صناعة التمليش: لقاء البرهان بالمنشق النور القبة

الصادق حمدين

الدولة التي تفشل في بناء مؤسساتها، تلجأ إلى بدائل رخيصة… لكنها باهظة الثمن على المدى البعيد. هذا هو بالضبط ما فعلته الدولة السودانية لعقود: اختارت الطريق الأسهل، فصنعت لنفسها شبكة من الميليشيات، ثم ثم اصطدمت بالحقيقة لاحقاً بأنها فقدت السيطرة على ما صنعته يدها.

لم يكن اللجوء إلى التمليش صدفة أو اضطراراً عابراً، بل كان سياسة ممنهجة. منذ الأطراف البعيدة وحتى قلب العاصمة، اعتمدت السلطة مدنية كانت أم عسكرية على تسليح جماعات قبلية وتوظيفها كأذرع غير رسمية لتنفيذ مهام لا تستطيع الدولة القيام بها علناً. ظنت السلطة أنها بذلك توفر الكلفة السياسية والعسكرية، لكنها في الواقع كانت تزرع بذور تفككها بيدها.

ولم تولد هذه السياسة في فراغ، بل لها جذور ضاربة في تاريخ الدولة السودانية الحديثة. فمنذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، وتحديداً في عهد الفريق إبراهيم عبود، بدأت ملامح هذا النهج عبر إنشاء ما عُرف بـ”فرق السلام” تحت إشراف وزير الثروة الحيوانية آنذاك سانتينو دينج تينج، في محاولة لاستخدام التكوينات المحلية لضبط الأطراف التي تتمثل في حركة “أنانيا”. أي سم الأفعى.

ثم تطور الأمر لاحقاً إلى تشكيل مليشيات “الدفاع عن الحدود” التي قاتلت إلى جانب الجيش السوداني، مدعومة بقوات المراحيل خلال عهد جعفر نميري، واستمر هذا النمط في فترة حكومة الصادق المهدي دون انقطاع حقيقي وأصبحت تُعرف “بمراحيل الصادق المهدي”. ومع وصول نظام البشير إلى السلطة، دخلت سياسة التمليش الممنهجة طوراً أكثر عنفاً وتنظيماً، فظهرت قوات الفرسان لقتال داؤود يحى بولاد، والجنجويد، ثم حرس الحدود، وصولاً إلى قوات الدعم السريع التي أُنشئت لمواجهة الحركات المسلحة الدارفورية، قبل أن تتحول لاحقاً إلى لاعب مركزي في الصراع نفسه. “التسوي كريت في القرض تلقى في جلدها” وهنا انطبق القول الشعبي الدارج حرفياً على النظام.

هنا تبرز المقولة الحاسمة التي تلخص المأزق كله، كما قالها الأستاذ المخضرم محمد عبد الحميد عبد رحمن مدير وكالة سونا للأنباء في عهد الفترة الانتقالية: “يمكن استئجار القبيلي، ولكن لا يمكن امتلاكه”. هذه ليست مجرد حكمة عابرة، بل توصيف دقيق لطبيعة العلاقة المختلة بين الدولة والميليشيا. فالمقاتل الذي يتم استدعاؤه تحت لافتة القبيلة لا يتحرك فقط وفق أوامر الدولة، بل يحمل معه إرثاً ثقيلاً من الانتماءات الأولية، والصراعات التاريخية، والإحساس بالغبن أو الاستحقاق. هو يعمل مع الدولة، لا لها.

بهذا المعنى، لم تكن الميليشيات أدوات طيّعة كما تخيل صانع القرار، بل كانت مشاريع قوى مستقلة في طور التكوين. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الجماعات من وكلاء إلى لاعبين، ومن منفذين إلى شركاء قلقين، ثم إلى خصوم صريحين. وعندما تتقاطع مصالحهم مع مصالح الدولة، يكون الصدام حتمياً.

ما نشهده اليوم ليس انحرافاً طارئاً، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من الاعتماد على القوة غير المنضبطة. الدولة التي سلّحت القبيلة، منحتها أيضاً أسباب التمرد. والدولة التي راهنت على الانقسامات، وجدت نفسها محاصرة بها. فالحروب التي اندلعت في الأطراف، ثم تمددت إلى المركز، ليست إلا انعكاساً لسياسة قصيرة النظر، تعاملت مع مجتمعات غرب السودان كخزان للمقاتلين لا كمصدر للشرعية. كما قالها طريد العدالة المخلوع عمر البشير مباهياً: “أمتلك مخزوناً استراتيجياً من الرجال”!

المفارقة القاسية أن الدولة، في سعيها لتعزيز سيطرتها، قامت عملياً بتفكيك احتكارها للعنف وهو الركيزة الأساسية لأي كيان سياسي حديث. حين يصبح السلاح موزعاً على ولاءات متعددة، تفقد الدولة تعريفها ذاته، وتتحول إلى مجرد طرف ضمن أطراف متنازعة.

السودان اليوم يدفع ثمن هذه المعادلة المختلة. لم تعد المشكلة في وجود ميليشيات فحسب، بل في أن هذه الميليشيات هي نتاج مباشر لسياسات الدولة نفسها. أي أن الأزمة لم تعد خارجية يمكن احتواؤها، بل داخلية متجذرة في بنية السلطة. وما زالت الدولة سادرة في غيها ولا يمكن تحليل مقابلة البرهان للمنشق النور القبة إلا عملية مخاض على المكشوف لولادة ميليشيا جديدة من ذات الرحم الموبوء.

الحقيقة التي يصعب تجاهلها إن الدولة السودانية لم تكن ضحية الميليشيات، بل صانعتها. وعندما تصنع الدولة وحوشها الخاصة، لا ينبغي أن تتفاجأ حين تفلت من عقالها؛ “من يجعل الضرغام بازاً لصيده، اصطاده الضرغام فيمن تصيّد”.

umniaissa@hotmail.com

عن الصادق حمدين

الصادق حمدين

شاهد أيضاً

“متلازمة الفلنقنزم”

الصادق حمدين قَومٌ إِذا مَسَّ النِعالُ وُجوهَهُم … شَكَتِ النِعالُ بِأَيِّ ذَنبٍ تُصفَعُ ان الذين …