مدخل اجتماعي طبقي
طارق بشري
بهذا النص أعلن السيد وجدي صالح على صفحته في الفيسبوك : تحيي لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو ١٩٨٩ واسترداد الأموال العامة كافة أبناء وبنات الشعب السوداني الذين يعانون من ويلات الحرب الإجرامية التي أشعلها عناصر النظام البائد في محاولة للعودة من خلالها إلى السلطة، وتعلن استئناف أعمالها من أجل إنهاء اختطاف منظومة المؤتمر الوطني/الحركة الإسلامية الإرهابية وواجهاتهم للدولة، وضمان محاسبة الذين اقترفوا أبشع الجرائم في حق الشعب السوداني على مدى العقود الثلاثة الماضية الكالحة التي حكم فيها نظام الإنقاذ، وفي الفترة التي أعقبت انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١، وحرب ١٥ أبريل الإجرامية… إذن وفقا ل لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو١٩٨٩ (اللجنة الاعلامية)تم استئناف أعمالها بعد غياب أو تغييب دام أكثر من ١٦٠٦ يوما(انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ إلى ١٧ مارس ٢٠٢٦ ) وكانت اللجنة قد أسست وفقا “قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 وإزالة التمكين لسنة 2019” في نوفمبر ٢٠١٩ وفقا للشراكة السياسية- و التي في جوهرها تعكس مساومة اجتماعية طبقية محددة- بين جنرالات اللجنة الامنية لرأس النظام القديم(نظام الانقاذ) و قوي الحرية والتغيير(قحت).
(٢)
ما بين قيام اللجنة في نوفمبر ٢٠١٩ وحتى انتهاء الشراكة السياسية بانقلاب أحد طرفيها في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ كانت اللجنة تطل على الإعلام الرسمي وغيره في نهارات الخميس بشكل غير دوري لتعلن عن (انجازاتها) في تفكيك النظام القديم و ما بين غيابها أو تغيبها لتلك المدة (١٦٠٦ يوما) بعد انقلاب ٢٥ اكتوبر نحاول هنا قراءة أعمال اللجنة – بما هي جزء أساسي من بنية الشراكة الاجتماعية الطبقية السياسية – إبان الفترة الانتقالية ٢٠١٩-٢٠٢١ و قرار عودتها في ١٧ مارس ٢٠٢٦من مدخل التحليل الاجتماعي الطبقي.
(٣)
بعد تراكم نضالي طويل النفس خاضت الجماهير في كل فضاءات المجتمع المدني نضالها اليومي و فوق اليومي(النظري الفكري) و عبر المزاوجة الجدلية ما بين ثلاثي التغيير الذهبي :الرؤية النظرية المحددة والتنظيم والممارسة الى ان وصل النضال مده النوعي باقتلاع رأس النظام القديم- نظام (الانقاذ(الحركة الإسلامية)) في ثورة ١٩ ديسمبر ٢٠١٨. نظام الانقاذ بما هو يمثل مصالح الرأسمالية الطفيلية التي عندها الاستيلاء على الدولة وأجهزتها هو استيلاء على الريع و الموارد و فوائض القيمة المضافة تحت ايديولوجيتها المتأسلمة(المشروع الحضاري او إعادة صياغة المجتمع وفق قراءتها المحددة للنص الديني(الأسلمة)- و تحت سياستها النيوليبرالية بما هي نموذجًا سياسيًا واقتصاديًا سائد على المستوى العالمي منذ نهايات السبعينيات من القرن الماضي، عملت النخبة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة على إعادة تشكيل البنية الاجتماعية الطبقية بشكل قسري لصالح اغناء و مزيد من اغتناء شريحة الرأسمالية الطفيلية وفي تناقض جوهري مع مصالح الغالبية من قوى العمل في القطاعات الزراعية و الصناعية و الخدمية الخ وطوال الثلاثين عاما من ١٩٨٩ كان منتوج هذه السياسات تعميق أوجه التفاوات الاجتماعية الطبقية، و تعميق تبعية الاقتصاد وتعميق الازمة الاجتماعية بزيادة معدلات الفقر و المرض و التمرحل من حرب اهلية الى اخرى اكثر كارثية على حياة الملايين في امنهم و صحتهم و تعليمهم و حرياتهم و عزتهم .
(٤)
و تحت مسوغات الخصخصة(كجزء أساسي من السياسات النيوليبرالية)هرولت فرادي وجماعات مصالح سلطة(الانقاذ) الي بيع(تقرا نهب منظم بادارة الحركة الاسلامية الراعي الرسمي للرأسمالية الطفيلية-تحويل امتيازهم السياسي إلى فوائد اقتصادية) مئات من شركات ومؤسسات القطاع العام وعلى سبيل المثال لا الحصر تم استيلائهم علي :وفق تقرير لمركز دراسات الدفاع المتقدمة يشير في ملخصه إلى أن الدولة السودانية العميقة في عهد البشير وما الانقلاب الأخير بقيادة البرهان.عززت من سيطرتها على الموارد وأصول الشركات( و التي قدرت ب 263 شركة) في كل القطاعات الرئيسية في السودان… و نشير هنا الى بعض الامثلة و التي تؤشر إلى مدى سيطرة اقتصاد الجيش وقوات الدعم السريع وأجهزة الأمن على الاقتصاد السوداني. بنك أمدرمان الوطني هو أكبر مؤسسة مالية في السودان: في نهاية عام 2019 تم تقييم البنك بكونه أكبر من جميع المؤسسات المالية العامة الاخرى في السودان مجتمعة. لطالما كان الجيش يمتلك جزءًا من بنك أمدرمان الوطني، ولكن خلال الفترة الانتقالية ، أصبح الجيش يمتلك ما لا يقل عن 99 % من أسهم بنك امدرمان وفقا لأحدث البيانات .
تعد شركة زادنا مملوكة بشكل مباشر وبنسبة 99 %من قبل الصندوق الخاص للضمان االجتماعي للقوات المسلحة، الذي يديره الجيش والنسبة المتبقية وهي 1 %مملوكة لشركة زادي للتجارة والمقاولات المحدودة التي تسجل بكونها خاصة إلا أنها تتبع للجيش مما يرفع سيطرة الجيش إلى 99.9% . لشركة زادنا دور محوري في الإنتاج الزراعي و انشاء الطرق و الكباري و صناعة اللحوم (يتبع لها مسلخ الكدر و الذي يعد من أكبر المسالخ الحديثة في القارة الافريقية) و علاوة على ذلك، أعلنت شركة زادنا الدولية عن إقامة علاقة تجارية مع شركة فالمونت للصناعات و هي شركة أمريكية، والتي من شأنها، في حال استمرارها، أن تمكن حكومة الانقلاب من الوصول إلى رأس المال الأجنبي و تشير بياناتها إلى وجود عقد بين زادنا وفالمونت لاستيراد 10 الف نظام ري محوري في السنوات الخمس المقبلة.
(٥)
ووفق مقال لنا علي سوانيل(التراكم الرأسمالي الاولي ونظام المؤتمر الوطني 1989 – 2019 (4)) .. نشير فيه إلي أن القطاع العام في السودان أصبح يشكل ما يقارب الـ 70 %مـن إجمالي الناتج القومي ولعل هذا ما يؤكد عظم دوره واتساع نطاقه في عقد الثمانينات من القرن المنصرم، حيث تورد بعـض التقارير الرسمية أن عدد المؤسسات والهيئات والشركات العامة التي تملكها الدولة ملكية كاملة تبلغ 84 مؤسسة وهيئة وشركة تتوزع بين مختلف قطاعات الاقتصاد القومي، الإنتاجي منهـا والخدمي، وذلك على النحو التالي: القطاع الزراعي 15 القطاع الصناعي 32 قطاع الطاقة والتعدين 6 قطاع النقل والمواصلات والسياحة 10 القطاع التجاري 7 القطاع المصرفي 6 القطاع المتنوع 8 المجمـوع 84.وعلى سبيل المثال أن وحدات قطاع النقل والمواصلات والسياحة كانت تشتمل على -هيئة السكة حديد -هيئة الموانئ البحرية -هيئة النقل النهري -هيئة الطيران المدني -المؤسسة العامة للطرق والكباري -شركة الخطوط الجوية السودانية – شركة الخطوط البحرية السودانية – المؤسسة العامة للاتصالات السلكية واللاسلكية -الهيئة العامة للبريد والبرق -هيئة السياحة والفنادق- دار السودان للطباعة والنشر وحدات القطاع التجاري: وتشمل على مجموعة الشركات العامة التي تعمل في مختلف المجالات التجارية وهي: 1 .شركة الجزيرة للتجارة والخدمات. 2:شركة كوبتريد المحدودة 3 .:شركة كردفان للتجارة الهندسة 4 . :شركة وفرة للكيماويات والخدمات الطبية 5 .:شركة البحر الأحمر للملاحة والخدمات المحدودة 6 .: شركة السودان للأقطان 7 .: الشركة السودانية للبناء والتشييد. بالنسبة للإيرادات: إيرادات القطاع العام فقد ظلت خلال الفترة 1989 الى 1990 تحقق زيادة متأرجحة صعوداً وهبوطاً من سنة لأخرى وقد كانت أعلى نسبة لها في العام 1990 حيث بلغت 117 % بينما كانت أدنى نسبة لها عام 1984 حيث بلغت 9 .%حقق أداء المؤسسات والهيئات العامة في مجمله فوائض في كل سنوات الفترة، ما عدا عام 1983م الذي شهد عجزاً بلغ 9.59 مليون جنيهاً، وقد تحسن الفائض في المتوسط خلال الخمس سنوات الثانية عما كان عليه في الخمس سنوات الأولي حيث إرتفع من 8.3 % إلى 4.20 %( علي حمدون 2006) ان المبررات و التي عددتها حكومة الجبهة الاسلامية في بدايات توجهها نحو الخصخصة لا تسندها بيانات أداء القطاع العام و بقطاعاته المختلفة و التي تشير لها البيانات طوال العقد من 1980 الى 1990 والتي تؤكد تغطية الإيرادات العامة لمؤسسات وشركات القطاع العام للمصروفات المقابلة لها. ولكن يبدو أن السلطة اتخذت من ايديولوجية النيوليبرالية غطاء ليس فقط من اجل تطبيق الخصخصة لصالح تحويل الملكية العامة إلى لمكلية خاصة لرجال الأعمال الإسلاميين وبل من أجل رسملة التنظيم و ذلك عبر تحويل بعض مؤسسات و شركات القطاع العام إلى الواجهات التنظيمية للجبهة الإسلامية من مثل منظمة الشهيد و التي آلت لها العديد من تلك الشركات العامة.و هكذا بدأت المحاولات التاريخية الكبرى من أجل تحقق التنظيم وواجهاته كاغني التنظيمات السياسية و ايضا من اجل تحقق شريحة الرأسمالية الطفيلية و بيروقراطية الدولة كاغني الشرائح الراسمالية اقصر و اسرع الطرق و ( الخفة هي سمة او جزء اصيل من dna الخاصة بالرأسمالية الطفيلية).
(٦)
تشير التقديرات المتاحة إلى أن حجم الأصول والأموال المنهوبة في السودان منذ 1990 يقاس بعشرات المليارات من الدولارات. وقد شمل النهب تحت ادارة النخبة الاسلاموية المتاسلمة:عائدات الطفرة البترولية (1999-2011) والتي قدرت بنحو 75 مليار دولار، استأثرت النخبة الحاكمة بجزء كبير منها و بعد تحول الاقتصاد إلى ريع الذهب بعد انفصال جنوب السودان وتشير التقديرات إلى ان الذهب المهرب يقدر بقيمة تتراوح بين 23 و36.8 مليار دولار خلال العقد الماضي.ما تم اكتشافه بعد سقوط النظام من أموال نقدية (نحو 200 مليون دولار) لا يمثل سوى جزء ضئيل مما تم نهبه على مدى ثلاثة عقود. وبهذا الشكل او ذاك عمل ناهبي الأصول العامة علي تدوير تلك الاصول والاموال العامة في الخارج، خاصة في لندن ودبي والمراكز المالية الأوروبية والخليجية( مرجع ١. مرجع ٢ مرجع٣ )
اذن كان يتوقع كما دللت التجارب المقارنة في الدول التي انتقلت من الأنظمة الاستبدادية و الناهبة ل الاصول و الاموال العامة الى انظمة انتقال ديمقراطي و التي أسست عشية انتقالها الديمقراطي مؤسسات قانونية دستورية
و بمشاركة ديمقراطية تعمل على استعادة تلك الاصول والاموال العامة بالداخل والخارج.كان يتوقع من لجنة إزالة تمكين نظام (الانقاذ) تجريد شريحة الرأسمالية الطفيلية من ثروتها التي نهبت عبر استيلائها علي الدولة و مواردها و أموالها العامة و محاسبتها قانونيا و علانية أمام ملايين السودانيين.ففي كرش الرأسمالية أكثر من ٣٠٠ شركة ومؤسسة عامة خصصت لصالحها و في كرشها جزء واسع من عائدات البترول المقدرة على الاقل ٧٥ مليار دولار و كرشها ما استحوذت عليه من مئات أطنان الذهب و التي تقدر في ال٣٠ مليار دولار و في كرشها ما تمl بيعه من أراضي الدول والشركات الاجنبية و (كيزانية) فيما يعرف بظاهرة الاستحواذ على الأرض (land grabbing) و التي الي ما يقدر ب ٤ مليون هكتار من الأراضي الزراعية الخصبة في عموم بلاد السودان.
(٧)
نميل فيما مال له كثير من المحللين والمعلقين للعوار القانوني والدستوري و الأخلاقي و السياسي لقرار إعادة استئناف عمل لجنة تفكيك نظام الانقاذ الصادر في ١٧ مارس ٢٠٢٦ وبعد اليوم التالي لاعتماد الخارجية الأمريكية لقرار تصنيف جماعة الإخوان المسلمين(الحركة الاسلامية و كتيبة البراء بن مالك كمنظمة ارهابية)..و نرجع هذا العوار القانوني و الاخلاقي و السياسي إلى جوهره الاجتماعي الطبقي. فلجنة تفكيك نظام المؤتمر الوطني(الحركة الإسلامية) هي في جوهرها الاجتماعي الطبقي تمثل التسوية أو المساومة السياسية بين مصالح شريحة الراسمالية الطفيلية (المتأسلمة) ممثلة في جنرالات اللجنة الأمنية لذات النظام القديم(الكيزاني) و بين (قحت) و التي تمثل في تصورنا المصالح الاجتماعية الطبقية للشريحة العليا للطبقة الوسطى السودانية وشرائح الرأسمالية التجارية و الزراعية التقليدية و اضافة الي الطفيليون الجدد(حميدتي مثالا و ليس حصرا)و التي اجتماعيا طبقيا تري مصلحتها لا في ازالة كامل بنية نظام الانقاذ- نظام الراسمالية الطفيلية انما استغلال الخطاب الثوري الديسمبري لوارثة مصالح الرأسمالية الطفيلية ولعل النظر إلى أعضاء لجنة تفكيك النظام قد يدلل. و حسب قانون لجنة تفكيك النظام الصادر في نوفمبر ٢٠١٩ والمجاز بالاجتماع المشترك بين مجلس الوزراء ومجلس السيادة و تحت توقيع و اعتماد البرهان رئيس مجلس السيادة تتكون اللجنة من ١٨ عضو
**عضوان من مجلس السيادة (اختير ياسر العطا رئيسا للجنة و محمد سليمان الفكي نائبا و اضافة رئيس رئاسة مجلس الوزراء +ممثل لكل من الوزارات التالية:الدفاع+ الداخلية+جهاز الأمن (المخابرات) + الدعم السريع (المكون العسكري) وزارة المالية ديوان شئون الخدمة+ العدل +ديوان المراجع العام+بنك السودان وإضافة ٥ أعضاء تختارهم اللجنة كان من ضمنهم وجدي صالح و صلاح مناع و طه عثمان اسحق.
ففي تشكيل هذه اللجنة المكونة من ١٨ عضوا تأسس المساومة الاجتماعية الطبقية ف ممثلي لمون العسكري يمثلون المصالح الاجتماعية الطبقية للراسمالية الطفيلية(الحركة الإسلامية بلحمها و شحمها) او بمعني اخر مصالح الاقتصاد السياسي للجيش والاقتصاد السياسي للدعم الشريع(دقلو اخوان) و الاقتصاد السياسي للشرطة و الاقتصاد السياسي لجهاز الامن والمخابرات العامة و هذا الاقتصاد السياسي العسكري بكلياته يسيطر فيما اشرنا اليه اعلاه على كامل مفاصل الاقتصاد في القطاعات الزراعية و الصناعية و الخدمية و التعدينية و لا غرابة لن قرارات تفكيك النظام لم تقترب منه قط في احدي خمسياتها على الشاشة البلورية و هكذا يمكننا ان نقرأ قرار استئناف عمل لجنة تفكيك نظام الحركة الإسلامية هذه المرة برعاية الامبريالية (الأمريكية)…قرار يعكس اشواقا اجتماعية طبقية إلى تسوية سياسية جديدة و هو بهذا المعني ليس امتدادا لثورة١٩ ديسمبر حسب زعم لجنة الاعلام ١٧ مارس ٢٠٢٦-لجنة تفكيك النظام بقدر ما هو تشوية رمزي للمعني و المحتوي الثوري لازالة كامل بنية الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة.
tarig.b.elamin@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم