شتان مابين طالبٌ يُقبلُ قَدمَ مُعَلِمِهِ ومعلمٌ يدمر مستقبل طلابه .. بقلم: د.يوسف الطيب محمدتوم-المحامى
20 مارس, 2015
منشورات غير مصنفة
24 زيارة
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الله تعالى:(كما أرسلنا فيكم رسول منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون)سورةالبقرةالأية151 وقال صلى الله عليه وسلم:(إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً وميسراً)م
وقال أمير الشعراء أحمد شوقى:-
قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا
أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي
يبني وينشئُ أنفـساً وعقولا
لاشك أنَ جميع أفراد الشعب السودانى الكريم قد إستنكروا وإستهجنوا السلوك القبيح والشاذ الذى ظهر من بعض الأشخاص الذين ينتحلون صفة المعلم بمدرسة الريان الثانوية الخاصة بنين بالدخينات،وذلك عندما قاموا بالإحتيال على أكثر من خمسين طالباً،وأوهموهم بأنهم قد قاموا بكل الإجراءات المتبعة لدى وزارة التربية والتعليم بولاية الخرطوم،وكذلك أكملوا كل الإجراءات ذات الصلة مع لجنة إمتحانات الشهادة السودانية القومية،إلى أن إتضح أمرهم وإنكشفت ضمائرهم الخربة،وعقولهم الخواء ،أمام أولياء أمور الطلاب المساكين خاصةَ،بالإضافة لعموم أهل السودان،ولكننى أود أن أقارن بين الذى حدث لهولاء الطلاب الأبرياء،من هولاء الذئاب الذين يدعون بأنهم معلمون ورسل معرفة،وبين رجالٍ علماء أمناء أقوياء،يعملون ليلاً ونهاراً ،وبكل تجرد ونكران ذات من أجل رفعة أوطانهم وتقدم شعبهم عن طريق مهنة التعليم الشريفة،لذا أنهم يستحقون صفة المعلم بتمامها وكمالها وزيادة ،وذلك لتضحياتهم الكبيرة التى قدموها من أجل تعليم أبناء وبنات وطنهم،فالحكاية الأولى،أخبرنا بها أستاذ جامعى،بقوله انه وفى السبعينيات من القرن الماضى،وفى مدرسة محمد حسين الثانوية بنين،كان هنالك طالباً متميزاً على أقرانه فى الفصل الثانى بالمدرسة المذكورة أعلاه،وكان يأتى أول الفصل فى كل الإمتحانات، وفجاةً تدنى مستوى هذا الطالب وأصبح لا يهتم بدروسه، ولا يهتم بلبسه ونظافة جسمه،فلاحظ مشرف الفصل هذا التدهور الذى حدث للطلاب،وطلب منه أن يقابله فى المكتب وبالفعل تمت المقابلة،وأصر المعلم على الطالب بأن يوضح له سبب تدنى مستواه هذا،ففى بدأية الأمر رفض الطالب أن يوضح السبب الحقيقى لتدنى مستواه،ولكن مع إلحاح المعلم،إعترف الطالب بأنَ السبب الرئيسى هو أنه يسكن مع شقيقه فى منزل واحد،وأنَ زوجة شقيقه هذا،كانت تقول له دوماً (أمشى شوف ليك شغل أحسن ليك من القراية)،ونفس هذا الكلام تقوله صباح مساء لزوجها والذى هو شقيقى لكى يقنعنى لترك المدرسة والإتجاه للشغل،ولما كثرت على الضغوط ذهبت وإشتغلت مع صاحب مصنع باسطة،حيث يبدأ العمل معه منذ خروجى من المدرسة،إلى منتصف الليل ،حيث إننى أقوم بدفع طبلية الباسطة من المصنع إلى السينما حيث يقوم بشرائها الجمهور،وبعد أن يتم البيع أعود للمصنع للنوم وهكذا دواليك(أى أنه لا زمن لغسيل الملابس او نظافة الجسم)تخيل ماذا فعل هذا المعلم العظيم قال له بالحرف الواحد:إذهب للمصنع وجيب شنطتك وتعال اسكن معى فى البيت ومع أولادى،ولك أن تتخيل عزيزى القارئ أنَ هذا البيت ليس ملكه إنما مستأجره فقط،وبالفعل حضر هذا الطالب وسكن مع هذا الأستاذ المربى العظيم إلى أن إمتحن الشهادة السودانية ونجح نجاحاً باهراً،ودخل إحدى كليات الطب وتخرج فيها طبيباً وأصبح إختصاصى كبير فى ألمانيا يشار إليه بالبنان،وعندما قام فى إحدى المرات بزيارة أهله فى السودان،وأثناء مروره فى سوق أمدرمان رأى معلمه الكبير الذى كان سبباً فى نجاحه وصعوده لهذه الدرجات المرموقة فى مجال الطب،فقام هذا الطبيب بإيقاف عربته الفارهة،ونزل منها،وجاء لمعلمه العظيم،وسلم عليه،وقال له عرفتنى ياأستاذ فقال له معلمه لم أتذكرك لأننى درست المئات من الطلاب ويخلق من الشبه أربعين،كما أنَ عامل السن الذى يؤثر على النظر،فقال الطالب لمعلمه أنا فلان الفلانى الذى كان يسكن معك فى البيت ،فأرجوك أن تسمح لى بأن أُقبل قدمك،لأنك أنقذتنى من الضياع،وإنخرطا الإثنين معاً فى بكاءٍ شديد،إلى أن تجمع الناس حولهم لكى يعرفوا سبب هذا البكاء فذكر لهم الطبيب الموقف الأصيل الذى وقفه معه هذا المعلم الجليل،وكيف كان هولاء الرجال الأفذاذ يعاملون طلابهم وكأنهم أبناءهم تماماً،لذا كانوا كالشمعة تحرق نفسها لتضئ لغيرها،فهم علموا القران وعملوا به،وعلموا السنة النبوية الشريفة وعملوابها واتبعوها وتمسكوا بها،فلهم منا كل الإحترام والتقدير،ونسأل الله لهم أن يكونوا فى الفردوس الأعلى فى الجنة مع معلم الإنسانية الأول سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم.
وبالله التوفيق
yusufbuj@yahoo.com