صلاح أحمد إبراهيم: الموقف الذي يلغي الهوية العربية في السودان، ليس موقفا ثقافيا وحسب، ولكنه موقف سياسي- وهذا هو الأخطر

لقاء إذاعي في العام 1985م (1 من 2)

تحرير: الوليد محمد الأمين

هذه المقابلة هي تحرير للقاء إذاعي مع الشاعر صلاح أحمد إبراهيم. أجري في الإذاعة السودانية في برنامج سهرة ثقافية بتاريخ 28 يناير 1985 (ذُكر عند إعادة البث أنه سُجل في 29 يناير 1405!) – حاوره: عبد المنعم شيبون. الحلقة الصوتية متوفرة على اليوتيوب تحت عنوان سهرة ثقافية مع الشاعر صلاح احمد ابراهيم 1984م، ضمن تسجيلات قناة “تسجيلات وبرامج إذاعية”. https://www.youtube.com/watch?v=yZrNU73wYOY

مساء الخير. ومرحبا بكم في سهرة ثقافية. معنا فارس من فرسان الكلمة نثرا وشعرا، وأيضا دبلوماسي وصحفي. معنا الأستاذ صلاح أحمد إبراهيم وهو معروف، و(لكننا ننتهز) هذه الفرصة لنتعرف عليه عن قرب وكثب. أولا نبدأ ونتعرف على المدينة التي ولدت فيها.
أمدرمان. وفي الواقع هي ملخص السودان، وعندما قال خليل فرح يا أم قبايل ما فيك منافق، كانت أمدرمان فعلا مجموعه قبائل. وكانت هذه القبائل تتمثل في شوارعها التي تسمى بأسماء القبائل. فهناك شارع الجعليين، شارع الدناقلة، فريق فنجر..الخ، فريق تاما… الخ. فأمدرمان إذن جمعت هذه القبائل المتفرقة وصهرتهم، وكانت أولى بدايات القومية السودانية. وهي كانت مهداً- ليس فقط للشخصية السودانية للشعب السوداني، ولكن أيضا للحركة الوطنية. كل ذلك كان يتجلى في أمدرمان. وأتذكر أيضا بجانب أن شوارعها كانت تعكس القبائل والعشائر السودانية، فقد كانت أيضا تعكس أمجادنا. فهناك شارع الهجرة، وشارع العرضة، وشارع الخليفة وشارع الملازمين. وكانت أيضا- لا ننسى: عاصمتنا الوطنية. وكنت أتذكر وأنا طفل، قبة المهدي وهي مهدمة، وكنا نقف على بابها الصدئ، وكانت هذه الوقفة تمثل لنا زادا روحيا كبيرا جدا. وهذا ما عبر عنه أيضا شاعر الوطنية خليل فرح: الضريح الفاح طيبه عابق/ السلام يا المهدي الامام. وفي أمدرمان كان هناك أيضا مؤتمر الخريجين. ولذلك، فاعتزاز أبناء أمدرمان بها هو في الواقع أكثر من اعتزازهم بمدينتهم التي ولدوا فيها بمثل ما يحق لكل مواطن أن يعتز بمدينته: أبناء الأبيض بالأبيض، أبناء مدني بمدني، أبناء بورتسودان ببورتسودان، وأبناء القضارف بالقضارف وهكذا. هذا باختصار.

نود أن نتعرف على الوالد.
بمعنى؟
بمعنى النشاط أو ثقافة الوالد، أو العمل الذي كان يقوم به.
حسنا، والدي كان من الرعيل الأول من الخريجين. وفي الواقع فقد كان في نفس الفصل مع السيد المرحوم الزعيم الكبير اسماعيل الأزهري، ومع المربي الجليل النصري حمزة وآخرين. تخرج من الكلية القديمة وصار مدرسا. ولكنه اصطدم بالواقع الذي كان موجودا في ذلك الوقت، فتمرد بطريقته الخاصة واستقال من خدمة حكومة ذلك العهد. ليس بمعنى الاستقالة، ولكنه خرج في ثورة عاصفة. واشتغل مدرسا بالمدرسة الأهلية. وكانت المدرسة الأهلية في الحقيقة مفخرة السودان وقتها، ولكن من يشتغل فيها كان لابد أن يعيش في ضنك بطبيعة الحال لأنه ليست لها امتيازات الحكومة. ولكني ما أعتقد ان الرجل همه ذلك، بل أعتقد انه كان متدينا تمام التدين، وتدينه لنفسه وبينه وبين ربه. ولكنه أشاع هذا التدين في نفوس أبنائه. وعلى العموم فهو قد ورث هذا الاتجاه من أبيه، ونحن نشأنا على هذا. إذ نشأنا في بيت يتلى فيه القران نهارا وليلا، وأعتقد أن ذلك أثّر فينا، في تربيتنا وفي نشأتنا، وكذلك أيضا في عقائدنا التي اعتقدنا فيها.
يا أستاذ صلاح، وأنت في سن الصبا، هل كانت هناك شخصية معينة لفتت نظرك وكنت تود أن تكونها في المستقبل؟
أكونها؟ والله يا أخي هذا سؤال صعب! كل واحد فينا سرا يتمنى أن يكون شخصا، ممثلا مثلا، أو مغنيا، أو أيا كان. لكن أنا وللحقيقة يعني نشأت متأثرا بأمدرمان، ونشأت متأثرا بالثورة المهدية، ونشأت متأثرا بالتاريخ الإسلامي، ولذلك أعتقد أن كل ذلك قد أثر في تكويني وفي وعيي المبكر. وأعتقد ايضا أنه كانت للبيئة التي تربيت فيها دورها. في الواقع كان جدي لوالدتي هو أول ناظر لمدرسة أُسست بعد دخول الانجليز، وهي مدرسة الخرطوم، وهي في الماضي أسسها رفاعة رافع الطهطاوي، وكانوا يسكنون هناك. وهذه المدرسة للأسف هي المدرسة التي يهدونها الآن، أي مدرسة الخرطوم! للوقوف في ميدان أبو جنزير. وأنا أعتقد أن هنالك إهمال شديد لتاريخنا. كتبت أنا في هذا الأمر في الواقع محتجا على كثير من التجاوزات الخطيرة. الناس لا يعبثون بتاريخهم بهذه الصورة. للأسف محافظ الخرطوم مهدي مصطفى أحال مقبرة للشهداء اسمها الشهداء إلى سوق للزناكي يبيعون فيه البلاستيك! كتبت في هذا الموضوع وقلت هذا أمر لا ينبغي أن يترك هكذا، وإذا بي أفاجأ بأن مسجدنا الكبير أيضا- مسجد الخليفة عبد الله – وهو في الأصل مسجد المهدي، وبناه الخليفة عبد الله بناية حديثة. وحكت لي جدتي أنهم كانوا يقفون في صف طويل، وبنوه بطوب سوبا وأنقاض سوبا وبأنقاض الخرطوم، يعني كان هناك نوعان من الطوب، يفرز بينهم، وكل واحد (في الصف) يعطي الآخر الحجر، كل واحد يعطي الآخر الطوبة. وبكل استهتار يكسر هذا. نحن ما صدقنا أن سور الملازمين الداخلي الإنجليز كسروه ليأخذوا حجارته لغرض آخر، فيجيء واحد من أبناء البلد يفعل هذا ولا يقف صوت بالاحتجاج للأسف الشديد، ولا حتى مصلحة الآثار تتقدم وتقول هذا عبث بالتاريخ. يعني ممكن أن يبنوا بالطوب أي مسجد اخر، لكن مسجدنا هذا هو تاريخنا أيضا.
وحديثنا يستمر عن شخصية الأستاذ صلاح أحمد إبراهيم، نريد التعرف على المراحل التعليمية.
والله ليس فيها كثير شيء يفخر به. كأي طالب سوداني درست المدرسة الأولية، في الموردة، ودرست المدرسة الابتدائية في بيت المال. ولذلك أتذكر أنقاض السور والسور بحي الملازمين. وأتذكر أيضا أمدرمان القديمة على هذه الصورة. بعد ذلك درست المدرسة الثانوية في حنتوب، حيث درست هناك لسنتين فُصلت من المدرسة بعدهما، وفصل معي كذلك شخص عزيز جدا يقاربك في الاسم، هو الشاعر محمد عبد الرحمن شيبون.
بعد فصلي من مدرسة حنتوب التحقت بمدرسة الأحفاد الثانوية. ثم التحقت بعد ذلك بجامعة الخرطوم. وكذلك درست دراسات هنا وهناك بعد ذلك، ولكن ليس فيها كبير شيء. وبعد ذلك التحقت بالعمل، أو الأصح أنني التحقت قبل ذلك بالعمل.
ماهي أسباب فصلكم من حنتوب
والله نحن ابتدأنا العمل السياسي في تلك الأيام وسط الطلبة، وأنشأنا مؤتمر الطلبة. وهو تنظيم لتحسين أحوال الطلاب، ولكنه في الحقيقة كان أنشيء أساسا للعمل السياسي، فالغرض منه سياسي. وفي تلك الأيام حدثت مظاهرات لأول مرة مساندة ل 119 طالب فصلوا من مدرسة خورطقت (في مدينة الأبيض- أو قريبا منها على وجه الدقة)، وفي هذه المظاهرات فصلنا نحن من حنتوب، وكنا نحو 13 طالبا، كان فيهم كما قلت لك الأخ محمد عبد الرحمن شيبون، وكثير من الإخوة.
هل تذكر بالتحديد في أي سنة وأي الشهر كانت هذه المسألة؟
نعم، أتذكر أن ذلك كان في سنة 1950.
وكيف كانت ردود الفعل لديك بالنسبة لمسألة الفصل هذه؟ أعني عندما فصلت وخرجت من المدرسة!
والله كنا نحب حنتوب. لأن الرجل الذي أسسها- مستر براون اسمه، كان رجل مربيا فذا من طراز رفيع جدا جدا. واستطاع أن يقيم مؤسسة تعليمية يحب طلبتها بعضهم بعضا ويحبون أساتذتهم، ولذلك يعني، ولنعطي الرجل حقه، فقد استطاع أن يبني هذه المؤسسة الجديرة بالثناء. وأنا أعتقد أن حنتوب استطاعت أن تقدم الكثير من أبناء هذا البلد الأخيار في الكثير من المجالات. ولا تجعلنا تجربة النميري وحنتوب أن نقول (غير ذلك). في الواقع النوعية جيدة ولكن الإنسان يفعل بنفسه ما يشاء.
نجد أنك يعني أثنيت على مستر براون بالرغم من أنه، يعني، شخصية أتى بها الاستعمار!
نعم.
ولكن بالرغم من ذلك، فهل كان الاستعماريون في مجال التربية يعملون على الأسس السليمة؟ أم كان يغرسون أشياء أخرى؟
كانوا يغرسون أشياء أخرى. وأنا أعتقد أنه بالمقارنة مع ناظر مدرسة وادي سيدنا الثانوية في ذلك الوقت مستر لانق، فقد كان هنالك فرق بين الاثنين، إذ كان مستر براون أقرب لطلابه، وكان يحبهم وكان يساعدهم، وكان يغرس في نفوسهم أشياء كثيرة حميدة. وفي الواقع كان هنالك كثير من المعلمين الذين يتعاطفون مع نضال الشعب السوداني، منهم مثلا الإيرلنديين، فكان الإيرلندي فيهم يقف مع السودانيين دون تحفظ ضد الإنجليز والآخرين. وكان أيضا من بين الإنجليز من لديهم توجهات تقدمية مثلا، وكانوا واضحين وكنا نعرفهم بأسمائهم. وكان هنالك أيضا المدرسون الذين يحبون مادتهم ويحبون طلبتهم وهم أخيار في أنفسهم، سواء كان هنالك استعمار أو لم يكن هناك استعمار، وهم أيضا كانوا محسنين. وأعتقد أن مستر براون هو من هؤلاء الناس. أما كونه قام بفصلنا، ففي الواقع إذا وجد الرجل نفسه في وضع أمام طلاب – في نظري- مشاغبين، فسيفصلهم.
ونحن نتكلم عن حنتوب، أود لو سُمح لي أن تحدثنا عن الصلة بينك وبين محمد عبد الرحمن شيبون كشاعر، وأنت أيضا شاعر.
كان الأخ شيبون أمامنا بسنة تقريبا على ما أذكر، وكان كان كما وصفته في إحدى القصائد، كان صموتا جدا لا يتكلم إلا بمقدار، وكان في الواقع أكثرنا وعيا. ولندلل لك على ذلك، فعندما فصلنا واجتمعنا، كنا نحو 200 طالبا مشردين عن الدراسة نتدبر أمرنا. اقترح علينا أن نبعث برقية للأمم المتحدة، ولا واحد فينا كان عارفا بالأمم المتحدة. نحن أيّدنا الاقتراح، ولكن في الواقع لم نكن عارفين بلمن نبعث له البرقية.
جدير بالذكر أن مدرسة المؤتمر افتتحت لإيواء هؤلاء الطلاب المشردين – الذين هم نحن، إذ قام بذلك المجهود الجبار مؤتمر الخريجين برئاسة المرحوم إسماعيل الأزهري، وساعدت في ذلك أموال مصرية- تبرعات الحكومة المصرية. نحن لم نكن من طلابها لأنها افتتحت بعد ذلك، ولكن لابد من الشكر ولو متأخرا لمجهودات هؤلاء الناس في هذا الصرح الذي لا يزال بيننا.
طيب، يعني الواحد أيضا يريد معرفة متى بدأت كتابة الشعر.
بدأت أكتب الشعر. كما قلت لك كان الأخ محمد عبد الرحمن شيبون صموتا، ولكنه كان كثير القراءة. و(رغم أننا) كنا نلتقي في العمل السياسي، ولكن ربطت بيننا صداقة قوية. أنا بدأت كتابة الشعر في المدرسة الوسطى، حيث رثيت العميد الذي توفي آنذاك، وشعرت بانني أستطيع أن أكتب شعرا.
هل كان العميد بريطانيا؟
لا لا، كان سودانيا، وهو في الواقع أول من درس الاقتصاد في السودان، وكان أيضا عميد كلية التجارة. وبعد ذلك كتبت قصيدة عن فلسطين، كانت هي القصيدة الثانية، فشعرت بأنني أستطيع أن أكتب شعرا. في حنتوب الثانوية تعرفت على شعر محمد كمال عبد الحليم، وصرنا نقرأه أنا وشيبون معا، وكنا نتعاهد على أن نكتب ونسخِّر شعرنا لبث الوعي في شعبنا وتوجيهه في المعركة ضد استعمار الإنكليز الذين كانوا لا يزالون في السودان في ذلك الوقت. وشيبون أيضا كان ساعدني في أن اتنافس معه في قول الشعر، وكما قلت عنه فأنه فارس منا، ولكن هو في الميدان أفرس. وكان شعره شعرا جيد جدا، قد لا أستطيع أن أقارن، إذ كان المستوى متقارب، لكن شيبون كان أصدق في شعره. وربما كان إذا عاش، ربما كان أفضل منا بكثير، ولكن هذه هي الحياة.
لنستمع لقصيدة
جدا.
أي القصائد تختار؟
أي قصيدة. بما أن الأخت منى هنا ستقرأ عني قصائدي، فأنا أترك لها الخيار.
ولماذا يعني لا تقرأ شعرك.
أولا أنا متكلم رديء وقارئ شعر رديء، فإذا الآن سأتكلم، إذن يعني أخفف العبء بأن الأخت منى تساعدني في القراءة.
القصيدة (ليل الفزع والأحزان) جميلة يا أستاذ صلاح. هل تذكر ظروف هذه القصيدة؟
هذه قصيدة من أيام الشباب الأول، ولذلك يكفي قراءتها كما هي، لا تعليق!
فيما خص ديوان غابة الأبنوس، ومدرسة الغابة والصحراء، وصلاح أحمد أبراهيم، هل صلاح أحمد إبراهيم هو مؤسس هذه المدرسة؟
والله لا. لست من مؤسسي هذه المدرسة لأنه لا توجد مدرسة. أنا تقدمت على الجيل الذي تكلم عن هذه المدرسة. تقدمت عليه فأنا من جيل الفيتوري ومن جيل تاج السر (الحسن) وجيلي (عبد الرحمن). و(نحن) كنا نصف أنفسنا بأننا ننتمي لمدرسة الواقعية الاشتراكية. ومن هذا المنظور كنا نتحدث عن كل شيء، بما في ذلك كما ترى في ديواني موضوع قضية الجنوب: أخي ملوال، قضيه المرأة، كما في غضبة الهبباي عن فالنتينا، قضية الإنسان المسحوق، كما في قصيدتي عن عنبر جودة، وهكذا. فيما بعد طُرح موضوع العلاقة بين الشمال والجنوب- فيما بعد. ولي مقالات “نحن عرب العرب”، وأنا كنت ضد أي موقف حدي فيما يتعلق بهويتنا السودانية ومن يجمع المقالات “نحن عرب العرب” وقصيدتي “أخي ملوال”، بجانب كتابات أخرى، قصائد أخرى- فأنا بدأت مبكرا، (يجد ذلك). ففيما بعد جاء بعض الشعراء المبدعين وسموا أنفسهم الغابة والصحراء، وأنا أعتبر نفسي سابق لهذه المدرسة لأنها ابتدأت في أوائل الخمسينات.
وهل تظن أنهم استقوها، (أي فكرة الغابة والصحراء) من هذا الديوان (غابة الأبنوس)؟
لا أتصور ذلك ولا أعتقده. أعتقد كل شاةً (معلقة من عرقوبها).
عن فكرة هذه المدرسة، ماذا تظن ومن أين تراها تنبع؟
والله شوف، أنا دخلت في صراع مع الأخ النور عثمان أبكر فيما يتعلق بهوية السودان، في موقف يلغي الهوية العربية. وهذا الموقف ليس موقفا ثقافيا وحسب، ولكنه موقف سياسي- وهذا هو الأخطر. وفيما بعد يبدو أن فكرة النور اتسعت مع بعض شباب جيله…
محمد عبد الحي؟
مثلاً،… وأن السودان منقسم الى صحراء وغابة، وأنه لابد من شيء يجمع بين الاثنين. ولكنه، عمر الانسان الذي كانت له نظرتنا السابقة، لم يكن يقسم السودان بهذه الطريقة المبتسرة.
لكن يا أستاذ صلاح، يعني ربما أنتم كنتم في ظروف تختلف عن ظروف الآخرين. يعني أنتم عاصرتم الاستعمار وعاصرتم شيء من الاستقلال
نعم
فعلى ذلك أفكر أن شخصكم فيه مزيج من معاناة الاستعمار، وفيه مزيج آخر من التمتع بحلاوة الحرية
نعم
فهل في هاتين الفترتين كان لديك نتاج معين؟
نعم. نعم، فأنا شاعر مقاتل، ومقاتل من أجل شعبي. وشعري لا يعدو أن يكون سلاحا في يد هذا الشعب. سلاحا في يده لمزيد من الحرية، لمزيد من الكرامة، لمزيد من الرفاهية والسعادة، وسيظل (شعري) كذلك حتى اليوم الأخير من حياتي. في أيام الإنجليز كان شعري شعرا من أجل حرية السودان وحرية الشعب، ومن أجل استنهاضه، ومن أجل استنهاض الانسان المسحوق فيه. خرجوا الإنجليز، ولكن للأسف لم نستطع أن نقدم قيادة جديرة بهذه الصفة لشعبنا تنقذه من الضلال. ولهذا تعرض شعبنا لتجارب مريرة، بعض منها انعكس في شعري، وبعض منها انعكس في شعر الشعراء الآخرين. ولكن في مجموع الشعر السوداني هنالك هذا الإحباط الذي يحس به الشعب السوداني نفسه. ما أشبه الليلة بالبارحة كما قال الأستاذ علي حامد. ولذلك أنا أحس بإحباط شديد جدا جدا. نحن الآن وضعنا أسوأ مما كنا عليه عند الاستقلال. كل يوم نسير من سوء إلى أسوأ بفضل -بين قوسين – القادة الذين يقدمون على قيادة هذا الشعب ولا يعطون المسؤولية حقها من الأمانة ومن الرؤية الصادقة ومن الوعي. مع ذلك أعتقد أن الشعب قادر على أن يبتدع في يوم من الأيام قيادته الصادقة الأمينة الواعية المدركة التي تنتشله، لأنه شعب عظيم ويستحق كل ما هو عظيم.
لا تزال سماتك موجودة، سواء كان ذلك في الزمن السابق أم في الزمن الحاضر. ولكن هنالك اختلافات فوقيه قد تحدث.
نعم.
وكذلك أيضا فالخلاف قد يثري المرحلة الحالية أو قد يكون له ردة فعل عكسية.
نعم.
ونجد أنك قد خضت في اختلافات كان لها مدلولاتها وكان لها آثارها وكانت معروفة
نعم.
فأنا هنا أود لو تقرب هذه المسألة بالنسبة للمستمع، ونود معرفة وجهه نظرك المعينة في اختلافك مع فئات اخرى ككاتب وكصحفي.
نعم. كما قلت لك أنا مختلف في كثير أو قليل مع كل من تصدى لقيادة هذا البلد. ليش؟ لأنه كما يقول أبو الطيب المتنبي: ولم أر في عيوب الناس عيبا كنقص القادرين على التمام. أنا أريد لكل إنسان عندما يعمل عمله أن يحسن عمله. سبحان الكامل. كلنا لنا عيوبنا، وكلنا نخطئ. ولكن خطأ الإنسان الذي في مكان القيادة ليس كخطأ الإنسان البسيط مثلي ومثلك يا عبد المنعم ومثل الأخت منى. الإنسان الذي قبل أن يتصدى للقيادة مسؤوليته أكبر. ولذلك أنتقد. مثال ذلك في مقال كتبته قبل أيام أقول للأخ الجزولي، وهو أخ زميلي، وهو إنسان ذكي وإنسان جدير بالاحترام وكل شيء، ولكنه قبل هذه الأمانة الصعبة. قلت له بعد أن انتهت فتره تفويضك أرني يا أخي أو أر شعبنا قرارا واحدا نرى فيه صورة طفلنا الذي يمد يده يستجدي. أرني قرارا واحدا اتخذته في هذه الفترة فكان بالكم مشغولا فيه بأولادنا الذين يسمون بالشماسة. إذن عندما أختلف مع مواطن أختلف معه من أجل المواطن، أختلف معه من أجل الشعب، وأختلف معه من أجل الحقيقة. ربما أكون حادا ولكني أحس بأنه أنا ليس لدي مصلحة (في هذا الأمر). يعني أنا لا أنتقده لأني أظن نفسي من المفترض أن أجلس مكانه، أو أنني أحسن منه، ولا أي شيء (من هذا القبيل). بل ربما لو كنت مكانه كنت أخطأت أيضا. لكن لا ينبغي لنا أن نخطئ متى جلسنا في مجلس المسؤولية واتخاذ القرار. ولهذا اختلفت مع مختلف الناس. انتقدت حكومة المرحوم أزهري في عنبر جودة. لا أقبل من حكومة أن تحشر قرابة ال 200 مواطن وتقتلهم بهذا الاستهتار مهما كان. اختلفت مع الشيوعيين في هذا الموقف، اختلفت مع جماعة حزب الأمه في هذا الموقف. ومع أي انسان أنا مستعد للاختلاف معه لأنني أنا -على الأقل- أحس بأنني لسان من لا لسان له من شعبنا. لا أريد شيئا لنفسي ولكني لا أجامل في الحق.

صلاح أحمد إبراهيم: ليس من الضروري أن نصير على لون واحد لكي نكون مقتنعين بأنفسنا، وصورتنا عن أنفسنا مبالغ فيها ونحن نتجاهل عيوبنا الذاتية
لقاء إذاعي في العام 1985م (2من 2)

تحرير: الوليد محمد الأمين

هذه المقابلة هي تحرير للقاء إذاعي مع الشاعر صلاح أحمد إبراهيم، أجري في الإذاعة السودانية في برنامج سهرة ثقافية بتاريخ 28 يناير 1985 (ذكر عند إعادة البث أنه سجل في 29 يناير 1405!) – حاوره: عبد المنعم شيبون. الحلقة الصوتية متوفرة على اليوتيوب تحت عنوان سهرة ثقافية مع الشاعر صلاح احمد ابراهيم 1984م، ضمن تسجيلات قناة “تسجيلات وبرامج إذاعية”. https://www.youtube.com/watch?v=yZrNU73wYOY

يعتبر السودان من البلاد الصعبة، لأنه يضم أقواما مختلفة وثقافات مختلفة. لو طُلب منك إبداء الرأي في بضع كلمات عن كيف من الممكن أن يتبلور هذا الشتات وهذه الأقوام المختلفة في بوتقة واحدة، كيف ترد؟
أعتقد من الأشياء التي أرى فيها جمال السودان يتجسد، هو في تنوعه. وأنا دائما أنظر إليه باعتباره باقة من زهور متنوعة، جمالها في تنوعها. وليس من الضروري أن نصير على لون واحد لكي نكون مقتنعين بأنفسنا. بالعكس، تعددنا وتعدد ثقافاتنا وتعدد ملامحنا وتعدد أصولنا وأعراقنا، كل ذلك يجعل هذا البلد أكثر جمالا وعطاء في نظري. إذن: نعترف بالاختلاف ونراه مصدر للائتلاف ومصدر للجمال ومنظر للفخر، وبالإمكان فقط حين يحترم كل منا الإنسان الآخر، أن نصير أكثر اقتناعا بأنفسنا. وأنا عندي مثلا حل جميل جدا. أنا أعتقد أن يملى على كل مواطن أن يتعلم بجانب العربية التي هي لغتنا الرسمية، لغة واحدة على الأقل مما يتكلم به أخيه.
أستاذ صلاح، ونحن نحاول التعرف على أفكارك، على الأقل في هذه اللحظات وأنت معنا، وأنت خرجت خارج هذه البلاد، نود أن نتعرف على البلاد التي زرتها، وما الذي اكتسبته من غربتك.
الذي اكتسبته من غربتي احساسي بأن الانسان كل ما أبتعد عن السودان كل ما رأى السودان بصورة أفضل من الإنسان الذي يعيش بداخله. واكتشفت حقيقتين متناقضتين تمام التناقض. اكتشفت أولا بأن صورتنا عن أنفسنا مبالغ فيها وأننا نتجاهل عيوبنا الذاتية، وأننا نتصور أن أفضل ما لدينا هو أفضل ما في العالم، وفي الواقع لا. الحقيقة الأولى أن هذا الشعب بكل الأشياء المثبطات وكذا، شعب عظيم جدا جدا. وانا لا أحب أن أدخل في الإطلاق، ولكن بمقارنته بالآخرين، سواء كانت شهادتي أنا – وليست شهادتي لأنني سوداني، ولكن شهادتي لأنها الحق – وأيضا بشهادة الآخرين: هذا الشعب متميز وفذ وفريد ولديه أشياء ونواحي عظمة ليست لدى الاخرين. ولذلك ينبغي أن ننظر إلى عيوبنا بقسوة شديدة جدا جدا وأن نحاول أن نصلح ما بأنفسنا، ولأننا لا نستحق الهوان الذي نحن فيه.
أنت ذكرت أن السودانيون شعب عظيم، وفي نفس الوقت قلت إن البلاد، أي السودان، عندما تنظر لها من الخارج وتشوف المدنية الموجودة هناك، ترى بلادنا قذرة! القذارة هنا هل تقصد بها التخلف؟
أبداً. ليس فقط التخلف، بل القذارة الحسية أيضا. يعني عندما تمر في الخرطوم وتراها وتشوف القذارة والورق المهمل، والناس والغنم الماشية وكذا، فهذه (المسألة) غير مقبولة. هذه (الأشياء) لا توجد حتى في مدن إفريقية أخرى، إفريقيا التي نحن كنا من روادها! مثل هذه الاشياء عندما تدخل مكاتبنا، وعندما تدخل في سلوكنا وفي أشياء كثيرة جدا، هذه الأشياء ينبغي أن ندرسها بوضوح وبجرأة وبقسوة على النفس لا تقبل المجاملة. ونقول كيف نستطيع أن نغير هذا الهوان لأنه لا يليق بنا، وإذا لم نره بعيوننا فالآخرون يرونه. هذا شيء مهم جدا، وبدون مجاملة: ينبغي أن يقال. أنا أتمنى أن يسمع السيد رئيس الوزراء هذا الكلام. وأن يعرف أن لديه الآن فرصة لكي يقود هذا الشعب نحو المجد ونحو الكرامة ونحن وراءه في هذا قلبا وقالبا، فقط عليه أن يتقدم الصفوف بجرأة. وأعتقد أنه ما من وطني مخلص إلا ويتمنى له التوفيق.
مسألة (سلوك) المواطن السوداني، إذا مثلا خرج خارج السودان ينسجم مع الحضارة ومع النظام، فهو يعرف النظام ويعرف النظافة ويعرف كل شيء، ولكن هناك شيء من الاختلال في تصويب الصحيح وإهماله. هل الدولة من الممكن لها أن تدخل في هذا المجال؟ أم هي مسألة شخصية بالنسبة للناس؟
والله الدولة هي التجسيد للإرادة الجماعية وليست شيئا منفصلا. فهي التي تنظم لنا إرادتنا إذا كانت فعلا مخلصة. وهذا في الواقع الشيء الذي بايعنا جعفر النميري عليه، وللأسف الرجل لم يفِ بالعهد. والآن نبايع هؤلاء الناس الذين في البرلمان وفي الحكومة الجديدة عليه، ونرجو أن يفوا بالعهد. ما نريده طالما اخترناهم لقيادتنا أن يتصدوا للقيادة. هناك ما علينا أن نقوم به طواعية، يعني لا أعتقد أنه لتنظيف بيتنا نحتاج للدولة لتنظفه لنا، وهناك أشياء كثيرة نستطيع أن نفعلها بالعمل التطوعي، ولا تنس أن مشاريع العون الذاتي أول ما جاء النميري
مثّلت قدرتنا على العطاء وعلى البذل وعلى تغيير الواقع، وعلى مساعدة الحكومة. أي بلد- أرني أي بلد، يتبرع فيه العمال بعمل يوم أو يومين لدعم الخزانة؟ عملناه هنا. ومستعدون أن ندعم لا أن نطالب. لكن فقط نحتاج إلى أن نطمئن بأننا نفعل ذلك والحكومة تساعدنا، وليس عليها أناس يريدون أن يغتنوا على حسابنا.
الواحد يلاحظ يا أستاذ صلاح أحمد إبراهيم أن ألفاظك دائما صارخة المعنى، وأحيانا يعني تخرج بما لا يمثل الرمزية، ولكن دائما بما يمثل الواقع، كما العبد الأسود وبعض الكلمات التي تعبر عن أشياء معينة قد تحسها في الغربة أو تصورها لآخرين وهم في الغربة. أود أن تكلمنا عن تلك القصيدة (يعني قصيدة العبد الأسود).
أخي عبد المنعم، إذا قلت إن كلماتي واضحة، فلماذا تطلب مني مزيدا من التفسير!
أنا في الحقيقة كنت أود أن أعرف البلد التي كنت فيها.
كل بلد تعامل الانسان بهذه الصورة حقيقة. وكثيرا ما نلاقي هذا الموقف حتى في بلدنا نفسها. صدقني حتى في بلدنا نفسها كثيرا ما يمر ابن البلد بمثل هذا الموقف. ولذلك لنقل إنها الكرة الأرضية.
يعني ذلك أنك تتكلم عن التفرقة العنصرية كما هو ما موجود في جنوب إفريقيا، وكما هو موجود في أميركا وفي كثير من بلاد العالم وما فيها من تفرقة؟
ممكن، ومن الممكن (أن) تكون تجربة خاصة. وقد تكون تجربة في بلدنا أو تجربة خارج بلدنا. يعني لا تنس أن أعظم تجسيد للشجاعة العربية وهو من كان اسمه عنترة، قال: وأنا (في الأصل إني) امرؤ من خير عبس منصبا شطري/ واحمي سائري بالمنصل! طالما هناك ثائر فينبغي حمايته. إذن يمكن مقابلة مثل هذا الموقف الصعب.
إلى ذلك يا أستاذ صلاح فهذا جانب من الجوانب التي أنت تكلمت فيها، أعني مجال الغربة. كذلك أنت تكلمت في مجال السياسة وبدأت شعرك بالمدح أو بالرثاء وكتبت الكثير من الأغاني للوطن. عن الجانب الإنساني بمعنى الإنسان من حيث هو، صحيح يجوز أنك هنا ربما ميزت فئة معينة ملت إليها، ولكني أتحدث عن الانسان ككل، أود معرفة الحيز الذي يأخذه الانسان ككل لديك، لا كسوداني ولا كإفريقي.
نعم، أنا أعتقد يا أخ شيبون أن الإنسان هو هذه الأشياء. لنأخذ الانسان السوداني، هو عربي وهو غير عربي، هو إفريقي، وهو في العالم أجمع. الحقيقة في نظري دائما مضلعة، بمعنى لديها عدة جوانب. كل جانب منها يمثلها ولكنه ليس هو كلها. ليس هو هي كلها. فلذلك كان تصوري أن هذا الانحياز الذي انحزت إليه- هذا الاختيار السياسي- وفي الواقع ليمثل أكبر مساحة ممكنة: كنت أتصور ذلك. ولا أزال أثق في ذلك. وأنا ضد كل من يُضيّق. هذه نقطة مهمة. النقطة الثانية، لأن الحقيقة مضلعة ولديها عدة جوانب، فينبغي أن ننظر إلى جميع جوانبها وأضلاعها لكي نلم بها كلها. ولذلك ما من إنسان في الدنيا إلا وله جانب جدير بأن نعليه وأن نحمده عليه، أيا كان ذلك الانسان. ولذلك الرؤية الأحادية ليست سليمة.
يا أستاذ صلاح، هل كتبت الشعر بغير العربية؟
نعم، وفي الواقع عندي ديوان بسيط، مجموعة صغيرة اسمها “محاكمة الشاعر للسلطان الجائر”، وهو يباع الآن، وفيه قصائد كتبتها في الفترة التي قضيتها في منفاي الاختياري. ولو وسمحت لنا الأخت منى تقرأ لنا منه. (قرأت السيدة منى قصيدة بالعامية: يا قلبي دق، لكن بشيش، تقول كلماتها في البداية: من ديم مدينة/ وديم عرب/ وديم أب حشيش الخ).
المتابع لصلاح أحمد إبراهيم يجده شاعرا وأيضا قاص. نود أن نعرف يعني متى تُعبّر بالقصة ومتى تعبر بالشعر؟
والله يا أخي هذا سؤال فعلا دقيق! متى يعبر شاعر بشعر، وقاص بالقصة. وأنا لدي تجربة محددة. تجربة مع طفل كنت وأنا أمشي في الشارع أسمع صوته وهو يقول لي بنجور (صباح الخير). ذهب الطفل وأنا كتبت قصيدة عن الحادثة هذه. قد تصدر في ديواني الذي سيصدر قريبا إن شاء الله. بعدها كذلك كتبت قصة عن ليش الولد هذا قال لي صباح الخير في الشارع ذلك الصباح. ووضعت (في القصة) احتمالات كثيرة لطفل يقول لإنسان غريب في شارع خال ليس فيه غيرهما الاثنان: صباح الخير. وأنا أعتقد أنني كتبت الاثنين (القصيدة والقصة)، بنفس الانفعال. ولكن التعبير النثري، والقصصي بصفة خاصة، يمنح الإنسان فرصة أوسع للفضفضة عن النفس. لاحظت أيضا أنني أكتب بالشعر أحيانا قصصا. كتبت مثلا “الإرادة وبيت الزيادة”، وهي قصة يعقوب الحزين، الذي مدّ له الدهر لسانه. ولديّ عدة قصص كتبتها شعرا. فإذن هنالك تدافق أو تداخل. وأعتقد أن الذي يملى على الانسان (ما يكتب)، هو حصول الانفعال ليجيء الإبداع.
في تناولك للقصة نجدك دائما تقص أحداث المقهورين. بينما قد يشعر المرء بأن صلاح شخصية قد تعتبر طبقية، فمن أين لك بهذا الإحساس بالناس المقهورين؟ هل يعني ذلك أنك متأثر بقراءاتك لبعض الكتاب الذين يكتبون عن هذه الجوانب مثل شارلز ديكنز مثلا؟
لا، أبداً. أنا أعتقد أولا أن تربيتنا الإسلامية تجعل الإنسان دائما يقف بجانب المقهورين. ذلك لأن هذا الدين مع المقهورين. هذه هي النقطة الأولى. الشيء الثاني هو شخصيتنا السودانية. ففي السودان نحن أيضا تلقائيا نقف مع الإنسان المظلوم، ثم بعدها نشوف المسألة إيش.
فيما يخص قصائدك الأخيرة، الواحد يشعر كأنما فيها إرشاد للناس بأن لا تصفقوا، لا تفعلوا كذا ولا تفعلوا كذا.
لا، بل في الواقع القصيدة التي فيها لا تصفقوا وكذا، هذه مقدمة.
فيما خص إلقاءك للشعر، بيني وبينك يا أستاذ صلاح يعني القاؤك للشعر كما أنت ذكرت وتركت للأخت منى الإلقاء، يبدو لي أنك لما تلقي الشعر الجميل هذا، فأنت تتعبه قليلا.
أوكي، لا بأس.
في مجال الترجمة، هل لديك ترجمات مختلفة وهل حاولت أن تأخذ بعض ما كتب بلغات أخرى وتقدمه لقارئ العربية؟
نعم. وأعتقد أنني أستطيع أن أترجم بحد معقول من المهارة. وهذه قضية تمرّس فقط. وأعتقد أن هذا واجب. وأنا أمنيتي أن كل سوداني يستطيع ويعرف لغة أخرى، أن يحاول بقدر جهده أن يترجم لنا مما يعرف من اللغة التي يجيدها.
أخ صلاح، هل جمعت قصصك في كتاب؟
جمعتها في كتيب، بل أكثر من كتيب في الواقع. والآن بانتظار النشر كما قلت لك. رواية طويلة، “أقنعة من صفيح”، وقصص قصيرة متنوعة لم أختر لها العنوان بعد.
هل حاولت القصة الطويلة؟
هذه الوحيدة. وهي أيضا كما قلت لك ستكون محيرة للنقاد. لأنها بمقاييس الرواية المتعارف عليها فهي خارجة عن المألوف. فإذن موقف الناقد منها سيكون إما يشطبها من كونها رواية، أو يقول إنها قفزة جديدة في مجال القصة.
ولماذا اعتبرتها بأنها غير مألوفة؟
غير مألوفة لأن فيها تلصيق، تلصيق بمعنى أنني استعملت كوتيشن، أي مقتبسات، كثيرة، من أشياء وأحداث ومن الصحف. والقصة أيضا فيها مزيج من المعقول واللا معقول، كما هي أيضا واقعية في نفس الوقت. وفي الحقيقة لن أكون ناقد نفسي، لكن أتصور أنني لم ألتزم بالقواعد المتعارف عليها، وهذه مغامرة أنا تقبلتها، وقد تكون ناجحة أو فاشلة، ولكن على أي حال المهم المحاولة في نظري.
فلنقف الآن أمام بعض أفراد أسرتك في مجال السياسة.
أولاً أقول لك بكل صراحة، لا أعتقد أن أي واحد فينا تصدى (للسياسة). هناك أنا وهناك فاطمة أحمد إبراهيم، وهناك شقيقي مرتضى وعنده رغبة في السياسة كسياسة. أولا، هذه هي النقطة: أننا نحن لسنا متسيسين في الدرجة الأولى. فكما قلت لك أن تربيتنا كانت تربية دينية، ووجدنا والدنا يرى أن المنكر ينبغي أن يغير، وأنه ينبغي أن نقف ونساند المظلوم. هذا واجب ديني، هذا واجب، سمه ما شئت.
ألا تظن بأن ميولكم فيها شيء من اليسار؟
اليسار! هو ما معنى اليسار؟ لماذا اليسار؟ يسار لأننا مسلمون. يسار لأننا نحن مع المظلوم. والمع المظلوم يسمونه باليساري. (يسار) لأنك أنت لا تقبل الوضع الموجود، وأنت تريد أن تزيل المنكر بيدك وبلسانك وبأي أسلوب كان. ولذلك سمه يساري، سمه أي شيء، ولكن تبقى الحقيقة حقيقة.
لو سئلت عن صلاح أحمد إبراهيم، ماذا تقول عنه في كلمات؟
والله أقول لك يا أخي، أنا أستطيع أن أحكم على نفسي لسبب بسيط جدا، وهو أنني أنظر دائما إلى نفسي كشخصين. ودائما أراقب أفعالي وأحيانا أصفق لنفسي كما أصفق لشخص آخر أو للفريق الذي أحبه وأقول له أنت أحسنت في هذا الموقف وأشد على يدي، وأحيانا ألوم نفسي في أنني قصرت في هذا. وكثيرا ما أقول إنني قصرت في هذا، وأخطأت في هذا، وهذه أفعلها كل يوم. فأنا باختصار: إنسان يحاول ولا يخشى المحاولة. وكما قال التجاني يوسف بشير: أنا جراءهم سهرت ليستغشوا ومن أجلهم أصيب وأخطئُ. أنا أصيب وأنا أخطي، وكل ذلك من أجل الناس الذين أحبهم.

wmelamin@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

المحبوب عبد السلام: الترابي اعتبر كارلوس هدية مسمومة من الأردن .. هذا ما قدمته فرنسا للسودان مقابل تسليمه لكارلوس (2)

أدار مكتب الشيخ وكتب خطب الرئيس ثم «تخرج» من المدرسة وصار مستقلاً (2)الشرق الأوسط: إلى …