شهادات وزوايا نظر ومقاربة جديدة لملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1958م

(زيارة للتاريخ من أجل الحقيقة والعدالة والمصالحة)
[9-15]
هاشم عوض عبدالمجيد
hashimkhairy@gmail.com
(9) عودٌ على بدء: الإصلاح المؤسسي جبرٌ للضرر العام
قد يرى البعض أن طرح مواضيع حدثت منذ ما يزيد على الستة عقود إثارةً في ظل الراهن الوطني المأزوم، وترفاً في واقع الحرب الحالية ومآسيها، والبعض الآخر ممن تضيق عنده الرؤية قد يراها نبشاً في المحرمات وتجاوزاً لخطوطٍ حمراء صنعها تصوره الذهني للتاريخ. واقع الأمر أن معاناة الشعب السوداني مع (النظم العسكرية) تأسست على يد نظام 17 نوفمبر 1958م، أما (عسكرة) الحياة عموماً في السودان فهي عملية أوجدت مع نشأة الدولة السودانية الحديثة في 1899م. ومن ثم فإن إعادة قراءة الأحداث وتحليلها وتحديد المسئوليات والتبعات يفيد في تصحيح كثير من الأخطاء اللاحقة كما أنه يُؤَسِس – كما أسلفنا – لواقع تتصالح فيه مكونات هذه الأمة.
كثير من المختصين والمهتمين بعملية العدالة الانتقالية – الهامة واللازمة لمرحلة ما بعد الحرب – تدور نقاشاتهم حول (الحقيقة) كأحد أركان هذه العملية، ولكنهم يتحاشون – عمداً أو جهلاً – الوقوف كثيراً في هذه المحطة لتحديد أي حقيقة يرغبون في معرفتها؟ وما الاطار الزمني الذي سوف تشمله عملية العدالة الانتقالية؟ هنا ينشأ التفضيل والانحياز المبني على قناعات واعتقادات مسبقة، ويبدأ التنازع. البعض يرى أن غاية الحقيقة هو كشف من أطلق الرصاصة الأولى في حرب أبريل 2023 ! متناسياً أن الرصاص ظل ينهمر على مختلف أرجاء الوطن منذ عشرات السنين. والبعض يرى أن ما حدث خلال عملية فض الاعتصام في يونيو 2019 يتطلب كشف الحقيقة ، ولكن ماذا عما قبل ذلك ؟ عمن سقطوا في تظاهرات 2018 و2019 ؟ وعن الذين تساقطوا بعد انقلاب أكتوبر 2021؟ ماذا عن كشف حقيقة ما جرى في دارفور منذ العام 2003 بل وماذا عما جرى طوال الفترة بعد إنقلاب يونيو 1989 وحتى سقوط نظام البشير؟ ماهي الحقيقة عما حدث خلال فترة حكم نميري؟ ماهي حقيقة الأحداث التي صاحبت فترات الحكم الديمقراطي المدني في السودان – على قصرها – وماذا جرى في كافة الفترات الانتقالية بعد ثورتي أكتوبر وأبريل؟.
إن “دراسة الماضي” أحد الأدوات الهامة في عملية إعادة بناء الدولة، والتحقيق في الأحداث الهامة بات لا يقتصر على أهل القانون والحقوقيين، بل يتعداهم للمختصين في التاريخ وعلم الاجتماع والعلوم السياسية وغيرها من العلوم الإنسانية الذين يعكفون على تشريح الأحداث لتبيان جذور الاختلالات. حينما نُؤكد على ضرورة تتبع الأحداث والوقائع الهامة في تاريخنا المعاصر منذ العام 1899 يعتقد البعض أننا نهدف إلى إغراق عملية العدالة الانتقالية، وأننا من طرفٍ خفي ندعم توجه نظام أو أنظمة بائدة، أو جهات سياسية تسعى للإفلات من العقاب! إن تحديدنا الإطار الزمني لبدء عملية العدالة الانتقالية بالعام 1899 هو لسبب موضوعي بسيط يكمن في أن المؤسسات المختلة والمعطوبة التي تسببت في كافة نكبات تاريخنا المعاصر قد نشأت بعد هذا التاريخ. قبل 1899 لم تكن هذه المؤسسات موجودة وبالتالي منطقياً لا يمكن إصلاح مؤسسات الدولة المهدية او الدولة السنارية وغيرها من الحقب لأنها فعلياً غير موجودة، وإن كان التنقيب في تاريخها عملية لا يمكن إنكار أهميتها. إلا أن المؤسسات التي نشأت بعد 1899 ما زالت قائمة وتؤثر في حياتنا اليومية بشكل أو بآخر.
إن أي عملية عدالة انتقالية حقيقة لابد وأن تبدأ بكشف (الحقيقة) بوصفها الحلقة الأولى في سلسلة التعافي الوطني، وكشف الحقيقة تليها (المسائلة) بوصفها أحد أشكال جبر الضرر. المسائلة والمحاسبة تأخذ أشكالاً عديدة بعضها تتم إجراءاته أمام المحاكم سواءً الوطنية أو الدولية. إن العقاب التجريمي المادي الآني بكافة أشكال العقوبات المتعارف عليها من إعدام أو سجن أو مصادرة أموال أو تجريد من الحقوق السياسية لشخص الجاني، وكافة أشكال المحاسبة الجنائية الأخرى متى ما توفرت أركانها قد يكون مكافئاً للضحية أو الضحايا لتحقيق جبر الضرر الخاص. أما تتبع جذر المشكلة وتبيان خطل الفكرة وأساس الاعوجاج المؤسسي وتقويمه هو ما يفيد في إحقاق جبر الضرر العام، وهو عملية ضرورية يحتاجها السودان للانتقال وبناء دولة جديدة. من أشكال المسائلة والمحاسبة – حين لا يخضع الفعل أو الحدث لمسائلة جنائية – الاعتذار العلني والتعاون والامتثال لإجراءات ضمان عدم التكرار. أهم إجراءات ضمان عدم التكرار التي تمثل جبراً للضرر العام على المستوى الوطني هي عملية الإصلاح المؤسسي.
كما ذكرنا في توطئة هذه الدراسة فإن الإصلاح المؤسسي كآلية لإعادة بناء دولة ما بعد الحرب وما بعد الأزمة الوطنية الشاملة التي تمثل الحالة السودانية، هذا الإصلاح يجب أن يمتد ليشمل مؤسسات الفضاء المدني في الدولة وعلى رأسها الأحزاب السياسية. في بحثنا هذا، ورغم أننا أكدنا عدم مسئولية حزب الامة عن انقلاب 17 نوفمبر 1958 فإننا لم ننفي مسئولية قيادات فيه، ولم ننفي اختلال الممارسة داخله، والمتمعن في ما أوردناه في أجزاء المقالة السابقة يجد أن المشكلة أكبر من هذه القيادات نفسها إذ تكمن في صميم العمل المدني والسياسي منذ نشأته كفضاء رديف للفضاء الرسمي في الدولة السودانية الحديثة. لقد سبق وكتبت عرضاً وبصورة مُبتسرة عن إشكالية “متلازمة النشأة” في حزب الأمة المتمثلة في ” مجموعة تشوهات ذات أبعاد تاريخية سياسية ثقافية متموضعة في إطارها المجتمعي، تشاركه فيها الأحزاب السياسية السودانية الأخرى بشكل أو بآخر وفق خصوصية تكوين كل حزب، كما تتماثل فيها الأحزاب السودانية مع رصفائها في المنطقة والأقاليم المشابهة، وهي متلازمة استمرت بعد النشأة خالقة أزمة ظلت تُلازم هذه الأحزاب بدرجات متفاوتة وبأعراض متباينة خلال مراحل تطورها المختلفة” ، هذه المتلازمة التي تعاني منها معظم إن لم تكن كل أحزابنا الوطنية ظلت تنعكس على أداء هذه المؤسسات طوال فترة الاستعمار وفي العهود الوطنية.
إن حزب الأمة “تخلّق وولد خلال المجابهة الوطنية للمستعمر، وليس في عملية تخلق ديمقراطية طبيعية، الأمر الذي جعل حزب الأمة يعرض نفسه ابتداءً كمعبر عن الشعب بأكمله وليس ممثلاً لشريحة اجتماعية معينة أو مجموعة كتل اجتماعية متجانسة مما رسخ مبدأ الإجماع الذي يسمح بتخوين أي اختلاف، وذلك أفضى لتكوين ثقافة حزبية تعتبر أن مشروعية النضال ضد المستعمر هي جذر كل مشروعية حزبية، وهو الأمر الذي أدى في مجموعه إلى التضحية بالمشروعية الديمقراطية لفائدة المشروعية الوطنية التاريخية، هذه الثقافة ظلت تنمو لتؤثر في تشكيل المفاهيم التنظيمية داخل الحزب في فترة ما بعد الاستقلال، وتؤثر على البرامج السياسية المرحلية للحزب. وساعد على ذلك أن الفضاء والسياق الزماني الذي وجد فيه الحزب نفسه بعد الاستقلال، كان فيما عدا فترات زمنية بسيطة في مجمله محتكراً من قبل أنظمة انقلابية شمولية بوليسية، مارست قمعاً وإقصاءً ضده وضد رصفائه من الأحزاب بدرجات متفاوتة” ومن عجب أن هذه الاقصاء شاركت فيه معظم الأحزاب السياسية السودانية تجاه بعضها البعض بما في ذلك حزب الأمة نفسه.
إذا استخدمنا بصورة مبسطة مفهوم الاعتماد على المسار ” Path Dependence ” في تحليل انقلاب 17 نوفمبر 1958 ، سوف نتلمس مدى تأثير متلازمة النشأة، وما نتج عنها من مناورات حول أمهات القضايا الوطنية التي شابت ممارستها السياسية منذ تأسيس هذه الأحزاب في أربعينيات القرن الماضي. إن اختلاف الأحزاب السياسية حول مسائل وطنية جوهرية لا تملك ولا يحق لها أن تجعلها محل استقطاب مثل مسألة الوحدة مع مصر، أو قضية الدستور الإسلامي وغيرها من القضايا الكبرى التي كان يفترض أن يُستفتى فيها كل الشعب ولا تقرر فيها فئة أو فئات منه ، كل تلك المعطيات وغيرها مثلت العوامل المهيئة او ما يعرف بالشروط السابقة ” Antecedent conditions” . هذه العوامل قادت إلى ما يُعرف باللحظة الحرجة أو المنعطف الحرج ” Critical juncture” المتمثل في انقلاب 17 نوفمبر 1958. هذا المنعطف الحرج بالنسبة للأحزاب السودانية هو ما شكل وأوجد السياق الذي لم تستطع هذه الأحزاب الفكاك منه على مستوى بنيتها وإدارة صراعها الداخلي حتى اليوم، وكذلك على مستوى أداءها السياسي الوطني، وعلاقتها بالفضاء الرسمي للدولة المتمثل في أجهزتها المختلفة وعلى رأسها المؤسسة العسكرية والأمنية.
هذا السياق يمكن التدليل عليه بالكثير من الشواهد من داخل واقعة انقلاب نوفمبر 1958، ومنها:
• الفشل في العمل المشترك:
على سبيل المثال؛ رُغم نجاح حزب الامة في تمرير مشروع المعونة الأمريكية في البرلمان واجازته مع حليفه بأغلبية برلمانية مريحة، فإنه لم يستطيع تحويله لمشروع وطني مشترك ومجمع عليه يؤسس لنهضة تنموية في ظل أزمة اقتصادية خانقة كانت تعيشها البلاد حينذاك. ومن الغرائب أن الأحزاب السياسية التي وقفت ضد هذا المشروع لم تقف ضده حينما أنفذته حكومة انقلاب عبود، بل أصبحت اتفاقية المعونة الأمريكية تلك التي أبرمت في العام 1958 وفق رأي المختصين هي المرجعية والأساس لكافة أشكال التعاون الاقتصادي بين السودان والولايات المتحدة الأمريكية طوال العهود اللاحقة.
• الضيق بالعملية الديمقراطية:
لقد كان تفكير بعض قيادات حزب الأمة منصباً على إقحام الجيش في السياسة عبر سلسلة اجتماعات مع قيادته لنقاش كيفية تسليم السلطة للجيش دون التفكير في العواقب. لم تناقش الخيارات المختلفة داخل أجهزة الحزب، ومنها النظر في توسيع التحالف ليشمل الأحزاب الجنوبية التي كانت قد اتخذت موقفاً حاداً منذ ما قبل قيام أول انتخابات ورفض مطالبها للحكم الفيدرالي. لقد كان بإمكان هذه القيادات عرض المهددات التي قدروها على البرلمان وعلى الرأي العام، وكان يمكن للاستعانة بالمؤسسة العسكرية والأمنية أن تكون عملية علنية لتدعيم العملية الديمقراطية ومؤسساتها وليس هدم العملية الديمقراطية.
• الدين والسياسة:
وقائع انقلاب نوفمبر 1958 تبين لمن يتمعن فيها تأثير القيادات الدينية في الممارسة السياسية، بدءاً من تدخلهما بصورة مؤثرة في الأحداث السياسية قبل وبعد الانقلاب، وعلى رأس ذلك علاقات السودان الخارجية بمحيطه الإقليمي. ثم تأييد ومباركة القيادتين الدينيتين الرئيسيتين في البلاد السيد عبدالرحمن المهدي والسيد علي الميرغني للانقلاب. هذا، مع الأخذ في الاعتبار بأنهما كانا حينها في وضعٍ اجتماعي وديني يجعلهما خارج الأطر المؤسسية القابلة للمسائلة. رغم أن دراسات عديدة تُشير إلى أن مسألة توظيف الدين في السياسة تعود للعهد الاستعماري، إلا أن استمرارها في العهود الوطنية كان خيار النخب الوطنية التي في مراحل لاحقة دخلت في مزايدة مع التيار الديني في البلاد حول أحزاب الحركة الوطنية إلى حركات إسلام سياسي.

• إفساد المؤسسة العدلية وتشجيع الإفلات من العقاب.
كان وقف عملية المسائلة بانتهاء التحقيق في انقلاب 17 نوفمبر 1958 وعدم انتقالها لمرحلة المحاسبة، تدخلاً سافراً من السلطة التنفيذية والتشريعية في أعمال القضاء، ودعماً للإفلات من العقاب . هذا، دون إغفال حقيقة أن التمعن في مجريات التحقيق مع المتهمين والشهود في الواقعة المذكورة يُظهر سطحية هذه العملية التي تخللتها ثرثرة بعض المتهمين عن رشوة وعمولات لم تجد الزجر الكافي من المحققين أو تحويلها لمسألة جادة في سياق التحقيق والتثبت منها والتعمق فيها لسبر أغوار الفساد المالي السياسي! على النقيض، تُرك المتهم يسترسل في ثرثرته كأنما كان يجلس على قهوة وليس في مجلس تحقيق قضائي. ثم جاءت القاصمة باتفاق الأحزاب السياسية في الجمعية التأسيسية على العفو عمن وجهت لهم الاتهامات. هذا الأمر أصبح سابقة في التاريخ السياسي فتحت الباب لسلسلة من التدخلات في أعمال القضاء فأفقدته حيدته واستقلاله.
• تبني مستويات عمل سري وعسكري وأمني.
رغم رأينا في أن عسكرة الدولة السودانية مسألة مرتبطة بنشأتها، وأن العمل السياسي في المؤسسة العسكرية يعود لما قبل تاريخ تأسيس قوة دفاع السودان، ورغم ثبوت أن انشاء أول خلية لما يسمى بــ “الضباط الاحرار” يعود للعام 1952 . فإن انقلاب نوفمبر 1958 فتح الباب واسعاً للأحزاب السياسية لتبني مستويات عمل سري مختلفة داخل المؤسسة العسكرية السودانية بلغ ذروته مع انقلاب يونيو 1989. لقد باتت الأحزاب السياسية السودانية إما تقوم ببناء وتبني خلايا في المؤسسة العسكرية والأمنية، أو تقوم بإنشاء مستويات سرية في هياكلها لمقاومة الأنظمة العسكرية وفي الحالتين كان هذا وبالاً على العمل الحزبي والممارسة السياسية الوطنية.

• استسهال التعاون مع الآخر غير الوطني دون ضوابط:
فيما أوردناه في الدراسة عن قيام بعض قيادات حزب الأمة حينذاك بالتواصل مع القيادة المصرية وصياغة اتفاقية تدور حول قضايا وطنية رئيسة، وكذلك سفر وفود من بعض الأحزاب الأخرى لمناقشة قضايا مماثلة مع تلك الدولة، أو التصريح بمواقف مناقضة تماماً لمواقف معلنة الحكومة السودانية المنتخبة في قضايا وطنية عامة. كل ذلك مما يشير للغياب التام للمؤسسية في عمل الأحزاب السياسية وقياداتها واستسهالها للتعاون مع الآخر الوطني دون ضابط. ذلك أن قيام زعيم وطني ديني بالتفاوض والاتفاق مع حكومة اجنبية حول القضايا التي أوردناها دون الرجوع لمجموعته البرلمانية وممثلي حزبه في الحكومة أمر غريب جداً. هذه الممارسة – على غرابتها وانتفاءها مع المصالح الوطنية العليا – يمكن إيجاد شواهد على استمرارها منذ ذلك الحين وحتى الآن!.
مما سبق يتبين أن الإصلاح المؤسسي للأحزاب السياسية ضمن عملية عميقة للعدالة الانتقالية ضرورة حتمية لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس صحيحة. إن الإلمام بطرائق تسيير الأحزاب الرئيسة في السودان منذ تأسيسها وحتى الآن يجعل من مساعي الأجيال اللاحقة وعملها الدؤوب على (حوكمتها) وتحويلها لمؤسسات تسودها الشفافية والمؤسسية وتحكمها أسس واضحة وهياكل مسائلة، عملاً مثمراً كونه يتلمس مكامن الخطأ ويصححه، لأن الأحزاب المحوكمة الرشيدة هي البنية التحتية والأساس لأي نظام ديمقراطي سليم.

عن هاشم عوض عبدالمجيد

هاشم عوض عبدالمجيد

شاهد أيضاً

شهادات وزوايا نظر ومقاربة جديدة لملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1958م (12)

شهادات وزوايا نظر ومقاربة جديدة لملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1958م (12)(زيارة للتاريخ من أجل الحقيقة …