دكتور محمد عبدالله
ليست كل العباراتالتى تُقال في قاعات الأمم المتحدة عابرة فبعضها يحمل وراءه تاريخاً كاملاً، ويستدعي في لحظة واحدة ذاكرة قرون. وهذا ما فعلته عبارة مندوب السودان، الحارث إدريس، في رده على المندوب الإماراتي: “تخسؤوا وتبوؤوا بشِسع نعل كُليب” .
خرجت العبارة من قاعة الأمم المتحدة، لكنها في أصلها خرجت من واحدة من أشهر حكايات الثأر في الذاكرة العربية: حرب البسوس.
ولفهم العبارة، لا بد من التوقف عند “الشِسع”، وهو السير الذي تُربط به النعل، أو الرباط الجلدي الذي يثبتها في القدم. شيء صغير في النعل، يكاد لا يُرى. ومن هنا جاءت دلالة العبارة: أن الخصم لا يساوي، في ميزان الثأر، حتى شِسع نعل كُليب.
أما “بُؤْ” في قول المهلهل “بُؤْ بشِسع نعل كُليب” ، فتعني في هذا السياق أن يكون دم الرجل مقابلاً أو فداءً لدم آخر. أي إن بُجيراً، الذي قُتل في القصة، لم يكن في نظر المهلهل كفؤاً لكُليب، بل أقل من ذلك بكثير؛ فلم يبلغ دمه، في ميزان الثأر، قيمة شِسع نعله.
تعود القصة إلى كُليب بن ربيعة، أحد سادات تغلب، الذي قُتل على يد جساس بن مرة، في الحادثة التي أشعلت حرب البسوس بين بكر وتغلب. وما بدأ بواقعة قتل تحول إلى سلسلة طويلة من الثأر والثأر المضاد، حتى أصبحت الحرب في المخيلة العربية مثالاً لنزاع يتجاوز سببه الأول، ويصعب بعد ذلك إطفاؤه.
كان الحارث بن عباد، أحد كبار بكر، يحاول في البداية النأي بنفسه عن الحرب. وفي الرواية الأشهر، أرسل ابنه بُجيراً إلى المهلهل، عارضاً أن يكون فداءً لكُليب، أملاً في إغلاق باب الثأر. لكن المهلهل قتل بُجيراً وقال عبارته الشهيرة: “بُؤْ بشِسع نعل كُليب” .
كانت تلك اللحظة نقطة تحول. فبدلاً من أن ينتهي النزاع بالفدية، تحول قتل بُجير واحتقار دمه إلى سبب جديد للحرب. دخل الحارث بن عباد المعركة، واتسعت دائرة الثأر، وأصبحت القصة واحدة من أشهر الأمثلة العربية على أن الحرب قد تبدأ بحادثة محدودة، ثم تخلق بنفسها أسباباً جديدة لاستمرارها.
وإذا كان التاريخ قد استعار العبارة، فقد استعار الاسم أيضاً. فالحارث بن عباد كان أحد أبطال حكاية كُليب والمهلهل، والحارث إدريس هو الذي أعاد العبارة إلى قاعة الأمم المتحدة بعد قرون. الحارث القديم دخل الحرب بسيفه، والحارث الجديد يدخل قاعات الأمم المتحدة بميكروفونه. وبين السيف والميكروفون يفترض أن تكون البشرية قد قطعت شوطاً طويلاً.
لكن المفارقة لا تتوقف عند الاسم والعبارة. فالسودان نفسه يعيش اليوم انقساماً سياسياً حول معنى الحرب ونهايتها. هناك تيار مدني وسياسي يضع شعار “لا للحرب” في مقدمة أولوياته، ويرى أن وقف القتال هو المدخل إلى أي عملية سياسية تنهي المأساة وتفتح الطريق أمام دولة مدنية. وقد واصلت قوى مدنية سودانية، بينها تحالف “صمود” ، الدفع نحو وقف الحرب والعملية السياسية.
وفي المقابل، برز داخل المعسكر المؤيد للقوات المسلحة تيار يرى أن الأولوية هي مواصلة القتال حتى هزيمة قوات الدعم السريع قبل الذهاب إلى تسوية سياسية. ويضم هذا المعسكر تشكيلات متعددة، بينها مجموعات مسلحة مرتبطة بالحركة الإسلامية، وقد وثقت مصادر بحثية وإعلامية مشاركة كتائب ذات صلة بالحركة الإسلامية في القتال إلى جانب القوات المسلحة.
ليس المقصود هنا اختزال المشهد السوداني كله في معسكرين متطابقين أو الادعاء بأن كل مؤيدي الجيش إسلاميون، أو أن كل من يرفع شعار “لا للحرب” يتبنى رؤية سياسية واحدة. المشهد أكثر تعقيداً من ذلك. لكن الخلاف حول أولوية وقف الحرب أو مواصلة القتال أصبح واحداً من أهم خطوط الانقسام في السودان.
وفي هذا السياق يمكن قراءة عبارة الحارث إدريس باعتبارها أقرب إلى لغة التيار الذي يرى المواجهة قبل التسوية، لا إلى لغة “لا للحرب” . فهي عبارة مشبعة بمنطق التحدي والرد والإهانة الرمزية، وتستدعي، من حيث لا تريد أو تريد، قاموس الثأر أكثر مما تستدعي قاموس المصالحة.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل.
فالأمم المتحدة ليست مجلساً لقبائل وائل، والنزاعات الدولية لا ينبغي أن تُدار بمنطق الثأر القديم. جاءت الدبلوماسية الحديثة، في جوهرها، لتمنح الخصوم مساحة للكلام والتفاوض، حتى عندما يكون الخلاف عميقاً والاتهامات قاسية.
والسودان، الذي يعيش حرباً دخلت عامها الرابع وخلفت ملايين النازحين واللاجئين، أحوج ما يكون إلى خطاب يقول بوضوح من المسؤول، ومن يسلح، ومن يمول، ومن يرتكب الانتهاكات. لكنه أحوج، في الوقت نفسه، إلى لغة لا تجعل الخصومة معركة كرامة، ولا تجعل معركة الكرامة ثأراً مفتوحاً. وقد واصلت جهات دولية وصف الحرب بأنها أزمة إنسانية بالغة الخطورة، مع استمرار القتال وفشل محاولات متكررة لوقفه.
فالحرب لا تعيش بالسلاح وحده؛ أحياناً تعيش أيضاً بالكلمات التي تجعل الخصم خارج دائرة الاعتراف، وتحول الخلاف إلى عداوة، والعداوة إلى ثأر.
حفظ العرب عبارة “شِسع نعل كُليب” قروناً طويلة، لكنهم حفظوا معها درساً آخر: أن الحرب التي تبدأ بسبب دم واحد قد تستمر بسبب دماء كثيرة لا علاقة لها بالدم الأول.
والسودان اليوم في حاجة إلى أن يتذكر هذا الدرس أكثر من أي وقت مضى.
فكُليب والمهلهل والحارث وجساس والبسوس صاروا جميعاً شخصيات في كتاب.
أما السودان، فما زال أهله أحياء.
وهذه وحدها كافية لأن تكون كلماته في الأمم المتحدة محسوبة بميزان مختلف.
