحيح الروايات أو توضيحها. فالتاريخ المهني للمؤسسات الإعلامية لا يُكتب فقط من خلال الوثائق الرسمية، بل أيضاً من خلال ذاكرة الصحفيين الذين عملوا داخل غرف الأخبار وشاركوا في صناعة الخبر يوماً بعد يوم.

إن استعادة تجربة سونا في تلك السنوات لا تهدف إلى تمجيد الماضي بقدر ما تهدف إلى فهم كيف كانت المؤسسات الإعلامية تعمل عندما كانت المهنية الصحفية هي المعيار الأساسي. كما أنها تذكّرنا بأن الإعلام يمكن أن يكون مؤسسة مهنية حتى داخل الدولة نفسها إذا توفرت له التقاليد التحريرية التي تحمي استقلاليته المهنية.

إن كتابة تاريخ الإعلام السوداني ما تزال مهمة مفتوحة. وما لم تُوثق تجارب المؤسسات مثل سونا وشهادات الصحفيين الذين عملوا فيها، فإن جزءاً مهماً من الذاكرة المهنية للبلاد قد يضيع مع مرور الزمن. فالمؤسسات الإعلامية ليست مجرد مبانٍ أو هياكل إدارية، بل هي أيضاً تجارب بشرية عاشها صحفيون ومحررون تركوا بصمتهم في تاريخ المهنة.

ولهذا فإن توثيق تجارب جيل الصحفيين الذين عملوا في تلك المرحلة يمثل خطوة مهمة في حفظ تاريخ الإعلام السوداني كما عرفه أهله. فالصحافة ليست فقط ما يُنشر في الصحف أو يُبث في الإذاعة، بل هي أيضاً ذاكرة مهنية تراكمت عبر سنوات طويلة من العمل داخل غرف الأخبار.

إن الأجيال الجديدة من الصحفيين تحتاج إلى معرفة هذا التاريخ، ليس بدافع الحنين إلى الماضي، بل لفهم كيف يمكن بناء إعلام مهني يقوم على قواعد التحرير والتحقق من المعلومات واحترام عقل القارئ. فالمهنية الصحفية لا تُولد من فراغ، بل تُبنى عبر تراكم التجارب داخل المؤسسات الإعلامية.

وفي نهاية المطاف يبقى الدرس الأهم من تجربة سونا في زمنها المهني هو أن الإعلام الحقيقي يبدأ من غرفة الأخبار، حيث يجلس الصحفي أمام النص ليحرره بعناية، لا من مكاتب السلطة حيث تُكتب البيانات السياسية. وهذه الحقيقة البسيطة هي ما يجعل استعادة ذاكرة تلك المرحلة أمراً ضرورياً اليوم.

فحين نعود إلى تلك التجربة ندرك أن الإعلام في السودان لم يكن دائماً أسير السياسة، وأن هناك زمناً كان فيه الخبر يُكتب في غرفة الأخبار قبل أن يُكتب في مكاتب السلطة. وربما تكون هذه الذاكرة المهنية هي الأساس الذي يمكن أن يبنى عليه مستقبل إعلامي أكثر استقلالاً ومهنية في السودان.

د. احمد التيجاني سيد احمد

قيادي موسس في تحالف تاسيس

٥ مارس ٢٠٢٦ روما ايطاليا

عن د. احمد التيجاني سيد احمد

د. احمد التيجاني سيد احمد

شاهد أيضاً

الترحيب بتعيين السيد بيكا هافستو مبعوثًا للأمم المتحدة إلى السودان

د. أحمد التيجاني سيد أحمد ٢٥ فبراير ٢٠٢٦ ارتبطتُ بفنلندا ارتباطًا وثيقًا منذ عام ٢٠٠١. …