بقلم/ محمد عبدالرحيم أبوه
ما أقسى الأزمنة حين تنقلب فيها موازين الرجال فيتقدم إلى صدر المشهد من لا تليق به الصدارة، ويتوارى أهل الرأي والمروءة خلف ستائر الصمت ! وتتصدر أرذل النفوس واجهة الشأن العام، لا يعود الخلل عارضًا في وجوه اعتلت المنابر، بل يغدو شاهدًا على اختلال عميق في ميزان القيم واضطراب مقلق في معايير الاستحقاق، إذ يتقدم صاخبو الأصوات على أصحاب البصيرة ويتسع المجال للمتكسبين من أوجاع الناس، بينما تنزوي الكفاءة والنزاهة بعيدًا عن ضوء المشهد، وما أشد وطأة أن تتحول مواقع القرار من أمانة تصان إلى غنيمة تقتنص، وأن تستبدل مهابة الدولة بضجيج الخطاب وثبات الموقف بسطوة المزايدات، ووقار المسؤولية باستعراض النفوذ، فالدولة لا تفقد هيبتها حين يعلو عليها الصوت فقط، وإنما حين يصبح اللغط معيارًا للحضور والانتهازية طريقًا إلى الصدارة، وتصبح المروءة والنخوة في زمن الرداءة كأنها فضيلة غريبة لا تجد لها موضعًا بين المتصدرين. وعندما يبلغ المشهد هذا المنحدر، لا تكون الخسارة في الأشخاص وحدهم، بل في المعنى الذي ينبغي أن تمثله السياسة من شرف ومسؤولية وخدمة عامة، إذ ليس أوجع على وطن من أن يصبح الكريم غريبًا في ساحته، والعاقل متفرجًا على أبوابها بينما يتقدم إليها من لا يرى في الوطن إلا سلمًا لمطامحه ولا في السلطة إلا مرآة لذاته.
ليست السياسة في حقيقتها سوقًا تعرض فيه المطامع، ولا حلبة تستباح فيها الخصومات، وإنما هي مقام تتعرى عنده النوايا ويختبر فيه معدن الرجال حين تضيق مسالك القرار وتشتد وطأة الأزمات. فهي أمانة قبل أن تكون سلطة ومسؤولية قبل أن تكون وجاهة، وفن في تدبير الاختلاف وصيانة المصلحة العامة قبل أن تكون سباقًا إلى المنابر والمواقع. غير أن المشهد يزداد عتمة حين يتقدم إليه أناس لهم من وفرة القول ما يستر فقر الموقف، ومن براعة الخصومة ما يفوق قدرتهم على صناعة الحلول، فيصبح الجدل غاية بعد أن كان وسيلة وتتحول الخلافات من مساحة لتلاقح الرؤى إلى معاول تهدم ما بقي من جسور الثقة بين الناس ومؤسساتهم. وحين يصبح ارتفاع الصوت دليلًا على الحضور وكثرة الادعاء شاهدًا على الكفاءة وتحسب الحكمة ترددًا والتعقل ضعفًا والصمت المسؤول عجزًا، تنحرف السياسة عن رسالتها الأولى وتفقد شيئًا من وقارها ومعناها، إذ لا تقاس هيبة رجل الدولة بعلو صوته وإنما بقدرته على حمل ثقل القرار ولا يعرف صاحب الموقف بكثرة ما يقول، بل بما يتركه من أثر حين تحين ساعة الفعل. وعندها تصبح السياسة بدل أن تكون جسرًا لعبور الوطن نحو الاستقرار، عبئًا آخر يثقل كاهله ويزيد المسافة بين الناس وبين الأمل الذي طالما انتظروه.
وليس ترميم هذا الخلل بتبديل الوجوه على مسرح واحد ولا بإعادة تدوير الخصومات تحت مسميات جديدة، فالعلة أعمق من الأسماء وأرسخ من أن تستأصل بتغيير الأشخاص وحده. إنما يبدأ الإصلاح يوم تسترد المعايير سلطانها، ويعود للمقام العام وقاره، فينظر إلى المنصب بوصفه عهدًا ثقيلًا لا غنيمةً سائغة، وإلى المسؤولية باعتبارها تكليفًا لا تشريفًا، وإلى الكفاءة باعتبارها ميزان الاستحقاق، لا الولاء والمحاباة، وإلى النزاهة باعتبارها أصلًا لا يساوم عليه مهما تبدلت المصالح وتزاحمت المطامع. فالأوطان لا تشاد بكثرة من يعتلون المنابر وإنما برجاحة من يحملون أمانة الصدارة، ولا تصان كرامتها بتراكم الخطب ورنين الشعارات، وإنما برجال يدركون أن للكلمة ميثاقًا وللقرار عاقبة، وللسلطة يومًا ترد فيه الودائع إلى أصحابها، ويقف فيه صاحبها أمام ذاكرة الناس ومحكمة التاريخ، فهناك فقط ينكشف الفرق بين من اتخذ المنصب طريقًا إلى ذاته ومن حمله جسرًا إلى وطنه.
وفي خاتمة المطاف، لا يبقى للرجال من سلطانهم إلا ما خلفوه من أثر، ولا تحفظ الأمم أسماءهم بما اعتلوا من كراسي ولا بما أحاط بهم من صخب وضجيج، وإنما بما صانوا من أمانة وأقاموا من عدل وتركوا من أثر في حياة الناس وذاكرة الوطن. فالمناصب مهما علت زائلة والأصوات مهما ارتفعت خامدة، أما المواقف الصادقة فتبقى كالنقوش في صخر التاريخ لا تمحوها تقلبات الأيام. وسيظل المشهد العام مرآة صادقة لما استقر في وجدان المجتمع من قيم، فإذا علت فيه منزلة الحكمة، واستقام فيه ميزان الصدق والمروءة ينهض الوطن برجاله ويستعيد شيئًا من هيبته وطمأنينته، وإذا تصدرته الأهواء والمصالح الضيقة، تتسع كلفة الانحدار حتى يدفع ثمنها من لا يد له فيها. وليس أفدح من أن يتسلل الرديء إلى صدر المشهد، وإنما الفاجعة الكبرى أن يألفه الناس حتى يفقدوا حساسية الرفض، فيصبح القبح مألوفًا والنبل استثناء والصمت عن اختلال الموازين ضربًا من التواطؤ الصامت مع الانحدار، فالأوطان لا تسقط حين يعلو فيها صوت الرداءة وإنما حين تخفت في أهلها القدرة على إنكارها.
