صراخ الصمت حين يقتلنا الحيّ “يا هنادي”

محمد صالح محمد
تقف الكلمات عاجزة مشلولة ببرد الفجيعة أمام مشهدٍ لا يغادر الذاكرة مشهدٍ تئنّ له الروح قبل الجسد “الحيّ بيلاقي يا هنادي” تلك الجملة التي لم تكن يوماً مجرد عبارة في نص بل كانت سكيناً بارداً يحرث في الوجع وصرخةً مكتومة في ليلٍ طويل لا ينتهي.

نزيف الذكريات …
عندما نردد هذه الكلمات فنحن لا نتحدث عن لقاء بل نتحدث عن مرارة الانتظار و هي قصة أرواحٍ عُلقت بين الموت والحياة أرواحٍ شاهدت كيف ينهار كل شيء في لحظة وبقيت هي لتقتات على الفتات.

وجع الفقد ليس البعد هو الذي يؤلم بل ذلك البقاء الذي يأتي بعده حيث يضطر “الحيّ” أن يحمل جثث أحلامه ويمشي بها في طرقات موحشة.
خيبة الأمل كيف للحيّ أن “يلاقي” وهو قد فقد بوصلته؟ وكيف للعين أن تبصر الفرح وقد كحّلها السواد والرماد؟

“يا هنادي” النداء المستحيل …
في هذا النداء غصة لا يدركها إلا من ذاق طعم البعد والهجران فهو نداء لكل ما ضاع لكل بيت هُدم ولكل حضنٍ كان يقينا برد الخوف.

“إن أقصى درجات الحزن ليست في البكاء بل في تلك الابتسامة الشاحبة التي نرسمها حين نقول إننا ‘بخير’ بينما قلوبنا تتفتت كالفخار القديم”

واقعٌ بطعم العلقم …
ما أصعب أن يكون اللقاء الذي وُعدنا به هو لقاء مع الألم أو لقاء مع بقايا ذكريات مهشمة “الحيّ بيلاقي” أصبحت تعني في قاموسنا الحزين أن الحيّ يلقى مزيداً من الصدمات ومزيداً من الوداعات التي لا تنتهي.

الزمن الغادر الذي يمر ثقيلاً كأنه جبل جاثم على الصدور.

لقد جفت المآقي وتعب الصراخ من الصدى و لم يعد في القلب متسع لجرح جديد ولم تعد “هنادي” تسمع لأن الضجيج في هذا العالم صمّ الآذان عن أنين المفجوعين.

حيث لا لقاء …
و تبقى عبارة “الحيّ بيلاقي يا هنادي” شاهدةً على أن الوجع لا يموت بمرور الزمن بل يتجذر فينا حتى نصبح نحن والأسى كياناً واحداً و ليس كل لقاء هو نجاة فبعض اللقاءات ليست سوى مواجهة مريرة مع حقيقة .

لقد كُتب علينا أن نمشي في طرقاتٍ موحشة و نحمل في صدورنا حطاماً وننادي أسماءً غابت خلف ضباب الفقد مدركين تمام الإدراك أن النداء لن يرتدّ إلينا إلا بصداه الجريح.

فسلامٌ على القلوب التي تعيش وعلى الأعين التي جفّت مآقيها وهي تنتظر لقاءً لن يزهر أبداً في أرضٍ أحرقها الحزن.

رسالة إلى المدى البعيد “يا هنادي لم نلتقِ إلا في الوجع” …
إلى التي غابت ولم يغب طيفها إلى “هنادي” التي صارت رمزاً لكل ما فقدناه.
أكتب لكِ والمدادُ دمعٌ تجمّد في المحاجر لقد قيل لنا يوماً إن “الحيّ بيلاقي” فصدّقنا الوهم وانتظرنا على أرصفة الخيبة طويلاً لكننا اليوم يا هنادي ندرك أن اللقاء الذي وعدونا به لم يكن إلا موعداً جديداً مع الانكسار.

لقد التقى الحيّ بالفقد والتقى الناجي بالندم والتقينا نحن بظلالنا المحطمة فوق أرصفة النسيان.

يا هنادي إن كان الحيّ يلاقي فقد لقينا من الحزن ما يكفي لألف عام ولقينا من الوحشة ما يجعل القلوب بيوتاً مهجورة يسكنها الصدى لم يعد النداء يجدي ولم يعد الانتظار يثمر فما بيننا وبينكِ برزخٌ من الآهات لا تعبره الكلمات.

وداعاً … ليس لأننا كرهنا اللقاء بل لأننا تعبنا من الوقوف في وجه ريحٍ تقتلع منا كل يومٍ قطعةً من الروح وداعاً يا هنادي في عالمٍ لا يلتقي فيه الأحياء إلا ليقتسموا مرارة البقاء.

binsalihandpartners@gmail.com

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

غيومٌ لا تمطرُ إلا حنيناً غصّة المطر في غيابكم

محمد صالح محمدتتلبد السماء بالغيوم وتكتسي الدنيا برداءٍ رمادي يشبه لون قلبي منذ رحيلكم. يركض …