صَبّح الله تلك الأيام الطاهرات …. الطيبات ….. المهذبات …. الخيرات ….. الرَغِدات الناضرات ….. الهينات …. البرئيات ، كأصحابهن ، ناس عمي زكي وعمي حُفني …..
كنا نزاور عمي زكي في بيته أيام البسيط في الحي الرابع في شبشة ، أيام كنا نؤطر رؤيتنا وإجتماعياتنا ونحن في مقتبل العمر في اولى متوسطة …. وثانية … حتى بدأ تعريب التعليم التي عتت أفكارنا أيام محي الدين صابر …..
كنا نزوره في الفُسحة لكي نستمتع معه بالشاي الكُشري ، وهو يرمي حبات من الشاي الأسود أحيانا على الجمر …. ويحشو نرجيلته بالمُعَسّل ويُشعل جمرتها نرجيلته ، فتنغمر الغرفة وتضج برائحة دخانها ، وهي تغرغر كالعجل الجائع ….. ما كان يمتعنا ليس دخان النرجيلة المخلوط برائحة الشاي على الجمر ، وليس طعم الشاي الكُشري الذي نشربه حتى ثُمالة التِّفِل ، فحسب ، إنما كنا نستمتع حتى الثُمالة ، ونستغرق مع عمنا زكي في إستغراقه وتَعشُقَه للنرجيلة وكنا نتمنى أن نتحكر مثله على گالتُراب ، لإرتشافها …. لابسين نفس السديري الصعيدي ، الرجولي ، ونحمل نفس المآشة التي يقلب بها الجمر بشيء يسيل له لعاب التعجب والإعجاب والدهشة … وهو صامت …. تخرج منه حشرجات صوته الاحرش الجهور الطهور …. لا يقول لك كلمة ولا يرمقك بنظرة وهو منطمس مع جمره ومعَسّله ومتعشقٌ منغمس مع نرجيلته يرتشف منها ، ويَبُخُكَ بدخانها الممتع … الكثيف.
كان عمنا زكي رحمه الله ، وكان عمنا حفني رحمه الله ، مثالاً للطُهر والعفة والتأدب والصمت والصبر ، والعمل الدؤوب …. مرتفع الهمة والقامة والقمة …. لا يجاريه أحدٌ في صَقعِه للأرض ونَكْتِه للتراب ….. وبذله الجهد والعرق والإنكفاء في ذاته وأسرته …. متاعا حلالا وربٌ رحيم ….
الأ رحم الله عمنا زكي وعمنا حُفني …. ورحم أيامنا تلك ورحمنا وإياهم ….. ونحن نسير الآن في قُبورٍ متحركة نسميها الأيّام والحياة .
rafeibashir@gmail.com
/////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم