زرياب عوض الكريم
تاريخ صراع القوميين الشماليين مع المشاريع السياسية الأخرى ، هل هو صراع مع الهُويات غير الموالية أم مع السُلالات السياسية المُنافسة ؟
يمكن إختزال الصراع حول الإنفصال والإتصالات السياسي في السودان في الحقائق التالية ، وهي أن القومية البرجوازية الشمالية في السُودان حتى العام (1924) كانت نُخبة ريفية (إتحادية) مع مصر.
لكنهم فُجاءة لأسباب تتعلق بالتوظيف السياسي – البريطاني ، تحولوا تدريجياً إلى (إنفصاليين) في نهاية الثلاثينات إلى منتصف الأربعينيات ، آمنوا تكتيكياً بقومية غرب إفريقيا (القومية السودانية).
ثم تخلوا في الستينيات ، عن الأيدلوجيا الإنفصالية البريطانية (أيدلوجيا الإستقلال) ، أُسطورة المهدوية التأسيسية ، التي إقترحها وينجت باشا كرواية توفيقية (حل توفيقي).
وعادوا إلى خيارهم التاريخي ، الأيدلوجية (الإتحادية) ، الأيدلوجيا المصرية (القومية العربية).
وهو خيار جيوسياسي ، كان يقتضي توحيد الجنوب قسرياً (إحتلال الجنوب) وعزل غرب السودان (سلطنة دارفور). أو تهميشها.
عليه لم تكن حرب دارفور 1991/2003 ومُحاولة إستبدال المكونات الإجتماعية الإفريقية فيها ، مُصادفة. بل حرباً وقائية.
وحرب 15 إبريل هي ليست بدعة جديدة. بل إستمرار لسلسلة من الحروب الوقائية (غير الضرورية).
قرار / خيار الإنفصال لا تتخذه هذه النُخب السياسية المُتنافسة ، وهناك شواهد كثيرة.
(إستماتة قرنق / خليل إبراهيم /عبدالعزيز الحلو / عبدالواحد نور / مالك عقار).
بل تتخذه المُجتمعات المحلية المعنية بالنزاع حول السُلطة ، حين تقرر التخلص من هؤلاء ، تمهيداً للمساومة أو خوفاً من الإنتحار الطبقي.
مُتلازمات البداوة السياسية : مجتمعات ما قبل الدولة
هناك عجز إستشراقي ، في مصر وشمال إفريقيا (العالم القديم) ، أساساً عن فهم طبيعة البداوة السياسية political nomadism ، في الدول الجديدة في الشرق الأوسط والعالم الثالث ، خلال الحرب العالمية الثانية.
(من السُودان الحديث إلى العراق الحديث ، السعودية).
(نموذج دولة قومية بلا أمة) الصيغة البنيوية للعالم الثالث ، كـ صراع بين الشعوب الجديدة والشعوب القديمة على ركح دولة مابعد الإستعمار.
(Settler, native nationalism).
هذه الدُول هي (دُول مُصطنعة) ، نتاجاً لخرائط التدخُل الإستعماري ، إحتوت في داخلها مجموعة من الكيانات التاريخية أو مُجتمعات اللادولة ، مُجتمعات ماقبل الدولة. أيضاً.
Prestate / stateless.
بعض هذه الدول المُصطنعة بتعبير جان بودريار عن (المُصطنع والإصطناع) ، عانت مما يمكن وصفه بأنه (عُقد تاريخية ، عقدة تاريخ) بحُكم كونها أمماً مُصطنعة بلا تاريخ.
ما جعلها تتمسك بالتحريفية السياسية (الأساطير المُؤسسة والمُشرعنة) ، كأداة للمشروعية السياسية بدلاً عن (العقد الإجتماعي).
طيب الذكر الجنرال المُثقف والمهندس (ريجنالد وينجت باشا) قام بتأسيس الدولة السودانية الحديثة (السُودان الأنغلو مصري) ، في (1898) على أساس من التوفيقية أو التلفيقية السياسية ، بين مكونات الحرب الأهلية في الثورة المهدية (الشماليين والبقارة).
وهي بالمُناسبة حرب شبيهة بالحرب الأهلية بين الجنوب الزراعي والشمال الصناعي ، في أعقاب الثورة الأمريكية (1863).
كونها أساساً صراع خالص ، بين القوميات الإستيطانية (العربية والمُستعربة) في غرب السودان وشرقه ، وتنافُساً بين البرجوازية البيضاء (التركية) والملونة .
(عليه كان التدخل العسكري الثنائي نهاية سياسية لها).
لا يعترف القوميون الشماليون بذلك من باب الإنكار الذي درجوا عليه ، وغياب (ثقافة الإعتراف).
تعاني النُخب الريفية الشمالية (رابطة دشرات ممالك الشمال النيلي الخمسة أو العشرة) أو مُجتمع إتفاق البقط التاريخي (حوالي 651) ، مما يمكن الإشارة إليه على أنه الإزدواج والإنفصال الوجداني (بين الداخل والخارج).
راجع : بابا هومي.
أكبر مُشكلة واجهها الشماليون في مشروع الحُكم (الإستعمار الجديد) الذي تبنته الولايات المتحدة خلال الستينيات ، هي بُعدهم النفسي مع الشعوب القديمة ، مع الشعوب الأصلية – الإفريقية المسلمة و نُخبها التقليدية (السلطنات والممالك).
بالتالي الصدام مع (أبناء السلطنات).
أما المُشكلة السابقة التي واجهتهم في العشرينيات الثلاثينيات حتى الأربعينيات ، فهي عدم رغبتهم في الإعتراف ، بما لا يقل عن أربعة إلى خمسة من (النُخب الحديثة المُنافسة) كلها. بسبب عامل الفوارق الثقافية والتفوق الثقافي.
بالتالي (تخوين أبناء / أحفاد الإستعمار (الآخرين)).
النُخبة الجنوبية الحديثة (أولاد الإرساليات)
اليهود والأقباط والأغاريق (المسالمة)
الخُلاسيين الأتراك (اولاد ريف)
الزنوج المُستعربين أو المواليد (الملكية).
لكنهم في النهاية ، مِثلهم مثل النظام السياسي في إثيوبيا الأمهرية amharic ethiopia ، مثلهم مثل مشيخات الخليج الفارسي (دول مجلس التعاون) ، وجدوا نفسهم (نُخباً تقليدية).
نُخباً تقليدية غير قادرة على التكيف مع الحداثة ، تواجه (القانون الدولي) المكتوب ونموذج ويستفاليا في الغرب بالتحدي ، وتُخضع (الشُعوب الجديدة) ، بأداة ثورات الإصلاح الديني.
(من المهدية إلى الوهابية إلى أيدلوجيا الناصرية والبعث نفسيهما).
وتواجه الشعوب القديمة (السُكان الأصليين) بأداة (الإستلاب و حروب الإستعمار الأوربي تحت شعارات إسلامية مُخاتلة).
كان هذا سبباً في رفضهم الأيدلوجيات الجذرية ، مثل الماركسية ، وحُروب التحرر الوطني في الريف السوداني (التمردات).
وإستعانتهم بنُخب السلطنات (التقليدية) في غرب إفريقيا َوغرب إريتريا إلخ. في مُواجهة هذه النخب الحديثة المُنافسة.
من جذور تشاد ونيجيريا ومُوريتانيا وحتى الصومال.
(الأزهري / الشنقيطي / عبدالله خليل / التُرابي / أحمد محمد هارون / إبراهيم محمود حامد إلخ).
نُخبة تقليدية ترى في المُجتمعات التقليدية الأخرى في غرب السودان وشرقه (همج). وترى في الشعوب الأصلية (جنوب السودان) مشاعاً للإستغلال.
طبقات حُكم متنافسة لا أمم : من هُم القومية البرجوازية الشمالية؟ عائلة دقلو السياسية؟
الجلابة الجُدد هم طبقة حكم ريفية الجذور مثلها مثل نخب المنوفية في المؤسسات العسكرية المصرية.
اما مُؤسسة الجلابة (المجمع الصناعي الحربي الإحتكاري) المنتج للنُخب المحلية وتمثيل الريف ، المُنتج للحرب ، للإحتكار السياسي. فهي شأن آخر.
أما أيضاً عائلة دقلو السياسية ، فهي عائلة سياسية لديها مشروع سياسي وتصورات مُحددة مُكتسبة إلى الذات والآخرين ، مثلها مثل العائلات السياسية في الخليج والأماكن الأخرى من العالم ، مثل المشاريع السياسية المُنافسة (مشروع السودان الجديد) الذي كانت تطرحه نُخبة دينكا بور التقدمية في السُودان الجنوبي (1983).
ويجب فك الإرتباط الذهني ، بين هذه المشاريع السياسية المُتباينة لإختلاف الخبرات والتجارب السياسية نفسها في دولة مابعد الإستعمار ، وبين الهويات الثقافية كمورد سياسي أو أداة للتعبئة والتجنيد السياسي.
الهُويات الثقافية والاجتماعية والإقليمية (باقية) مهما تغير النظام السياسي ، الولاءات السياسية والاجتماعية (مُتحركة) ، وطبقات الحكم (مُتبدلة).
إذن الصراع لا يُمكن وصفه بأنه صراع بقاء ، في أصله ، بل محاولة لتحويله إلى صراع بقاء (جامد).
طبيعة الإستقطاب الإجتماعي – حروب الإستقلال: سُلالات سياسية مُتنافسة لا هُويات مُتفاوتة ثقافياً
التفاوتات الثقافية بين المُجتمعات العمرانية الجديدة والقديمة ، قائمة ، دون أن تمتلك نُخبة تقليدية عاجزة مثل نُخبة الشمال النيلي الريفية ، قدرة على إدارتها من خلال سياسة التنوع وثقافة الحكامة (الحوكمة).
هناك دول مثل نيجيريا / ماليزيا / الولايات المُتحدة ، لا تحكمها بشكل أساسي ، نُخب تقدمية يسارية (تحالف مُثقفين) على غرار أمريكا اللاتينية وبعض الدول الإفريقية.
بل إن تحالفات البنادق (الجنود) مُنفردة في نيجيريا المنقسمة آنذاك ، إستطاعت إيجاد مُساومة سياسية (1975) لا تختلف كثيراً عن إتفاق أديس أبابا (1972) بين جوزيف لاقو وجعفر نميري برعاية مجلس الكنائس الإفريقي.
وتحالفات البنادق بين السادات وبيغن ، إستطاعت تحقيق إتفاق كامب ديفيد. بمساعدة أطراف عديدة.
والسلام الدائم في الولايات المتحدة مثله مثل السلام في جنوب افريقيا ، تضمنه إتحادات الصناعات والمُزارعين (الفلاحين) الأمريكيين والافريكانز أيضاً.
وهي ذات الإتحادات الفلاحية الضامنة للسلام الداخلي النسبي في الإتحاد الروسي.
ولو كانت حرب 15 إبريل في غرب السودان بقيادة احد كبار ضباط القوات المسلحة (النُخبة العسكرية النظامية) مثل إبراهيم جابر أو شمس الدين كباشي ، لما تحولت حرب الخرطوم أصلاً إلى حرب مُجتمعية.
أزمة إحتكارات سياسية : فائض من النُخب السياسية المُتنافسة ، لا فائض من الشعوب
كأنما عاد السُودان الشمالي الحديث إلى لحظة القرن الثامن عشر (تناحُر السلطنات الثلاثة).
فشلت النُخبة الشمالية الريفية ، الإتحادية مع مصر ، في توحيد القوميات والأقاليم السودانية (المُتنافسة) ، بسبب عجزها عن إحداث تحول تنموي.
تحوُّل صناعي صارم ، في الإقتصادات التقليدية للحرب والجباية (نمط الإنتاج الإستخراجي).
وبالتالي فشلها في تحويل وظيفة الدولة نفسها ، من الإستخراج إلى التنموية (التوزيع).
من إحتكار الثروة وأدواته (إحتكار التمثيل والتمثيل المغشوش) ، إلى توزيعها.
أدى إلى خلق صراع حاد بعد إنفصال الجنوب أو في نهاية حرب الجنوب الفاشلة ، حول نموذج الإحتكار السياسي.
ثُلاثي (الحكم العسكري والفاشية العسكرية / الحركة الإسلامية والفاشية الإسلامية / النظام المركزي وأيدلوجية الإستيعاب القسري). .
بالمُقارنة مع نجاح النُخب السياسية التقليدية في الخليج (المشيخات) في توزيع ريع الثروة الإستخراجية ، الأمر الذي حقق إحتكار ها السياسي.
فإن فشل النُخبة الشمالية (الريفية) في توزيع الثروة ، من خلال مُساومات سياسيَّة ومن خلال توطين المُساومة السياسية. مردود إلى إرتباطها الخارجي.
يمكن إحالته إلى التدخُصل الإقليمي ، والإرتباط السياسي الأمني بمحور القاهرة – الخليج.
فالدول الخليجية والدولة المصرية ، مُستفيدة من تكريس التخلُف التنموي underdevelopment في السُودان بأشكال مُختلفة ولدواعي مُختلفة أيضاً.
طالما أن السُودان الحديث هو الخزان الإحتياطي المصري للموارد الأولية.
مثلما أيضاً أن الجزائر والتطور الصناعي فيها (شمال الجزائر) ، كانت تعتقد أنها مُتضررة من حروب إستقلال الطوارق ، في أزواد والنيجر (ازواغ) و بوركينافاسو وجُزر الكناري.
Northernwindpasserby94@gmail.com
