ضرورة إصلاح ميثاق الأمم المتحدة لخلق نظام عالمي جديد

د. محمد المنير أحمد صفي الدين
خلفية نشأة الأمم المتحدة كبديل لعصبة الأمم
في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أُنشئت عصبة الأمم في يناير 1920 كأول منظمة دولية، وكان مقرها في مدينة جنيف بسويسرا. غير أنّ عصبة الأمم لم تنجح في منع اندلاع الحرب العالمية الثانية. وما إن وضعت الحرب أوزارها حتى بادرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى دعوة الدول “الكبرى” التي خرجت منتصرة من الحرب: أمريكا، روسيا، إنجلترا، الصين، وفرنسا، لوضع ميثاق الأمم المتحدة، والذي بموجبه تأسست منظمة الأمم المتحدة في أكتوبر 1945 كبديل لعصبة الأمم.
اليوم، تنظر كثير من الدول الأعضاء إلى الأمم المتحدة بعدم رضا لفشلها في حفظ الأمن، وتحقيق السلم، ومنع العالم من الانزلاق إلى كارثة بيئية تتشكل أمام أعيننا، فضلاً عن النزاعات الإقليمية التي أصبح مجلس الأمن، الذي يتربع على قمة المنظمة، عقبة في سبيل نزع فتيلها.

العقلية والأجندة التي شكّلت ميثاق ومنظمة الأمم المتحدة
تمت صياغة ميثاق الأمم المتحدة بهدف تأسيس نظام عالمي فيما بعد الحرب العالمية الثانية يقوم على هيمنة خمس دول على العالم ويحول دون أي محاولة لإنهاء هذه الهيمنة. ويمكن إبراز خمس نقاط رئيسية تعكس عقلية السيطرة والإقصاء التي شكّلت صياغة الميثاق:

  1. العضوية الدائمة لمجلس الأمن: أعطى الميثاق الدول الخمس الحليفة المنتصرة في الحرب (أمريكا، روسيا، بريطانيا، الصين، وفرنسا) سلطات واسعة للهيمنة الكاملة والدائمة على العالم، أهمها العضوية الدائمة في مجلس الأمن، أعلى سلطة في البناء المؤسسي للأمم المتحدة. فهذه الدول الخمس تشكل الركيزة الأساسية لمجلس الأمن وتمثل الاستمرارية في صناعة القرارات، بينما يُنتخب الأعضاء العشرة الآخرون من قِبل الجمعية العامة لمدة عامين فقط.
  2. حق النقض (الفيتو): منح الميثاق كل دولة من الدول الخمس دائمة العضوية سلطة استخدام حق النقض لتعطيل أي قرار يعتزم مجلس الأمن إصداره، حتى لو أجمع عليه باقي أعضاء المجلس.
  3. حق رفض تعديل الميثاق: خوّل الميثاق أيّاً من هذه الدول الخمس دائمة العضوية حق رفض أي مشروع لتعديل الميثاق، حتى لو أجمعت كل الدول الأعضاء على مشروع التعديل.
  4. وصف دول المحور بأنها “دول أعداء”: نصّ الميثاق على وصف اليابان وإيطاليا وألمانيا بأنها “دول أعداء”، وهي صفة لم تتمكن الجمعية العامة من إزالتها حتى بعد اندماج هذه الدول في المجتمع الدولي.
  5. انتقال مركز القرار إلى الولايات المتحدة الأمريكية: برزت الولايات المتحدة كدولة مضيفة للأمم المتحدة، ما أدى إلى نقل مركز الدبلوماسية وصناعة القرارات الأممية من أوروبا إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
    الفرق بين الدعوة لإصلاح النظام العالمي والدعوة لإصلاح مجلس الأمن الدولي
    كثيرة هي الأصوات التي تنادي بإصلاح “ترميمي” لمجلس الأمن عبر زيادة عدد الأعضاء الدائمين وإضافة ممثلين عن الدول الناهضة ودول الجنوب (The Global South) كما ترتفع أصوات أخرى تطالب بإلغاء أو تقييد حق النقض.
    غير أنّ إصلاح ميثاق الأمم المتحدة الذي أطرحه هنا أعمق بكثير إلأنه يهدف إلى الانعتاق من نظام الهيمنة الحالي واستبداله بنظام عالمي جديد يقوم على المساواة في السيادة بين الدول الأعضاء، ويجسّد القيم والمبادئ التي نص عليها الميثاق.
    أولاً: مبدأ سيادة شعوب العالم على مصيرها وقراراتها
    يجب إنهاء النظام القائم على هيمنة الدول الخمس دائمة العضوية، التي تتمتع بسلطة كسر إرادة الإجماع الدولي من خلال مجلس الأمن والفيتو. ويتطلب هذا تحويل الجمعية العامة إلى المرجعية العليا داخل الأمم المتحدة، بينما يصبح مجلس الأمن هيئة مصغرة تحت سلطة الجمعية العامة، تتولى القرارات العاجلة، مع تمتع الجمعية العامة بحق مراجعة وتعديل قرارات المجلس وفق الإرادة الدولية والمصالح الجماعية للأعضاء.
    ثانياً: مجلس أمن بعضوية موسعة ودورية وبدون حق نقض
    يجب تعديل الميثاق لتنص العضوية في مجلس الأمن على أنها دورية بين جميع الدول الأعضاء، وإلغاء العضوية الدائمة وحق النقض، وتوسيع قاعدة العضوية لتعكس التعددية الجغرافية والاقتصادية للعالم.
    ثالثاً: تعزيز العدالة الدولية وحماية المؤسسات القضائية
    ينبغي إضافة نصوص لحماية المؤسسات القضائية الدولية وموظفيها من أي تدخل أو قيود تفرضها دولة أو مجموعة دول، واعتبار أي إجراء يعيق عمل هذه المؤسسات غير قانوني، مع تجريم أي سلوك من دولة عضو يعيق القانون الدولي أو عمل المنظمات العدلية الدولية.
    رابعاً: تقنين نظام العقوبات وحماية الدول الأعضاء من العقوبات التعسفية
    ينبغي حصر سلطة فرض العقوبات الدولية على الجمعية العامة، وإنشاء سلطة مختصة للنظر في تظلمات الدول المتضررة، مع ضمان حق التظلم والمطالبة بالتعويض إذا تأثرت مصالح الدولة دون مسوغ قانوني.
    خامساً: حماية كوكب الأرض
    ينبغي تضمين نصوص ملزمة لحماية البيئة، وجعل هذه المسؤولية واجباً على جميع الدول، مع منع أي دولة من اتخاذ إجراءات مخالفة للإجماع الدولي تؤثر سلباً على الأرض وحقوق الأجيال الحالية والقادمة.
    سادساً: بث روح المرونة والمواكبة في الميثاق
    يجب تعديل نصوص الميثاق لتجنب الجمود، ومنح الدول الأعضاء عبر الجمعية العامة حق مراجعة وتعديل النصوص بما يتماشى مع المصالح والإجماع الدولي، ويضمن السلم والعدل وحل النزاعات وحماية البيئة.
    الفرص والتحديات
    بينما قد تجد غالبية الدول الأعضاء ضالتها في هذا التغيير، لن يكون مقبولاً للأقلية التي منحت نفسها حق الهيمنة على العالم عبر الميثاق والمنظمة. ومن المؤكد أن الدول الخمس دائمة العضوية ستستخدم حق النقض وفق المواد 108 و109 لمنع هذا التحول.
    وعليه، يجب على الدول الأعضاء الساعية لكرامة شعوبها والتحرر من الهيمنة أن تتهيأ لخوض معركة دبلوماسية شديدة لكنها ضرورية لمنع حرب عالمية ثالثة، خصوصاً مع الصراعات القائمة في أوروبا والشرق الأوسط، والنزاعات على الموارد، التسلح، حماية البيئة، والهجرة والكوارث الإنسانية. إن تكلفة الإبقاء على الوضع الراهن عالية جداً.
    الحقيقة الأساسية هي أن الميثاق والمنظمة الحاليان هما جزء من المشكلة، حيث تعطل الأمن والسلم والعدل، وأصبح بعض القوى الكبرى يخوض صراعاته على حساب شعوب العالم.

دور وواجب الجمعية العامة لإحداث التغيير
التغيير المطلوب لإقامة نظام عالمي جديد يقوم على العدالة والمساواة في السيادة يجب أن ينطلق من الجمعية العامة، بحيث تُتخذ القرارات وفق مصالح غالبية الأعضاء. الفرصة الآن أمام الدول الأعضاء، من خلال التشكيلات الإقليمية والمنظمات مثل حركة عدم الانحياز، للتوافق على نصوص الميثاق المعدل، وعرضها على الجمعية العامة للمطالبة بالتنفيذ.
وفي حال رفض الدول الخمس الالتزام، يمكن للأعضاء المتوافقين الانسلاخ من الميثاق الحالي، والإعلان فورياً عن الميثاق المعدل، وتشكيل منظمة جديدة لضمان الاستمرارية وعدم خلق فراغ مؤسسي أو فوضى.
رغم الضغوط المحتملة من الدول الكبرى، بما في ذلك الحجب المالي أو السياسي، فإن المخاطر الناتجة عن الإبقاء على الوضع الراهن تفوق هذه الصعوبات، وتستوجب التحرك الحاسم الآن لمنع حرب عالمية ودمار شامل.
هذه الخطوط العريضة تشكل خارطة الطريق لتغيير نظام الهيمنة العالمي الذي صيغ بعد الحرب العالمية الثانية، مع وضع تفاصيل التنفيذ في أوانها.
الخامس من سبتمبر 2025

msafieldin@gmail.com

عن د. محمد المنير أحمد صفي الدين

شاهد أيضاً

وقف الحرب بين الجيش والدعم السريع واجب شرعي .. بقلم: د. محمد المنير أحمد صفي الدين

بسم الله الرحمن الرحيم ملخص: هذا المقال يطرح تحليلا ومقترحا لوقف الحرب بين الجيش والدعم …