د. صلاح أحمد الحبو
في اللحظات التي تبلغ فيها الحروب ذروتها، لا يكون الدمار محصورًا في الجغرافيا أو البنى المادية، بل يمتد—على نحو أعمق وأشد أثرًا—إلى البنية النفسية للمجتمع، حيث تتشظى المعاني، وتُعاد صياغة القيم، ويُعاد تشكيل الوعي الجمعي تحت ضغط الخوف والصدمة والاستقطاب. وفي مثل هذه السياقات، لا يعود السلام مجرد خيار سياسي أو تسوية ظرفية، بل يتحول إلى اختبار سيكولوجي معقّد، يكشف قدرة المجتمع على إعادة بناء ذاته من الداخل، قبل أن يعيد ترتيب واقعه في الخارج.
من هنا تنبثق أطروحة “شجاعة السلام من قريب” بوصفها مقاربة سيكولوجية تتجاوز التصورات التقليدية للسلام، لتؤسس لفهم أعمق يعتبر أن الانتقال إلى مجتمع ما بعد الحرب لا يتحقق فقط عبر اتفاقات أو توازنات، بل عبر عملية إعادة تشكيل للوعي الجمعي، وبناء “حصانة الداخل” كشرط بنيوي للنجاة من التشوهات التي تُخلّفها الحرب. فالمجتمعات الخارجة من النزاعات لا تواجه فقط تحديات إعادة الإعمار المادي، بل تخوض—في جوهرها—معركة أكثر تعقيدًا: معركة استعادة إنسانيتها، وإعادة تعريف ذاتها خارج منطق العنف والعداء.
وعليه، فإن هذه الدراسة تنطلق من فرضية مركزية مفادها أن السلام المستدام ليس نتاج غلبة طرف على آخر، بل ثمرة قدرة جماعية على منع الانهيار الداخلي، وعلى إعادة بناء التماسك النفسي والأخلاقي في وجه إرث الصدمة. وبهذا المعنى، يغدو السلام فعل شجاعة سيكولوجية، لا لأنه يتطلب التنازل فحسب، بل لأنه يقتضي مواجهة الذات، وتفكيك سرديات الحرب الراسخة، وإعادة إنتاج معنى الكرامة والعدالة خارج ثنائية الانتقام والهزيمة.
مجتمع الحرب ليس مجرد فضاء يتعايش مع العنف، بل هو نظام نفسي متكامل يُعاد فيه إنتاج المعاني تحت ضغط الصدمة المستمرة. إذ يتحول العنف من حدث استثنائي إلى ممارسة مألوفة، تتسلل إلى اللغة اليومية وتُبرر ضمنيًا بوصفها ضرورة، فيفقد بذلك صدمته الأخلاقية ويتحول إلى أداة مقبولة ضمنيًا [1]. وفي السياق ذاته، تُختزل الهويات المركبة إلى ثنائيات صراعية حادة (نحن/هم)، بما يلغي التعقيد الإنساني ويُنتج نماذج ذهنية مغلقة تشرعن العداء وتُضعف إمكانات التعاطف [2]. أما الكرامة، التي كانت ترتبط بالقيم الإنسانية، فتُعاد صياغتها ضمن منطق الانتقام، بحيث يصبح التسامح ضعفًا، والتراجع خيانة، والسلام شبهة أخلاقية [3]. هذه البنية النفسية لا تخص طرفًا بعينه، بل تشمل جميع الفاعلين بدرجات متفاوتة، مما يجعل تفكيكها شرطًا أوليًا لأي مشروع سلام حقيقي.
ومن أجل تعميق هذا الفهم، لا بد من تحليل سيكولوجي متعدد المستويات للأطراف المختلفة داخل مجتمع الحرب. فالمقاتلون، على سبيل المثال، لا يقاتلون فقط من أجل أهداف سياسية أو عسكرية، بل من أجل الحفاظ على تماسكهم النفسي؛ إذ تمنحهم الحرب هوية واضحة، ومعنى مباشرًا، وشعورًا بالسيطرة وسط الفوضى. ومن ثم فإن السلام لا يُهددهم سياسيًا فحسب، بل وجوديًا، لأنه يفتح فراغًا نفسيًا قد يكون أكثر رعبًا من الحرب ذاتها؛ لذلك يمكن قراءة رفض السلام هنا بوصفه آلية دفاع نفسي ضد فقدان المعنى [4].
في المقابل، يعيش المواطنون والضحايا حالة صدمة ممتدة تُعيد تشكيل إدراكهم للعالم، وتُنتج توقًا عميقًا للاعتراف، وحساسية مفرطة تجاه العدالة، وميلًا إلى تبني سرديات تعيد الكرامة المفقودة. وعليه، فإن رفض السلام في هذا السياق لا يعكس رفضًا للفكرة بقدر ما يعكس خوفًا من أن يتحول إلى طمس للذاكرة أو إفلات من المساءلة [5]. أما الفاعلون—من سياسيين ونخب ومؤسسات—فغالبًا ما يدركون ضرورة السلام، لكنهم يقعون تحت ضغوط مركبة: ضغط رمزي يتمثل في الخوف من الوصم، وضغط سياسي يتعلق بفقدان الشرعية أو النفوذ، وضغط نفسي ناتج عن ثقل القرار التاريخي؛ ما يجعل التردد أو الصمت تعبيرًا عن عجز نفسي منظم أكثر منه غيابًا للرؤية [6].
وفي هذا الإطار، يتضح أن أحد أهم أسباب إخفاق خطابات السلام هو فجوتها العميقة بين العقل والوجدان؛ فهي كثيرًا ما تُخاطب المنطق وتتجاهل الأثر النفسي العميق للحرب، فإما أن تقلل من الألم، أو تُبسّط مفهوم العدالة، أو تفشل في إعادة تعريف الكرامة، وبذلك تبدو كأنها دعوة فوقية منفصلة عن التجربة الحية للناس. والحقيقة أن السلام لا يُبنى عبر نفي هذه المشاعر، بل عبر إعادة تنظيمها ضمن أفق جديد للمعنى.
استجابة لهذه التحديات، يمكن بلورة إطار مفاهيمي يُعرف بـ”سيكولوجيا السلام من قريب”، وهي مقاربة نفسية-تحليلية تهدف إلى إعادة تأطير السلام بوصفه فعل قوة، وبناء شجاعة نفسية لدى الفاعلين، وتفكيك السرديات الرافضة للسلام عبر إعادة تشكيل معاني الكرامة والعدالة. وترتكز هذه المقاربة على مفهومين مركزيين: “المرونة الكرامية”، بوصفها القدرة على تجاوز الألم دون إنكاره، والحفاظ على الكرامة دون الانزلاق إلى الانتقام، وبناء المستقبل دون التنكر للماضي؛ و”حصانة الداخل”، بوصفها القدرة النفسية على مقاومة التشوه الداخلي الذي تُحدثه الحرب، والحفاظ على البنية الأخلاقية والإنسانية رغم التعرض للعنف.
ومن هذا المنطلق، تتبلور الفكرة الجوهرية التي تؤسس لهذه الدراسة: إن أعظم انتصار لا يتحقق عندما يُهزم الخصم، بل عندما ننجح—نحن—في ألا نُهزم من الداخل. وهذه الفكرة لا تمثل مجرد حكمة أخلاقية، بل تؤسس لما يمكن تسميته بـ”الانتصار الداخلي المستدام”، وهو مفهوم سيكولوجي مركب يشير إلى قدرة الأفراد والمجتمعات على النجاة من الحرب دون إعادة إنتاج منطقها، والحفاظ على المعنى الإنساني رغم الانتهاكات، وإعادة بناء الذات دون تشوهات انتقامية. إنه انتصار يتجاوز منطق الغلبة، ليؤسس لمنطق الاستمرارية الإنسانية، حيث لا يكون الهدف هزيمة الآخر بقدر ما يكون إنقاذ الذات من التحلل الداخلي.
غير أن هذا الأفق النظري يظل ناقصًا ما لم يتحول إلى برنامج عملي يلامس البنى النفسية الحية داخل المجتمع. فـ”سيكولوجيا السلام من قريب” تقتضي هندسة انتقال نفسي من مجتمع الحرب إلى مجتمع الإمكان، عبر تفكيك التماهي مع العنف، وإعادة ترميم الثقة الرمزية، وتحويل الذاكرة من عبء إلى مورد. كما تتطلب بناء خطاب نفسي قادر على مخاطبة الرافضين للسلام، يبدأ بالاعتراف بالألم، ويعيد تعريف الكرامة بوصفها قدرة على الاختيار لا رد الفعل، ويقلل من التهديد الرمزي المرتبط بفكرة السلام، بحيث لا يُنظر إليه كخسارة بل كاستعادة للسيطرة على المصير.
وفي قلب هذه العملية، يقف الفاعل—السياسي، المثقف، القائد المجتمعي—بوصفه حاملًا نفسيًا للسردية الجديدة، ما يستدعي تأهيله عبر بناء الشجاعة السردية، وتطوير المناعة ضد الوصم، وتعزيز الاتساق الداخلي بين القناعة والموقف. ومن خلال ذلك، يمكن خلق ما يمكن تسميته بـ”البيئة النفسية الحاضنة للسلام”، وهي بيئة تتسم بانخفاض الاستقطاب، وارتفاع قابلية التعاطف، ووجود سرديات بديلة تمنح معنى للتعايش، واستعداد تدريجي لتقبل التسويات بوصفها أدوات بقاء لا أدوات ضعف.
في المحصلة، تتكشف “شجاعة السلام من قريب” بوصفها مشروعًا نفسيًا بقدر ما هي مشروع سياسي؛ مشروع تحرر من الخوف والكراهية، ومن الحاجة إلى تعريف الذات عبر العدو. فالانتصار الحقيقي لا يتحقق عندما تصمت البنادق فقط، بل عندما تتوقف الحرب داخلنا. وعندما ننجح في ذلك، نكون قد أسسنا لنوع جديد من الانتصار: لا يُقاس بما خسرناه من أعداء، بل بما أنقذناه من إنسانيتنا. إنه انتصار هادئ وعميق، لا يظهر في خرائط السيطرة، بل في قدرة الإنسان على أن يظل إنسانًا رغم كل ما مر به—وهذا، في جوهره، هو المعنى الأعمق للسلام من قريب.
المراجع
[1] دانيال بار-تال، الصراعات المستعصية: الأسس والديناميات السوسيو-نفسية، مطبعة جامعة كامبريدج، 2013. [2] هنري تاجفيل وجون تيرنر، “نظرية الهوية الاجتماعية والسلوك بين الجماعات”، 1979. [3] فاميك فولكان، سلالات الدم: من الفخر العرقي إلى الإرهاب العرقي، 1997. [4] ديف غروسمان، عن القتل: الكلفة النفسية لتعلم القتل في الحرب والمجتمع، 1995. [5] جوديث هيرمان، الصدمة والتعافي، دار الكتب الأساسية (Basic Books)، 1992. [6] روجر ماك جينتي، السلام اليومي: كيف يقلل الناس العاديون من النزاع ويبنون السلام، مطبعة جامعة أكسفورد، 2014habobsalah@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم