باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 1 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

سياسة أقسى في الدم وأثقل جباية من المُستعِمر، حروبُ الخليفةِ مع القبائل وتصفية الزعماء

اخر تحديث: 12 أغسطس, 2026 12:19 مساءً
شارك

د. الرشيد خليفة
في العُرف الدعائيِّ للدُّوَل الثوريَّة أنَّ الثورةَ تقومُ لِتحرِّرَ شعباً من نِيرِ غاصبٍ أجنبيّ، ثم تُمضي عمرَها في رعايةِ ذلك الشعب المُحرَّر وتنميته. أمَّا الخليفةُ عبد الله بن السيد محمد التعايشي، خليفةُ المهدي على دولةِ الأنصار (1885–1898)، فقد أدَّى الشِّقَّ الأولَ من الوعد بحماسٍ لا يُنكَر، إذ ورِثَ سوداناً مُحرَّراً من التركيَّة المصريَّة بعد سقوط الخرطوم، ثم كرَّس الشِّقَّ الثاني لِعملٍ آخَرَ تماماً: أن يُحارِبَ الشعبَ الذي حرَّره، قبيلةً قبيلةً، حتى كاد لا يُبقي بين النيلِ ودارفور نجعاً لم تطأْه سراياه ولا شيخاً لم يُساقْ إلى أم درمان في الحديد أو إلى القبر في العَجَل.
والمُفارقةُ التي تتخلَّلُ هذا المقالَ كلَّه بسيطةٌ في صياغتها، مُرَّةٌ في مذاقها: أنَّ دولةً بُنِيَت على شعار «الجهاد لِطردِ الكافر» أنفقت جانباً كبيراً من طاقتها في حربِ المسلمين السودانيين أنفسهم. وقد رأينا أن نُفرِدَ لكلِّ قبيلةٍ حاربها الخليفةُ ترجمةً موجزةً تُعرِّفُ بها، حجمِها ومكانتِها وسبيلِ عيشها ومنطقتِها وزعيمِها، ثم نُتبِعُها بحربها وأسبابها، ونمضي في ذلك حسب ترتيبِ الوقائعِ الميلاديِّ، إذ إنَّ التسلسلَ وحده يفضحُ كيف تحوَّلت آلةُ التحرير، في أقلَّ من عقدٍ، إلى آلةِ تأديب. كذلك ذكرنا بعض زعماء القبائل والأفراد الذين قام الخليفة بتصفيتهم أو سجنهم أو نفيهم عندما لم ينصاعوا لأوامره. ولا ندعي أننا شملنا كل القبائل والفروع والزعماء والأمراء الذين كانوا ضحايا قرارات الخليفة عبد الله التعايشي، في هذا الحيز.
مُحرِّكُ الحروب، البيعةُ والتهجير
لم تكن هذه الحروبُ حوادثَ مُتفرِّقةً بلا رابط، بل صدرت في معظمها عن سياسةٍ واحدةٍ ثابتة: استدعاءِ زعماء القبائل إلى العاصمة لِتجديدِ البيعة والتبرُّكِ بقبر المهدي، ثم تهجيرِ قبائلَ بأكملها إلى أم درمان لِتُصبحَ وقوداً بشريّاً لِجيشِ الدولة. فمن أجاب الدعوةَ نُزِعَ من أرضه، ومن امتنع عنها عُدَّ عاصياً مُرتدّاً [1]. وقد جعل الخليفةُ أخاه يعقوب، الذي لُقِّب لِفرطِ نفوذه بـ«جِراب الرأي»، وزيرَه وقائدَ جيشه، وقلَّد أبناءَ عشيرته التعايشة كِبارَ المناصب، فصار الحكمُ في يدِ الغرب البقاريّ، والغُبنُ في صدور سائر السودان [2]. على أنَّ التهجيرَ لم يكن اقتصاداً مُنتِجاً، بل اقتصادَ استخلاصٍ وإعادةِ توزيع: فهو ينقلُ الفلَّاحَ والراعيَ من رِزقه في الريف إلى مُعسكرِ العاصمةِ لِيُصبحَ «أنصاريّاً» تحت الراية، ويُغذِّي بيتَ المالِ بالمُصادراتِ والغنائمِ لِيُعادَ توزيعُها بحسبِ الولاءِ لا الإنتاج. فأم درمان عاصمةُ حاميةٍ مُستهلِكةٌ لا مدينةُ إنتاج، تأكلُ حبوبَ الجزيرةِ والقضارف والأريافِ النهريَّةِ مُصادَرةً، وهذا وحده يكفي لِتفسيرِ كيف صنَعت هذه السياسةُ المجاعةَ بِنيويّاً.
سِجِلُّ التأديب، قبيلةً قبيلة
الكبابيش، رُعاةُ الإبلِ الذين قتَلَتهم تجارتُهم مع مصر
الكبابيشُ اتحادٌ قبليٌّ جُهنيٌّ واسعٌ في شمال كردفان على أطرافِ الصحراء الليبيَّة، انضوت تحته فروعٌ شتّى حتى صار من أكبرِ تجمُّعاتِ رُعاةِ الإبلِ في ذلك الشمال، يقودُهم «ناظرُ عمومٍ» يجمعُ نظارَهم. وحِرفتُهم رعيُ الإبلِ، وهي في العُرف البدويِّ رأسُ الشرف، وديارُهم «دار كبابيش» على دروبِ القوافلِ الصحراويَّةِ الرابطةِ بين كردفان ودنقلا ومصر [3]. وكان العمودُ الفقريُّ لاقتصادهم الارتباطَ التجاريَّ بمصر؛ ومن هنا نبع عداؤهم للمهديَّةِ التي كانت في حربٍ دائمةٍ مع مصر، فاتَّهمتهم بالتخابرِ لصالحِ العدوّ، وأدركوا هم أنَّ خضوعَهم يعني فقدانَ سيطرتهم على تلك الدروب [1]. قادَ مقاومتَهم بيتُ الشياخةِ من فرعِ النوراب، أبناءُ فضل الله؛ فأعدم المهديُّ زعيميهم التومَ وسالماً في الأبيّض سنة 1883، ثم أجهز الخليفةُ على ما تبقَّى من مقاومةِ صالح ود فضل الله، فخرَّب ديارَهم واستولى على إبلهم [4]. وهكذا كانت من أُولى ضحايا «التحرير» قبيلةٌ لم تُذنِبْ إلا أنها أرادت أن تظلَّ سيِّدةَ دروبِها وتجارتِها.
الشكريَّة: سيِّدةُ البطانةِ التي كرَّمها التركيُّ وسجَنها المُحرِّر
الشكريَّةُ سيِّدةُ البطانةِ بلا مُنازِعٍ منذ القرن السابع عشر، وأكبرُ قبائلِ الإبلِ في تلك السهول، حتى صار السهلُ يُعرَفُ في الشعرِ الشعبيِّ بـ«بطانةِ أبو سن» نِسبةً إلى بيتِ زعامتها آلِ أبو سن، ويُقدَّرُ عددُها اليوم بنحوِ ثلاثمئةٍ وستةٍ وستين ألفاً [3]. قامت مكانتُها على ثلاثةِ أعمدة: قطعانُ الإبلِ والماشيةِ في مراعي البطانة، والسيطرةُ على أراضي المطرِ الخصبةِ المُنتِجةِ للحبوبِ حول القضارف، وسوقُها الشهيرُ «سوق أبو سن» الذي صار مدينةَ القضارف، مركزاً لتجارةِ الماشيةِ والذرةِ والسمسمِ على دروبِ الحبشة [3]. فهي قبيلةٌ جمعت بين ثروةِ الرَّعيِ وعائدِ التجارةِ ورَيعِ الأرض. مع الوقت استقرَّ بعضُ روَّادِ السوقِ في المكانِ استفادةً من خصوبةِ التربةِ ووفرةِ الأمطار، فتحوَّل من سوقٍ موسميٍّ مؤقَّتٍ إلى تجمُّعٍ استيطانيٍّ ثم قريةٍ. وغلَب على المكانِ اسمٌ جديدٌ مصدرُه نداءُ المنادي في السوق: إذ كان يُعلِنُ عند مغيبِ الشمسِ إغلاقَ السوقِ داعياً الناسَ إلى المغادرةِ بقولهِ باللهجةِ السودانيَّةِ «اللي قَضَى يَرِفْ»، أي مَن أنهى بيعَه وشراءَه فليَنصرِفْ، فتداول الناسُ العبارةَ حتى تحرَّفت إلى «القضا يرف» ثم «القضارف». والفعل رفّ يرف يعني مطلق “الحركة” في الفصحى وخصصته العامية السودانية حركة الانصراف.

ولمَّا جاءت التركيَّةُ المصرية الغازية، في جيش من المصريين والأرناؤوط والشراكسة والأتراك، سنة 1821 لم تُحارِبْ هذا البيتَ، بل خطبت ودَّه: فصار الشكريَّةُ بقيادةِ أحمد بك أبو سن، ابنِ عوض الكريم، من أوثقِ حلفاء الحكومة، فمُنِح لقبَ «بك»، وبُسِطت يدُه على الجزيرةِ وما شرقها، وكُوفِئت قبيلتُه بالأراضي الواسعةِ وامتيازاتِ الضرائب، بل ائتمنته الحكومةُ على حُكمِ العاصمةِ نفسِها فتولَّى إدارةَ الخرطومِ والجزيرة وسنار كحاكم إقليمي (إدارة أهلية، قليلة التكلفة)، حتى رسم له الرحَّالةُ الإنجليزيُّ صمويل بيكر صورةً حيَّةً توشي بمكانته وعلو قدره [3]. وخلَفه ابنُه عوض الكريم، الملقَّبُ بأبي هلبة، سنة 1870، فرقَّته الحكومةُ إلى أعلى مراتبها ومنحته لقبَ «باشا». وهنا تكتملُ المفارقةُ: فقد امتنع عوض الكريم باشا أوَّلاً عن إجابةِ دعوةِ المهديِّ، ثم أُحضِرَ بعد سقوطِ الخرطومِ إلى أم درمان فعفا عنه المهديُّ؛ فلمَّا خلَفه الخليفةُ ودعاه إلى تجديدِ البيعةِ فلم يُجِبْ، سجَنه حتى «مات قهراً» سنة 1886 [5][2]. فالدولةُ «الكافرةُ» توَّجته وائتمنته على عاصمتها، والدولةُ «المُحرِّرةُ» ساقته إلى السجنِ حتى قضى غمّاً؛ حتى إنَّ لقبَ «باشا» المُثبَتَ في اسمه إلى اليوم إنما هو وسامُ «المُستعمِر» حمَله صاحبُه إلى قبرِه في سجنِ «المُحرِّر».
وعلى المِنوالِ نفسه نكَّلت الدولةُ بسائرِ وجهاءِ البطانةِ ممَّن رفضوا التهجيرَ أو تلكَّأوا في البيعة، وإن لم يكونوا من الشكريَّةِ في النسب: فقُتِلَ محمد البشير بن جِنّ شيخُ الحمدة، وهم من رفاعةِ الشرقِ الجهينيَّة، المعروفين بـ«ناس أبو جِنّ»، وسُجِنَ محمود ود زايد شيخُ الضبانية، وهم بنو ذبيان أبناءُ عمومةِ الشكريَّةِ من رفاعةِ جهينة، حتى مات سنة 1889 [6][4]. وينبغي ألَّا يُفهَمَ من ضمِّهما هنا إلى الشكريَّة أنهما فرعانِ منها؛ فالحمدةُ والضبانيةُ قبيلتان قائمتان بذاتهما ترجعان إلى رفاعةَ الجهينيَّة، ولا تمُتَّانِ إلى الشكريَّةِ إلا بجوارِ البطانةِ ونَسَبِ جهينةَ الجامع [6]. ولمَّا ضرب الطاعونُ البقريُّ الشرقَ وجفَّت مراعي كسلا (1889–1891)، تقلَّصت تجمُّعاتُ الشكريَّةِ وهاجر بعضُهم جنوباً وشرقاً [7]، لأنَّ موجةً عالميَّةً كبرى من طاعون الأبقار الفيروسي اجتاحت شرقَ أفريقيا والقرنَ الأفريقي في أواخر ثمانينيّات القرن التاسع عشر، فبلغت شرقَ السودان، فأفنَت أعداداً هائلةً من الماشية ذوات الظلف وبعض الحيوانات البرية. واجتماعُه مع الجفاف ومصادرةِ القطعانِ وإهمالِ الزراعةِ زمنَ المهديَّة هو ما صنَعَ المجاعةَ الكبرى المعروفةَ بـمجاعة «سنة ستة» (1889–1890).

الرزيقات، مُشعِلُ الثورةِ في الغربِ الذي أطفأه الخليفة
الرزيقاتُ من كبرى قبائلِ البقارة، رُعاةِ الأبقار، في جنوبِ دارفور، ديارُهم «دار الرزيقات» على تخومِ بحرِ العربِ وبحرِ الغزال، يرأسهم «شيخُ المشايخ». وزعيمُهم زمنَ المهديَّةِ مادبو علي عبد الحميد من عشيرةِ الماهريَّة، وهو أولُ من أوقد نارَ الثورةِ باسمِ المهديَّةِ في دارفور، كما يشهدُ نعوم شقير، وكانت له اليدُ الطُّولى في تعجيلِ انهيارِ الحكمِ التركيِّ المصري هناك [8][2]. لكنَّ حماستَه لم تشفَعْ له: فحين نزع إلى الاستقلالِ عن عمَّالِ الخليفةِ ورفض الهجرةَ إلى العاصمة، رأى الخليفةُ فيه خطراً في الغربِ الذي هو حاضنتُه، فأمرَ بالقضاءِ عليه؛ فاعتُقِلَ في منطقة الدور بجبل مَرَّة في أكتوبر 1886، وسِيقَ مُكبَّلاً إلى أم درمان، لكنه لم يبلغها حيا. إذ لما مرّ به الركب على الابيّض، حيث كان يعسكر حمدان أبوعنجة مع جهاديته، وكان يضمرلمادبو ضغينة من قبل المهدية، أمر بحبسه ثم قطع رأسه وأرسله إلى الخليفة في أمدرمان في فبراير 1887 [4][9]. أمر الخليفة بتعليقها في جامعه، ثم تظاهر بالأسفِ على مقتله كما يروي سلاطين [9]. ومن المفارقاتِ أنَّ الرزيقاتِ، رغم مصرعِ زعيمهم، ظلُّوا على ولائهم للمهديَّةِ إلى آخرِ أيامها.
الفور، أهلُ السلطنةِ الذين هُجِّرت أميراتُهم
الفورُ هم أهلُ السلطنةِ التي حملت البلادُ اسمَها («دارُ الفور»)، شعبٌ زراعيٌّ مستقرٌّ موطنُه جبلُ مَرَّة وسهولُه، بنى دولةً سلطانيَّةً عريقةً ظلَّت قروناً حتى أسقطها الزبير باشا سنة 1874. فلمَّا قامت المهديَّةُ حاول الأميرُ يوسف بن السلطان إبراهيم أن يستردَّ ملكَ آبائه، فأرسل الخليفةُ عاملَه عثمان آدم («جانو») على رأسِ جيشٍ كبير، فهُزِمَ يوسفُ ولقيَ حتفه في جبل مَرَّة في يناير 1888 [10]. ثم اقتحم جيشُ المهديَّة الفاشرَ عاصمةَ السلطنة، فقتل وأسَرَ من نساءِ الفورِ وأطفالهم أعداداً كبيرة، ومن أميراتِهم نحو مئةٍ وثلاثين، وأصرَّ الخليفةُ على تهجيرِ الميرم (الأميرة) عَرفة بالذات لِقوَّةِ نفوذها بين أهلها [11]. وهذه الوقائع هي الردُّ الحاسمُ على أسطورةِ أنَّ عنفَ المهديَّة كان مُوجَّهاً ضدَّ النهريين وحدهم؛ فلا نعرفُ ولايةً لقيت من عنفِ الدولة ما لقيت دارفور [11].
الجبهةُ الغربيَّةُ وأبو جُمَّيزة، تحالفُ قبائلِ الغربِ الذي حسَمه الجُدَري (1888–1889)
ثم نهض في الغرب فقيهٌ من دار تاما اسمُه الشيخ أحمد، اشتُهِرَ بـ«أبي جُمَّيزة» نِسبةً إلى شجرةِ جُمَّيزٍ كان يجلسُ عند جذعها. التأمَ تحت رايته في نوفمبر 1888 حلفٌ عريضٌ من قبائلِ الغرب، الفور (بقيادةِ سلطانهم ولي العهد الرديف أبي الخيرات)، والتاما، والأسنجور، والزغاوة، والبديات، وبني حسين، وبني هلبة، والبرقو، والداجو، وغالبِ المساليت، حتى صار التمرُّدُ حركةً جماهيريَّةً واسعة، غذَّاها أنَّ الخليفةَ منع الحجَّ إلى مكة [12]. هزم أبو جُمَّيزة جيشَ الأنصار في 11 نوفمبر 1888 حتى فرَّت حاميةُ كبكابيَّة إلى الفاشر، فتحصَّن عثمان جانو بعاصمته يستدرُّ الوقتَ ويُقيمُ الاستعراضاتِ اليوميَّةَ لِيوهِمَ عدوَّه بوصولِ المدد [12]. ثم شاءت الأقدارُ أن يُصابَ «الساحرُ الثائر» بالجُدَريِّ فيموتَ قُبيلَ الحسم، فتفكَّكت جبهتُه، وقادها أخوه فهُزِمت هزيمةً ساحقةً خارجَ الفاشر يومَ 22–23 فبراير 1889 في جيشٍ مهديٍّ بلغ زُهاءَ ستةٍ وثلاثين ألفاً [12]. هكذا نجا المركزُ من ثورةٍ كادت تبلغُه، لا بحكمةِ قيادةٍ ولا بعدلِ سياسة، بل بِفَضلِ جُدَريٍّ حسم ما عجَزت عنه الرايات.
البطاحين، قبيلةٌ جعليَّةٌ عوقِبت على أربع فِرَق (1888–1889)
البطاحينُ قبيلةٌ من المجموعةِ الجعليَّةِ استقرَّت في سهلِ البطانةِ شرقيَّ النيلِ الأزرقِ بين رفاعةَ والحلفاية، تعيشُ على رعيِ الإبلِ والماشيةِ في تلك البادية. التحقت بالثورةِ المهديَّةِ وساندت الدولةَ الناشئة، ثم انقلبت العلاقةُ إلى صدامٍ دامٍ [13]. فحين فرَّ جماعةٌ منهم من جيشِ ود النجومي زمنَ مجاعةِ 1888–1889 ورجعوا إلى باديتهم يقطعون الطريقَ ويسلبون، أرسل الخليفةُ جيشاً قويّاً دارت به معاركُ طاحنةٌ في أمِّ ضبانَ وعلوانَ وأبي دليق، انتهت بهزيمتهم الساحقة [13]. ثم كانت العقوبةُ آيةً في هندسةِ القتل: يقولُ نعوم شقير إنَّه كان بين الأسرى سبعةٌ وستون رجلاً قسَّمهم الخليفةُ أربعَ فِرَق، فِرقةٌ شُنِقت، وفِرقةٌ ضُرِبت أعناقُها، وفِرقةٌ قُطِعت أيديها اليُمنى، وفِرقةٌ قُطِعت أيديها وأرجلُها من خِلاف، وعُلِّقت رؤوسُ كبارِهم في القرى عبرةً [2][13]. وهي عقوبةٌ تُقرأُ كأنها تمرينٌ في تنويعِ القتلِ لا إقامةُ حَدّ، غايتُها أن يتعلَّمَ الشاهدُ قبل المشهود.
الهبَّانية، حين لم يشفَعْ للبقاريِّ أنه بقاريّ
ولئلَّا يُظَنَّ أنَّ البقارةَ في مأمنٍ لأنهم حاضنةُ الدولة، فإنَّ الهبَّانية، وهم من قبائلِ البقارةِ رُعاةِ الأبقارِ في جنوبِ دارفور على تخومِ بحرِ العرب، لقُوا ما لقيَ غيرُهم حين رفضوا الهجرةَ إلى أم درمان؛ فحطَّم الخليفةُ مقاومتَهم، ولاحقهم جيشُ الأنصارِ فأسَرَ منهم آلافاً من الرجالِ والنساءِ والأطفال، وجرَّدهم من خيلهم منعاً للهرب، وغَنِمَ أبقارَهم [11][4]. فالبقاريَّةُ لم تكن جوازَ مرورٍ من آلةِ التهجير، بل كانت الطاعةُ وحدَها.
الشِّلُك، مملكةٌ نيليَّةٌ مقدَّسةٌ على النيلِ الأبيض (1890–1891)
الشِّلُكُ شعبٌ نيليٌّ عريقٌ يسكنُ الضفةَ الغربيَّةَ للنيلِ الأبيضِ من كاكا شمالاً إلى بحيرةِ نو جنوباً، عاصمتُهم فشودة، أقاموا مملكةً مركزيَّةً من أقدمِ ممالكِ المنطقةِ يقودُها ملكٌ مقدَّسٌ يُسمَّى «الرَّث»، ومعاشُهم من رعيِ الأبقارِ وصيدِ السمكِ وزراعةِ الضفاف، واشتهروا بغاراتِ الزوارقِ الخاطفةِ على قُرى النهر [14]. ولمَّا اجتاحت المجاعةُ سنةَ 1889 طلب الخليفةُ منهم عُشرَ محصولِ المنطقة، فامتنع رثُّهم، تُسمِّيه المصادرُ العربيَّةُ عُمرَ وتُثبِتُه قوائمُ ملوكِ الشلكِ يورَ أكوج، مُحتجّاً بأنه لا يخضعُ للخليفة، فعدَّ الخليفةُ ذلك عصياناً [4]، وجهَّز جيشاً بقيادةِ الزاكي طَمَل (1890–1891) هزم الشِّلُكَ وقتل رثَّهم وأرسل رأسَه إلى أم درمان وصادر قطعانَهم [4]. بل نصَّبت المهديَّةُ بعده رثّاً تابعاً لها فكان أولَ رثٍّ يدخلُ الإسلامَ في تاريخِ الشلك [14]، إخضاعٌ بلغ حدَّ العبثِ بالملكيَّةِ المقدَّسةِ نفسِها.
الأشراف: أهلُ المهديِّ يُنازعون خليفتَه (1891)
وأمَّا «الأشراف» فليسوا قبيلةً بالمعنى الدقيق، بل هم أهلُ بيتِ المهديِّ وأقاربُه من «أولادِ البلد» النهريين، مركزُهم أم درمان، وعلى رأسهم الخليفة محمد شريف ابنُ عمِّ محمد أحمد المهديِّ وصِهرُه، وأحدُ خلفائه الأربعة. رأى هؤلاء كيف يُقصيهم الخليفةُ عبد الله وأخوه يعقوب عن كلِّ منصبٍ ذي مسؤوليَّةٍ ويُقرِّبون التعايشة، فانتفضوا صبيحةَ 23 نوفمبر 1891. انتهت الانتفاضةُ بصُلحٍ لبَّى بعضَ مطالبهم مقابلَ تسليمِ السلاح، فما إن مضى نحوُ عشرين يوماً حتى نقض الخليفةُ العهدَ، وقبض على زعمائهم ونفاهم جنوباً ثم أمرَ بإعدامهم، وسجَنَ محمد شريف مُكبَّلاً بالحديد [15]. وبهذا ختم الخليفةُ دائرةَ حروبه: بدأها بمن ناوأ المهديَّة، وأنهاها بمن أسَّسها من آلِ البيت.
الجُمُع، حين صفَّى الخليفةُ مَن آوى أسرتَه
وفي سِجِلِّ ضحاياه بابٌ أشدُّ مرارةً من كلِّ ما تقدَّم: بابُ محسنيه الذين ردَّ جميلَهم بالتصفية. فقبيلةُ «الجُمُع»، وناظرُها عساكر أبو كلام الملقَّبُ بـ«جبل الغريب»، هي التي آوت أسرةَ الخليفةِ نفسِه: إذ لمَّا نفى الزبيرُ ود رحمة أسرةَ التعايشة من دارفور ارتحلت شرقاً، فمات جدُّه علي كرار في هجليج بدار الرزيقات، وواصل والدُه محمد ود تور شين حتى بلغ دارَ الجُمُع في كردفان (في نطاقِ الأبيّض)، فأقنعه عساكر أبو كلام بالإقامةِ معه في «أبو ركبة»، حتى إنَّ عبد الله ترك أسرتَه عنده ثم مضى إلى النيلِ الأبيضِ حيث سمع بدعوةِ المهدي [16]. فلمَّا آلت إليه الخلافةُ صفَّى عساكر أبو كلام صاحبَ الجميل، كما صفَّى، في روايةِ المصادر السودانيَّة، المنا إسماعيل زعيمَ الجوامعة عبر دسيسةٍ أوغر بها صدرَ المهدي، وآدم أمّ دبالو ملكَ جبال تقلي الذي آوى الأنصارَ وهم مطاريدُ في مبدأ ثورتهم [17]. ولا نملكُ لهذه التصفياتِ تاريخاً محدَّداً ولا عددَ قتلى، إذ هي في المصادرِ عملياتُ إزاحةٍ مستهدَفةٍ للزعماء لا معاركُ موثَّقةٌ بأرقام؛ لكنها تُتمِّمُ صورةَ دولةٍ لم يشفَعْ عندها حتى جميلُ مَن آوى أهلَها في المحنة.
كَتلةُ المتمَّة، يومَ ذبَحت الدولةُ حُماتَها (1 يوليو 1897)
الجعليون، القبيلةُ التي حرَقت باشا مصرَ ثم ذبَحها خليفةُ المهدي
الجعليون من كبرى قبائلِ الوسطِ والشمالِ النهريِّ في السودان، وهم قلبُ «المجموعةِ الجعليَّةِ الكبرى» التي تضمُّ الشايقيَّةَ والبطاحينَ وغيرَهم، ويرفعون نسبَهم إلى العباس عمِّ النبيِّ وابنه عبد الله بن عباس. ديارُهم على النيلِ في محورِ شندي–المتمَّة–بربر وما حولها، ومعاشُهم من زراعةِ ضفافِ النيلِ والنخيلِ والتجارةِ التي قادتهم إلى كلِّ مدينةٍ سودانيَّةٍ تقريباً [3]. ومن بطونهم «السعداب» أهلُ المتمَّة، بيتُ المَكِ نِمرٍ الذي أحرق إسماعيلَ باشا ابنَ محمد علي حيّاً في شندي سنة 1822 ثم لاذ بالحدودِ الحبشيَّةِ هرباً من انتقامِ الأتراك؛ ومن هذا البيتِ خرج أميرُ المتمَّةِ عبد الله ود سعد. فإذا عرَفتَ هذا فهِمتَ لماذا استحضر ود سعدُ ذاكرةَ جدِّه وهو يرفضُ الرحيلَ عن أرضه [3].
وتبقى «كَتلةُ المتمَّة»، أو «مقتلةُ المتمَّة» في تسميةٍ أصدق، أشهرَ حروبِ الخليفةِ الداخليَّة وأعمقَها أثراً في الذاكرة. وقبل أن نخوضَ في تفاصيلها لا بدَّ من رفعِ لبسٍ شائع: فثمَّةَ «معركةُ المتمَّة» أخرى وقعت في مارس 1889 صدَّ فيها الأنصارُ الإمبراطورَ الإثيوبيَّ يوحنَّا الرابع فقُتِلَ فيها، وتلك حربٌ خارجيَّة لا شأنَ لها بموضوعنا. أمَّا التي نحن بصددها فمذبحةٌ داخليَّة أوقعها جيشُ الدولةِ بأهلِ بلدةٍ سودانيَّةٍ عُزَّل.
المُفارقةُ الكبرى: ضحايا اليومِ هم أبطالُ الأمس
كان الجعليون من أوائلِ مَن عقد للمهديِّ «بيعةَ الرِّضا»، وكانوا طليعةَ الأنصار في معركةِ «أبي طُلَيح» يومَ 17 يناير 1885، في مُحيطِ المتمَّة نفسِها، حين تصدَّوا لِلفيلقِ الإنجليزيِّ الذي بعثته بريطانيا لإنقاذِ غوردون المحاصَرِ في الخرطوم. وبلغ من حماسةِ أميرهم عبد الله ود سعد أنَّ الأنصارَ لقَّبوه، في روايةٍ، بـ«التعايشي» نِسبةً إلى عشيرةِ الخليفةِ نفسِه [11]، بل ظلَّت كتائبُ من الجعليين تُقاتلُ في جيشِ عثمان دِقنة، المُرابِطِ يومَها في أدارما على أعالي نهر عطبرة يحرسُ الجناحَ الشرقيَّ في وجهِ زحفِ كتشنر، حتى في أثناءِ الكَتلة نفسِها [11]. فالذين ذبَحتهم الدولةُ سنة 1897 هم بأعيانِهم مَن نزفَ في سبيلها سنة 1885وكانوا، رغم هزيمتهم سبباً رئيسياً في سقوط الخرطوم حينها وتأسيس دولة المهدية، بتعطيل حملة إنقاذ غردون لمدة يومين: دولةٌ التهمت مَن صنعوها.
خلفيَّةُ الأمر، دنقلا تسقُط، فتُستدعى المتمَّة لِلذبح
بعد أن هزم الجيشُ الأنجلو-مصريُّ المهديَّةَ في الشمال واحتلَّ دنقلا في سبتمبر 1896، استدعى الخليفةُ قائداً مُجرَّباً هو محمود ود أحمد،ابنُ أخيه، من دارفور لِيتولَّى قيادةَ الجبهةِ حتى المتمَّة، وبِحُكمِ ذاكرةِ حملةِ إنقاذِ غوردون التي سلكت الصحراءَ عبر آبار جَقدول وأبي طُلَيح، اتَّفق قادةُ المهديَّة على تركيزِ قواهم في المتمَّة لِتَرقُبَ الطريقَ ذاتَه [1]. فاستدعى الخليفةُ ود سعد إلى أم درمان، ثم أمرَه في 23 يونيو 1897 أن يُخليَ المتمَّة (على الضفةِ الغربيَّة) وينتقلَ بأهله إلى الضفةِ الشرقيَّةِ نحوَ شندي لِتُعسكِرَ قواتُ محمود مكانهم وتتربَّصَ بالغُزاة [11]. وقد صِيغ أمرُ الترحيلِ في رسالةٍ إداريَّةٍ بارعةٍ تُعلِّلُ الإخلاءَ بأنَّ بلدَهم «طريقٌ للسرايا البحريَّة»، أي للحملاتِ النهريَّةِ الزاحفةِ بالبواخر في مجرى النيل، فكان النقلُ «من بابِ الشفقةِ عليهم». على أنَّ شندي نفسَها تقعُ على النيلِ كالمتمَّةِ من الضفّةِ المقابلة، فلم يكن النقلُ من ضفّةٍ نهريَّةٍ مكشوفةٍ إلى ضفّةٍ نهريَّةٍ مكشوفةٍ مثلها حمايةً من تلك السرايا في شيء؛ وإنما أُريدَ إخلاءُ المتمَّةِ لِتُعسكِرَ فيها قواتُ محمود وتضعَ يدَها على مخازنِ حبوبها وسوقِها؛ إذ كانت المتمَّةُ حاضرةَ الجعليين ومخزنَ غلَّتهم على النيل، وجيشُ محمود لا يُعيلُه بيتُ مالٍ بعيد بل، طالما زحف بدون مؤن غذائية ويقتاتُ على ما تحت يده. فكان تأمينُ المؤَنِ الغذائيَّةِ للجيشِ من أهمِّ بواعثِ أمرِ الإخلاء، لا حمايةُ الأهلِ كما زعمت الرسالة، وبالتالي فإن تعليلُ «الشفقة» قناعاً لِغرضٍ عسكريٍّ ولوجستيّ، إذ تُقدَّمُ عمليَّةُ اقتلاعِ شعبٍ من داره على أنها إحسانٌ يستوجبُ الشكر [11].
الرفضُ وشرفُ المرأةِ الجعليَّة، «إمَّا حَيِينا في بلدنا أو مِتنا»
عاد ود سعد وشاور شيوخَ قومه، فاتَّفقوا على تحدِّي الأمر، ورفضوا إخلاءَ المتمَّة، وشرعوا في تحصينها [11]. أمّا رفضُ الرحيلِ إلى شندي فدافعُه التمسُّكُ بالأرضِ وذاكرةُ جدِّه المَك نِمر؛ فلمَّا طلب منه رجالُه أن ينجوَ بنفسه فيفرَّ إلى دنقلا التي بيد الغُزاة، أبى وذكَّرهم بـ«شُرادِ» المَك نِمرٍ من شندي، وهو آخِرُ ملوكِ الجعليين بها، أحرق إسماعيلَ باشا ابنَ محمد علي حيّاً سنة 1822، فجرَّد الأتراكُ عليه حملةً انتقاميَّةً طاحنةً ففرَّ إلى الحدودِ الحبشيَّةِ ومات مُشرَّداً في المنفى، وقال قولتَه: «إمَّا حَيِينا في بلدنا أو مِتنا». وأمّا هاجسُ العِرضِ وشرفِ المرأةِ الجعليَّة فلم يكن دافعَ رفضِ الرحيلِ، بل نتيجة اختيارِ القتالِ حتى الموتِ بدلَ الاستسلام: إذ إنَّ التحصُّنَ ومقاومةَ جيشٍ سيُداهِمُ البلدةَ عَنوةً، جيشٍ لا يُميِّزُ في مؤَنِه بين غنيمةٍ وسَلبٍ، يعني أنَّ اقتحامَ المتمة سيُعرِّضُ النساءَ للسبي، وهو أفدحُ من فقدانِ الأرض [11]. فاختار ود سعد الموتَ على أرضه لا الحياةَ في المنفى، واختارت نساؤه، كما سيأتي في وصفِ المذبحة، الموتَ غرقاً في النيلِ لا الحياةَ سبايا في العار.
استغاثةٌ تأتي متأخرة
في 24 يونيو 1897 أرسل ود سعد وفداً، تذكرُ الرواياتُ أنه بقيادةِ الأمير إبراهيم محمد فرح المعروف بـ«ود البِيه»، إلى مروي، يطلبُ من كتشنر سلاحاً وذخيرةً ورجالاً لِدعمِ عصيانه [18]. واستجاب الجانبُ الغازي بنحوِ ألفٍ ومئةِ بندقيَّةِ رمنجتون وذخيرةٍ مُحمَّلةٍ على الجِمالِ عبر كورتي، لكنها لم تصل في الوقت المناسب؛ إذ كان محمود قد تحرَّك بالفعل، والخليفةُ يعلمُ بكلِّ ذلك بواسطةِ استخباراته [11].
المذبحة، عشرةُ آلافٍ في مواجهةِ ألفين
وصل جيشُ محمود ود أحمد، نحوُ عشرةِ آلافٍ إلى اثني عشر ألفاً، وهاجم البلدةَ الثائرةَ فجرَ الأولِ من يوليو 1897، فواجهه ود سعد بأقلَّ من ألفين إلى ألفين وخمسمئةِ مقاتلٍ لا يحملون إلا قليلاً من البنادق. انتهت المعركةُ سريعاً، واستُبيحت المتمَّة، وقُتِلَ ود سعد وأُرسِلت رأسُه إلى أم درمان، ووُجِدَت معه رسائلُ تُثبِتُ أنَّ العصيانَ كان وليدَ الساعةِ لا نتاجَ تدبيرٍ طويل [11]. يقولُ نعوم شقير إنَّ رجالَ محمود ود أحمد ارتكبوا «من المُنكَراتِ ما تقشعِرُّ منه الأبدان»، وإنَّ النساءَ كنَّ يُلقِينَ بأنفسهنَّ في النيلِ يُفضِّلنَ الموتَ على حياةِ الفضيحةِ والعار [2]. وتختلفُ المصادرُ في أعدادِ السبايا: بين روايةٍ تذكرُ اثنتين وثلاثين امرأةً ومئتين وأربعٍ وثلاثين جاريةً، وروايةِ شقير سبيَ ثلاثمئةٍ وستٍّ وستين امرأة [2]؛ وقد نبَّه المؤرِّخُ مارتن دالي إلى مبالغةٍ في بعضِ الأرقامِ نسَبها إلى استخباراتِ الجيشِ المصريِّ لِتشويهِ صورةِ المهديَّة، وهو تحفُّظٌ نُثبِتُه أمانةً دون أن يُلغيَ أصلَ المذبحة [11].
من أينَ يأكلُ هذا الجيشُ وإلى أين يسير؟ وهل بلغَ هدفه؟
كانت المتمَّةُ نفسُها هدفاً لوجستيّاً قبل أن تكون خطراً سياسيّاً؛ فهي حاضرةُ الجعليين وسوقُهم ومخزنُ حبوبهم على النيل. وجيشٌ بهذا الحجمِ لا يُعيلُه بيتُ مالٍ بعيد، بل يعيشُ على ما تحت يده من زرعٍ وماشيةٍ ومخازن، أي على المتمَّة ذاتها. فكان إخلاؤها يعني تجويعَ الخطَّة، وبقاء أهلها يعني حرمان جيش ود أحمد من مخازنها. وإلى أين كان يسير؟ شمالاً لِيصدَّ كتشنر عند خطِّ المتمَّة. وأمَّا هدفُه، صدُّ الغزو، فلم يتحقَّق البتَّة [1]؛ إذ سِيقَ جيشُ محمود نفسُه، بعد أن أفنى حُماةَ الشمالِ الطبيعيين أي الجعليين، إلى الفناء في معركةِ عطبرة (النُّخيلة) يومَ 8 أبريل 1898، ووقع محمود أسيراً ومات منفيّاً في مصر سنة 1906 [15]. فالمذبحةُ التي زعَمت تأمينَ الجبهةِ إنما فتَّتتها.
وممَّا تختزنه ذاكرةُ المتمَّة أنَّ قريبَ ود سعد ورسولَه إبراهيم ود فرح (ود البِيه) كان خارجَ البلدةِ في مهمَّتِه يومَ الذبح فنجا. ولمَّا وقع محمود ود أحمد أسيراً عند عطبرة، سعى إبراهيم شخصيّاً لِقتله ثأراً لِذويه، فلولا تدخُّلُ ضابطٍ بريطانيٍّ وإصرارُ ونجت باشا على استجوابه لَقَتلَه في مكانه [19].
تداعياتُ المذبحةِ على الجعليين وفروعِهم
لم تنتهِ الكارثةُ بالمذبحة، بل بدأت منها. فقد خشِيَ الخليفةُ انتقامَ الجعليين والشايقيَّة أبناء عمومتهم، فمشَّط جيشُه القرى واعتقل، في روايةِ شقير، نحوَ ثلاثةٍ وعشرين ألفاً من الجعليين واثني عشرَ ألفاً من الشايقيَّة، وساقهم إلى أم درمان في إقامةٍ جبريَّة لم يتخلَّصوا منها إلا بعد سقوطِ العاصمةِ وفرارِ الخليفةِ جنوباً [2]. وهكذا دقَّت «الكَتلةُ» إسفيناً إثنيّاً بين «أولاد البحر» و«أولاد الغرب» ما زال الخطابُ السياسيُّ السودانيُّ يستصحبُه إلى اليوم، وإن لم يكن هذا التقسيمُ صحيحاً على إطلاقه؛ فمقاتلُ المهديَّةِ لا جغرافيا لها ولا لونَ لها كما مرَّ، وإنما ظلَّت المتمَّةُ الجُرحَ الأشهرَ لأنَّ المهزومَ لا المنتصرَ هو الذي دوَّن تاريخها [11].
الحصادُ، دولةٌ تأكلُ نفسها
التداعياتُ السياسيَّة، تفكيكُ الحاضنةِ من الداخل
حين نجمعُ خيوطَ هذه الحروبِ نرى النتيجةَ ماثلةً: دولةٌ أنفقت شرعيَّتَها في حربِ رعاياها. فبِقتلِ كبيرِ الكبابيش، وسجنِ أبي سِنّ، وقتلِ مادبو، وتهجيرِ الفور، وسحقِ البطاحينِ والشِّلُك، وذبحِ الجعليين، وإعدامِ الأشراف، أهلِ المهديِّ أنفسِهم، لم يُبقِ الخليفةُ لنفسه سنَداً إلا عشيرتَه التعايشة [20]. فلمَّا زحف كتشنر لم يجد أمامه أمَّةً مُلتفَّةً حول رايةٍ جامعة، بل مجموعاتٍ مُنهَكةً بعضُها ناقمٌ يتمنَّى زوالَ المركز، حتى إنَّ كثيراً من السودانيين لم يُقاتلوا دفاعاً عن الخلافةِ يومَ كَرري في 2 سبتمبر 1898. وهكذا انهارت الدولةُ في كَرري، ثم قُتِلَ الخليفةُ في أم دبيكرات في 25 نوفمبر 1899 [15]، فكانت خاتمةً هندَستها الحروبُ الداخليَّةُ قبل أن تحسِمَها المدافعُ الأجنبيَّة.
التداعياتُ الاقتصاديَّة، مجاعةُ «سنة ستة» وخرابُ التجارة
أمَّا اقتصاديّاً فالحصادُ أمَرّ. إذ إنَّ إهمالَ الزراعةِ بسببِ التهجيرِ والاستنفارِ الدائم، مع مصادرةِ القطعانِ من الكبابيشِ والشِّلُكِ والهبَّانيةِ والرزيقات، والطاعونِ البقريِّ في الشرق، أفضى إلى المجاعةِ الكبرى المعروفةِ شعبيّاً بـ«سنة ستة» (1889–1890)، فحصدت مئاتِ الألوف [2]. وتراجعت التجارةُ بفعلِ العزلةِ واحتكارِ الدولةِ الحبوبَ والدروب، فذبُلَ ما كان عامراً من أسواقِ الصمغِ وريشِ النعامِ والقوافل [9]. فالدولةُ التي حاربت الكبابيشَ لأنهم أرادوا التحكُّمَ في دروبِ التجارة، انتهت هي إلى تعطيلِ تلك الدروبِ كلِّها؛ والتي جبَت الحبوبَ بالقوَّة، انتهت إلى بلدٍ لا حبَّ فيه.
يُقالُ إنَّ المنتصرَ هو من يكتبُ التاريخ، لكنَّ حروبَ الخليفةِ الداخليَّة تُثبِتُ العكس: فالمهزومُ، الكباشيُّ والرزيقيُّ والفوريُّ والبطحانيُّ والشِّلكاويُّ والجعليُّ والشريفُ، هو الذي دوَّن هذه الصفحاتِ لأنها كُتِبت بدمه [11]. ويبقى الحُكمُ الذي لا مفرَّ منه: أنَّ خلافةً قامت لِتُحرِّرَ السودانيين من التركيِّ، أنفقت خيرَ سنواتها في تحريرِ نفسها منهم، من الكباشيِّ الذي أراد أن يظلَّ سيِّدَ دروبه، ومن الشكريِّ الذي كرَّمه التركيُّ فسجَنه المُحرِّر، ومن الرزيقيِّ الذي أوقد الثورةَ فأطفأه صاحبُها، ومن الجعليِّ الذي نزفَ عند أبي طُلَيح، ومن الشريفِ الذي ظنَّ القرابةَ عاصمة. حرَّرتهم من الأتراك ثم تفرَّغت لحربهم، فما ربِحت هي ولا نجَوا هم؛ وجاء الغازي الآخر فوجد بلداً قد أعدَّ نفسه لِلسقوطِ من الداخل.
المراجع
[1] P. M. Holt, The Mahdist State in the Sudan, 1881–1898, Oxford: Clarendon Press, 1958 (2nd ed., 1970).
[2] نعوم شقير، تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته، القاهرة: المطبعة الأميرية، 1903.
[3] H. A. MacMichael, A History of the Arabs in the Sudan, 2 vols., Cambridge: Cambridge University Press, 1922.
[4] «كيف كانت المقاومة القبلية للمهدية؟»، سودانايل، 5 سبتمبر 2025، https://sudanile.com.
[5] السودان من التاريخ القديم إلى رحلة البعثة المصرية (الجزء الأول)، القاهرة: مؤسسة هنداوي (طبعة إلكترونية)، https://www.hindawi.org/books/35837080/28/.
[6] عون الشريف قاسم، موسوعة القبائل والأنساب في السودان وأشهر أسماء الأعلام والأماكن، 6 مجلدات، الخرطوم: آفروقراف، 1996.
[7] Steven Serels, «Famines of War: The Red Sea Grain Market and Famine in Eastern Sudan, 1889–1891», Northeast African Studies, 12:1 (2012), pp. 73–94.
[8] «قبيلة الرزيقات: إحدى كبرى قبائل السودان»، موسوعة الجزيرة نت، 23 يونيو 2024، https://www.aljazeera.net.
[9] Rudolf C. Slatin, Fire and Sword in the Sudan, London: Edward Arnold, 1896.
[10] R. S. O’Fahey, The Darfur Sultanate: A History, London: Hurst & Company, 2008.
[11] عبد الله علي إبراهيم، «كتلة ’مقتلة‘ المتمة (1 يوليو 1897): يوم كتب المهزوم التاريخ»، صحيفة مداميك، 20 يوليو 2025، https://www.medameek.com/?p=179309.
[12] بدر الدين حامد الهاشمي (ترجمة)، «أبو جميزة: ساحرٌ ثائر يتحدَّى الخليفة»، سودانايل، https://sudanile.com.
[13] حاتم الصديق محمد أحمد، قبائل البطاحين والمهدية في السودان (1885–1898)، الخرطوم.
[14] «كتاب في التاريخ الاجتماعي لمملكة الشُلُك»، سودانايل، https://sudanile.com.
[15] Richard Hill, A Biographical Dictionary of the Sudan, 2nd ed., London: Frank Cass, 1967.
[16] «مذكرات حول الخليفة عبد الله من المصادر السودانية المعاصرة»، صحيفة الراكوبة، 3 فبراير 2017، https://www.alrakoba.net.
[17] «ذكرى سقوط الخرطوم في يناير 1885م وما أشبه الليلة بالبارحة» (مقال رأي)، صحيفة الراكوبة، 2025، https://www.alrakoba.net.
[18] عصمت حسن زلفو، كرري: المعركة التي حطمت جيش المهدية، بيروت: دار الجيل، 1973.
[19] لجنة تنمية وتطوير مدينة المتمة، «مدينة المتمة»، almatamma.com (الرواية المحلية المتوارثة).
[20] محمد سعيد القدال، تاريخ السودان الحديث 1820–1955، الخرطوم: دار الجيل، 1993.

rkhalifa747@gmail.com

Author
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
عندما يكرمك الله ، يجمعك بمن هم خير منك
منبر الرأي
الوقاحة السياسية !
منبر الرأي
مناوي وسوق الابتزاز السياسي
منبر الرأي
إمبراطوريات الورق وسياستنا الخارجية (1 من 2) .. بقلم: د. النور حمد
الانتباهة وتزوير التاريخ السياسي القريب .. بقلم: صلاح الباشا

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

لنصر الإرادة على اليأس .. بقلم: نورالدين مدني

نور الدين مدني
منبر الرأي

هل ستمنح حكومة الإنقاذ معارضة الكيبورد حقائب وزارية ومناصب دستورية رفيعة ؟ .. بقلم: أكرم محمد زكي

طارق الجزولي
منبر الرأي

متى سنخرج من الحفرة؟ .. بقلم: الصاوي يـوسف

طارق الجزولي
منبر الرأي

ضباط الشرطة المتقاعدين مكوِّن أساسي في أجهزة الأمن .. بقلم: مقدم شرطة م/ حسن دفع الله عبد القادر

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss