أيُّ قميصٍ نُلقيه على وجهِ أبينا السودان ليرتدَّ بصيرًا؟

د. صلاح أحمد الحبو
كأنّ السودان يقف على عتبة الغياب، وأيامه تتقلب بين ليلٍ أثقلته الجراح ونهارٍ لم يكتمل ضياؤه؛ وقد ابيضّت في روحه عيونُ المعنى من طول الحزن، لا لذهاب الحقيقة، ولكن لاحتجابها خلف غبار الفتنة وتداعي الأزمنة. يرى ولا يُبصر، ويسمع ولا يهتدي إلى سواء السبيل؛ كأن بينه وبين ذاته حجابًا من وهمٍ كثيف.

وفي الأثر البعيد، حين أُلقي القميص على وجه يعقوب، لم يكن نسيجًا يُلقى، بل علامةً تُتلى؛ حمل من الأثر ما أيقظ السكون، ومن الصدق ما ردّ البصر إلى موضعه. فارتدّ بصيرًا، لا لأن القماش يحيي، ولكن لأن المعنى إذا حضر انقشع العمى، وإذا صدق الأثر انفتح البصر.

فأيُّ قميصٍ يُلقى على وجه السودان، ليخرج من عتمته إلى بيانه، ومن حيرته إلى رشده؟

إنه ليس قميصًا يُنسج من خيطٍ منظور، بل يُغزل من وعيٍ إذا استقام، ومن بصيرةٍ إذا تهيّأت، ومن معرفةٍ إذا أُحكمت. قميصٌ تُهيّأ خيوطه في “مختبر السودان للاستطلاع والاستجابة”، حيث تُوزن الأحوال بميزان النظر، وتُقرأ الوقائع قراءةً لا يغشاها الهوى، ويُجمع بين شاهد الواقع وأفق المآل، فلا يُغلب أحدهما على الآخر.

هناك، تُؤخذ المقادير بقدرها، وتُردّ الأشياء إلى أصولها؛ فلا يُؤخذ الظنّ يقينًا، ولا يُترك اليقين في غياهب التردد. تُفصَّل الرؤى كما تُفصَّل الثياب على مقادير الأجساد؛ لا تزيد فتُثقل، ولا تنقص فتُخلّ. ويُخاط ذلك كله بخيطٍ رفيعٍ من “الخيال الأخلاقي”، يزن الممكن بميزان الواجب، ويُهذّب الحلم حتى لا يطغى، ويُقرّب البعيد حتى لا يستحيل.

ذلك القميص ليس سترًا لجرحٍ، بل كشفٌ لعلّته؛ وليس حجابًا على الألم، بل طريقًا إلى فهمه. هو وعيٌ إذا استوى على سوقه، رأى ما كان خافيًا، وأدرك ما كان متفرقًا، وجمع شتات الصورة بعد تفرّقها. فإذا التأمت خيوطه، صار للمعنى هيئة، وللبصيرة موضع، وللوطن وجهٌ يرى به نفسه.

وما البلاء كلّه في ذهاب الحقيقة، ولكن في فساد آلة النظر؛ فإذا صلحت، استقام المرئيّ، وإذا انجلت، انكشف الطريق. هنالك، حيث يلتقي الصدق بالعمل، والمعرفة بالفعل، يُلقى القميص: لا عجبًا يُرتجى، بل أثرًا يُبنى، وسعيًا يُتبع، وصبرًا لا ينقطع.

فإذا تمّ النسجُ واستوت خيوطُ المعنى على سوقها، لم يعد القميصُ أثرًا يُنتظر، بل صار حضورًا يُرى؛ يُلقى على وجه السودان فينقشع ما تراكم من عتمة، ويعود البصرُ إلى موضعه كأن لم يغادره. هناك، لا يُسأل الوطن: هل أبصرت؟ لأن البصيرة حين تعود لا تُعلن نفسها، بل تُرى في الخطو الواثق، وفي المعنى إذا استقام، وفي الطريق إذا انفتح بعد طول انسداد.

كأن الضوء، إذ يلامس جفن البلاد، يقول ما قاله الشاعر:
ولربَّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتى ** ذرعًا، وعندَ اللهِ منها المخرجُ

فإذا انكشف الغطاء، وتبدّى وجه الحقيقة، لم يعد النهوض وعدًا مؤجّلًا، بل قدرًا يُكتب بيد الوعي، ويُصاغ بصبر العارفين؛ وحينها فقط… يمضي السودان، لا على أثر ما كان، بل على هدى ما أبصر

habobsalah@gmail.com

عن صلاح الحبو

صلاح الحبو

شاهد أيضاً

التفكير في تفكيرنا: نحو تحرير الوعي وإطلاق الخيال الأخلاقي لتأليف الوطن بالمعاني الحسان

من قراءتي لكتاب التفكير الجانبي لـ إدوارد دي بونو، حيث عمد إلى بسط فكرة مركزية …