باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
السبت, 15 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عبدالله الفكي البشير عرض كل المقالات

ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه (6)

اخر تحديث: 15 أغسطس, 2026 11:50 صباحًا
شارك

ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه (6)
كتاب: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2025)، لأمين حامد زين العابدين نموذجًا (6-9)

بقلم الدكتور عبد الله الفكي البشير

نواصل في هذه الحلقة تفنيد الحكم التقريري الذي أطلقه الدكتور أمين في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة، حين قال إن المفكر محمود محمد طه «لم يشرح في أعماله عوامل تخلف السودان والمجتمعات العربية الإسلامية» (ص 189). وقد توقفنا في حلقات سابقة عند جوانب من هذا الحكم، وبيّنا أنه لا يصمد أمام مراجعة شاملة لأعمال محمود محمد طه، ولا أمام تتبع تصوره المتكامل لعوامل التخلف وشروط والنهوض. ونستكمل الحديث عن محور: “إصلاح التعليم وإعداد الإنسان الحر” في رؤية المفكر محمود محمد طه؛ لأن التعليم، كما أشرنا آنفاً، يمثل مدخلًا أساسيًا لفهم موقف طه من قضية التخلف والنهوض. وقلنا إن حديث محمود محمد طه عن التعليم لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره حديثًا عن إصلاح النظام التعليمي في السودان وحده، ولا عن المجتمعات العربية أو الإسلامية أو الأفريقية وحدها؛ بل باعتباره جزءًا من تصور إنساني عام لشروط النهضة، وللدور الذي ينبغي أن يؤديه التعليم في صناعة الإنسان الحر المسؤول القادر على مواجهة تحديات العصر.

التعليم واللغة

وفي إطار رؤيته لإصلاح التعليم في السودان، أولى محمود محمد طه عناية خاصة بلغة التعليم في مجتمع يتسم بالتعدد الثقافي واللغوي. فقد دعا إلى “عدم فرض اللغة العربية” (صحيفة أنباء السودان، 18 أكتوبر 1958)، وطالب بأن تكون اللغات المحلية في الأقاليم أداة التعليم في المراحل الأولى من التعليم، قائلاً: “الناس يعلموهم بألسنة أماتهم [أمهاتهم]”. (محمود محمد طه، “تعلموا كيف تتعلمون”، (ندوة)، مدينة المهدية، أم درمان، 11– 18 مايو 1972). كما دعا إلى مراعاة الخصوصيات الثقافية واللغوية للأقاليم، كما رفض تعميم نموذج تعليمي موحد على جميع أقاليم السودان، معتبراً أن التعليم ينبغي أن يتأثر بخصائص البيئة المحلية، والمجتمع، ومستوى التنمية، وأن ينطلق من تراث المجتمعات المحلية ولغاتها، بما يعزز مشاركتها في إدارة شؤونها وتنمية قدراتها. وانطلاقاً من هذا التصور، رأى أن مؤسسات التعليم ينبغي أن تتكيف مع البيئة المحلية، وأن تسهم في ترسيخ ارتباط النشء بمجتمعاتهم وبيئتهم الطبيعية.) محمود محمد طه، “مشكلة الجنوب”، (بيان)، 28 نوفمبر 1964(.. ولذلك دعا إلى تشييد المدارس في الأرياف بمواد البناء المحلية، مثل القش والطين، وبجهد المجتمع المحلي (النفير)، بما يحقق المواءمة بين المؤسسة التعليمية والبيئة الاجتماعية والاقتصادية التي تعمل فيها. (محمود محمد طه، “خطاب إلى عميد معهد بخت الرضا الأستاذ عثمان محجوب”، مصدر سابق).
تبين هذه النصوص أن المفكر محمود محمد طه نظر إلى التعليم بوصفه أحد المرتكزات الأساسية للإصلاح الوطني، وربطه بقضايا الحرية، والتعدد الثقافي واللغوي، والتنمية المحلية، وإعداد الإنسان. وتؤكد هذه الرؤية أن اهتمامه بالتعليم لم يكن منفصلاً عن مشروعه الأشمل لتشخيص أزمات السودان وبناء تصور متكامل لمعالجتها. ومن ثم، فإن تناوله لقضايا التعليم واللغة يمثل جانباً آخر من معالجته المنهجية لأسباب تخلف السودان وسبل النهوض به، وهو ما يناقض القول بأنه لم يقدم رؤية لتفسير هذا التخلف أو لمعالجته.

تعلموا كيف تتعلمون؟

بالإضافة لما ورد عن قضايا التعليم في كتب المفكر محمود محمد طه ومقالاته ومحاضراته وبياناته ورسائله، مما أشرنا لبعضه في الحلقات السابقة، فقد تناول التعليم في بعض الجلسات التربوية. لقد نظم المفكر محمود محمد طه آلاف الجلسات والندوات الأسبوعية العلمية والتربوية والعرفانية، وكان من بينها سلسة ندوات الثورة الثقافية، وسلسلة تعلموا كيف …؟ وقد تمت مناقشة قضايا التعليم ضمنها، فكان من بينها، على سبيل المثال، لا الحصر، ندوة بعنوان: “تعلموا كيف تتعلمون”، خلال الفترة 11- 18 مايو 1972. وتناولت الندوة محاور عديدة، منها: مفهوم التعلم، الغاية من التعليم، العلم والعمل، والتعليم والفكر، تعلموا كيف تقرأون– عن طريق العلم- إعادة التعليم- الإنسانية والميلاد الجديد عن طريق العلم- الميلاد الثاني للإنسان- العلم وسيلة الميلاد الثاني- العلم بالتعلم- العلم الوهبي- علم الغيب- الحياة المدرسة- الإنسان والحيوان والمحاكاة- الإنسان وملكة التقليد- التعليم قبل دخول اللغة كأداة للتعليم- قاعدة التعلم- الإنسان الموهوب- نحو إعادة النظر في كيفية التعليم- أحسن أنواع التعليم- التعليم واللغة- التعليم والقاعدة الإنسانية- التعليم وتطوير القديم إلى الجديد- التعليم والعادة- الجسد والتعلم- العلم كله في جسدنا- وغيرها. ويمكن الاستماع لهذا الندوة في موقع الفكرة الجمهورية على الإنترنت في هذا الرابط:
https://www.alfikra.org/talk_view_a.php?talk_id=79&keywords
كذلك أصدر الجمهوريون العديد من الكتب والبيانات عن قضايا التعليم باسم الإخوان الجمهوريون، منها على سبيل المثال: المنشور الثاني بمناسبة عام الطفل العالمي 1979: التعليم. وجاء الإهداء فيه إلى: “الى كل مهتم بأمر التعليم، وبأمر التربية”. وجاء في المقدمة:
“إن التعليم، في كل بقعة من بقاع المعمورة، يمر بأزمة حقيقية، يحس بها، على تفاوت، العاملون في حقل التعليم، الطلاب، والأسر، والسياسيون وغيرهم… وقد وجدت هذه الأزمة تعبيرها في القلق الذي تعيشه جماهير الطلاب، والاضطرابات التي يحدثونها، وفى مظاهر ((الرفض)) الكثيرة التي دفعت بعدد كبير منهم الى قطع دراستهم نتيجة لخيبة أملهم في أساليب التعليم، ومناهجه، ومقرراته…. ولعل سبب هذه الأزمة الرئيسى هو عدم العودة الى الأصول عند تخطيط مناهج التعليم، ولعل من أسبابها الانفجار الكبير الذي حدث في مجال العلم، والمعرفة، في الآونة الأخيرة، مما ولد مشكلات كثيرة تتعلق بتصفية المعلومات الكثيرة، وانتقائها واستيعابها، فكريا، وتطبيقها، سلوكيا، وتمثلها، حياتيا”.
يتضح من ذلك أن قضية التعليم عند محمود محمد طه لم تكن قضية إجرائية محدودة بإصلاح المناهج أو تطوير أساليب التدريس، وإنما كانت جزءًا من مشروع أوسع لإعادة بناء الإنسان والمجتمع. فالتعلم، في تصوره، يرتبط بتكوين العقل الحر، وبالقدرة على التفكير والنقد والتجاوز، وبانتقال الإنسان من مجرد تلقي المعرفة إلى استيعابها وتمثلها وتحويلها إلى سلوك وحياة. ومن هنا فإن الحديث عن التعليم عنده يقود بالضرورة إلى الحديث عن طبيعة الإنسان الذي نريد أن نصنعه، وعن المجتمع الذي نريد أن نبنيه. وهذا يضع التعليم في صميم مشروع مواجهة التخلف، لا على هامشه؛ إذ إن تخلف المجتمع لا يُعالج بتكديس المعلومات في أذهان أبنائه، وإنما بإعادة النظر في طرائق تكوينهم الفكري والخلقي والعملي. ومن ثم، فإن القول بأن محمود محمد طه لم يتناول عوامل تخلف السودان يغدو بحاجة إلى مراجعة دقيقة في ضوء هذا التراث الواسع من الكتابات والندوات والمواقف التي تناولت التعليم بوصفه أحد المداخل الأساسية لتحرير الإنسان وإعادة بناء المجتمع السوداني.

مؤتمر البجة/ البجا (أكتوبر 1958): شاهد وثائقي على تشخيص محمود محمد طه لقضايا التهميش

“أنا من الداعين للاتحادات الفدرالية لجميع مناطق السودان لأن الحكم المركزي لن يستطيع أن يطور هذه المناطق بالسرعة اللازمة ولأن اختلاف هذه المناطق يجعل التشريع المركزي الموحد غير صالح لإدارتها”.
محمود محمد طه، 1958

تكشف الوثائق المنشورة في الصحف والبيانات الجمهورية أن محمود محمد طه تفاعل مبكراً مع مطالب الأقاليم، وقدم تحليلاً لأسبابها ورؤية لمعالجتها. فقد بدأ التعبير المنظم لبعض أقاليم السودان عن المطالب والحقوق والشعور بالمظالم والتهميش، فور اعلان الاستقلال عام 1956. لقد مثَّل انعقاد مؤتمر البجة/ البجا خلال الفترة 11- 13 أكتوبر 1958، من أوائل أشكال التعبير السياسي المنظم عن قضايا التهميش في السودان، بينما عبَّر جنوب السودان عن موقفه قبيل الاستقلال، حيث انطلقت أول حركة تمرد في يوم 18 أغسطس 1955. كانت هذه التحركات الإقليمية وتبعتها أُخر، قد حملت في داخلها، في ظل قصر النظر في التعاطي معها، بذور الأزمة الوطنية في السودان، التي أفضت للانفصال ومناخ التشظي. حضر المفكر محمود محمد طه بأدوات المثقف والقائد المعني بحقوق المهمشين والمظلومين، عبر المقال والبيان والمحاضرة. فدعا مجدداً لطرحه الذي نشره في كتابه: أسس دستور السودان لقيام حكومة جمهورية فدرالية ديمقراطية اشتراكية (1955)، وسيرد الحديث عن الكتاب لاحقاً، حيث تعرض له الدكتور أمين في سياق آخر، دعا إلى ضرورة اعتماد النظام الفدرالي، واعطاء الحكم الذاتي لكل أقاليم السودان. كما دعا إلى استقبال هذه التحركات والمطالب بالذكاء اللازم وقوة التخيل لطبيعة المشاكل وحجمها. ودعا إلى عقد مؤتمر لحل مسألة جنوب السودان، حتى لا تتح الفرصة لادعاء البطولات في مواجهات بين أبناء الوطن الواحد. كما بيَّن في بيان له، وهو يتحدث عن حوادث جنوب السودان، بأن أجزاء السودان كلها تحمل سمات الاختلاف سواء في الجنوب والشرق أو الغرب أو الشمال أو الوسط، وكل ما يقال عن الجنوب أن الاختلاف فيه أشد توكيداً وأبلغ ظهوراً من ما هو في بقية الأجزاء، كما لفت الانتباه لتدارك عدم الثقة بين الشمال والجنوب. (محمود محمد طه، “مشكلة الجنوب”، (بيان)، صحيفة الاستقلال، 10 سبتمبر 1955). كما ورد التفصيل عن موقفه من مسألة الجنوب ونضاله في سبيل ذلك، ضمن: عبد الله الفكي البشير، محمود محمد طه وقضايا التهميش في السودان، 2021).
عندما عُقد مؤتمر البجة/البجا بمدينة بورتسودان، كان المفكر محمود محمد طه من أوائل الذين كتبوا عن المؤتمر، إن لم يكن أولهم. ففي 18 أكتوبر 1958 نشر مقالاً بصحيفة «أنباء السودان» تناول فيه المؤتمر ومطالبه. ويكتسب هذا المقال أهميته من أنه لم يكتف بالتعليق على المؤتمر، وإنما تعامل مع مطالبه بوصفها مؤشراً على خلل بنيوي في نظام الحكم المركزي، ودعا إلى معالجته من خلال الحكم الفدرالي. فقد دعا إلى إعطاء أهل الأقاليم من الحقوق ما يتجاوز ما جاء في مطالب مؤتمر البجة، وقال: «ولست أرى في مطالب مؤتمر البجه ما يعين على حل المشاكل القائمة في منطقتهم»، مؤكداً أن حل مشاكل البجة، كما هو الحال في الجنوب والغرب، يتم بإقامة الحكم الذاتي ومنح أبناء تلك المناطق الفرصة كاملة لإدارة شؤون مناطقهم.

الدعوة إلى الاتحادات الفدرالية لجميع مناطق السودان

“والحق أن السودان جميعه يحتاج لهذه النظم الفدرالية في إدارته وحكمه”.
محمود محمد طه، أبريل 1958

أعلن المفكر محمود محمد طه في مقاله عن مؤتمر البجة أنه من الداعين إلى الاتحادات الفدرالية لجميع مناطق السودان، موضحاً أن الحكم المركزي لن يستطيع تطوير هذه المناطق بالسرعة اللازمة، خاصة أن اختلاف ظروفها يجعل التشريع المركزي الموحد غير صالح لإدارتها. ونبّه في الوقت نفسه إلى أن الحكم الفدرالي لأي منطقة لا يتحقق بالتمني، وإنما يحتاج إلى الاستعداد للوفاء بالتزاماته؛ فهو يتطلب كفاية إدارية وفنية واقتصادية، ويحتاج إلى وقت. ومع ذلك، رأى ضرورة البدء في طريق الحكم الفدرالي للولايات السودانية، وعدم انتظار اكتمال جميع هذه المقومات. وأضاف أن «الناس لا يمكن أن يتعلموا المسؤولية إلا بمباشرة المسؤولية، ولا يمكن أن يتعلموا الحرية إلا بممارسة الحرية». ولذلك دعا إلى أن تضع الحكومة الناس مباشرة أمام مشكلاتهم، لأنهم أعرف بمشكلاتهم وأولوياتهم، ثم تعينهم على حلها، بدلاً من أن تتولى هي حلها نيابة عنهم. وأكد ضرورة السير، منذ ذلك الوقت وبكل وضوح، في طريق الحكم الذاتي لجميع ولايات السودان.
ويلاحظ أن اتفاق جوبا للسلام، الذي وُقّع في 3 أكتوبر 2020، تضمن مبدأ الحكم الذاتي لمنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وهو ما يجعل من اللافت ملاحظة تقاطع هذا التوجه، في جانب منه، مع الدعوة التي طرحها محمود محمد طه منذ عام 1958 إلى توسيع الحكم الذاتي ليشمل أقاليم السودان.

دراسة التاريخ والشأن الوطني لا تستقيمان بالخيال وباطمئنان المثقف إلى سقفه المعرفي
ماذا قال المطلعون على أطروحات محمود محمد طه عن قضايا السودان؟

“ونحن لا نستغرب سوء الفهم، وسوء النية، من أي إنسان بقدر ما نستغربهما مِمَنْ يحملون الأقلام، ويتصدون لتوجيه الرأي العام، ويجدون المداد، والورق، موفوراً لديهم، لأن الشعب يثق فيهم، ويقبل على ما يكتبون –يدفع ثمنه من حر ماله، ويقبل عليه يقرأه، ويستظهره– من مثل هؤلاء يستغرب سوء الفهم، ويستغرب سوء النية.. بل من مثل هؤلاء قد لا يقبل صرف ولا عدل.. لأن في عملهم خيانة لأمانة الثقافة، وخيانة لرسالة القلم، وخيانة لأمانة الثقة.. الثقة الغالية التي أودعها الشعب في حملة الأقلام” .
محمود محمد طه، 1969

جدير بالذكر، وبمناسبة الحديث عن مؤتمر البجة/ البجا، أنني خصصت محورين في كتابي «محمود محمد طه وقضايا التهميش في السودان» (مرجع سابق، ص 286–297)، لتفنيد ما جاء في نموذج آخر من نماذج ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه. مثَّل هذا النموذج الدكتور مجدي الجزولي بادعاءاته عن مواقف المفكر محمود محمد طه في مقال نشره بعد ذلك في كتاب بعنوان: «محمود ومحمود: غريبان في عالمين» (2016). فقد أطلق الدكتور مجدي، في تقديري، حكماً تقريرياً يفتقر إلى الاحتراز الكافي وإلى الإحاطة بالمصادر، حيث كتب، قائلاً: “كمحيطه الحضري عاش الأستاذ محمود في عالم غير عالم مؤتمر البجا ومنظمة سوني ومقاتلي الأنيانيا، وانشغل كأغلب معاصريه بقضايا الحرب والسلام في الشرق الأوسط، وليس الجنوب”.
وقد تم تفنيد هذا الحكم، في الكتاب المشار إليه، بتوثيق مواقف المفكر محمود محمد طه وكتاباته بشأن قضية جنوب السودان ومؤتمر البجة/البجا. وجاء التفنيد في محورين: الأول بعنوان “تجليات ضعف الانفتاح على الأرشيف القومي عند المثقفين: ملاحظات حول كتاب مجدي الجزولي بعنوان: محمود ومحمود: غريبان في عالمين، 2016″، والثاني بعنوان “دراسة التاريخ والشأن الوطني لا تستقيمان بالخيال وباطمئنان المثقف إلى سقفه المعرفي”.
ومن المفارقات التي تكشفها المصادر، كما فصلنا في الكتاب، أن المفكر محمود محمد طه كان السجين الأول والوحيد من أجل قضية جنوب السودان، فضلاً عن كتاباته ومواقفه المستمرة منذ أربعينات القرن الماضي، كما كان من أوائل الذين كتبوا عن مؤتمر البجة، إن لم يكن أولهم. هذه الوقائع، في حد ذاتها، تجعل من الصعب التسليم بالحكم الذي يصوره الدكتور مجدي، باعتبار الأستاذ محمود محمد طه مفكراً حضرياً بعيداً عن قضايا الجنوب والشرق ومشكلات الأقاليم السودانية.
كنت عندما وقفت على مقال الدكتور مجدي، أول مرة، قبل أن ينشره في كتاب، قد لاحظت الضعف وعدم الصحة لكثير مما ورد فيها بشأن مواقف المفكر محمود محمد طه من قضية جنوب السودان، ومؤتمر البجة، وغير ذلك مما يتصل بقضايا التهميش في السودان. ثم علمت بأن مجدي ينوي إصدار دراسته في كتاب ضمن: سلسلة قراءة من أجل التغيير، وهي سلسلة تُحظى باهتمام متنامي وتوزيع كبير، إذ لها مجموعات قراءة من الشباب والطلاب منتشرة في جامعات ومدن وقرى السودان، بلغت آنذاك (400) مجموعة قراءة حتى يوم 17 مايو 2017، وتتكون كل مجموعة من 7- 10 أشخاص (كما أفادني بذلك الأستاذ شمس الدين ضو البيت، مؤسس سلسلة قراءة من أجل التغيير، برسالة وصلتني في 17 مايو 2017). هذه المعطيات دفعتني إلى الاستعجال بإرسال رسالة خاصة إلي الدكتور مجدي كانت بتاريخ 21 أبريل 2016، وجاءت في (3143) كلمة. ضمنت رسالتي ملاحظات في ست عشرة نقطة اشتلمت على أخطاء ونقص في المعلومات التي أوردها مجدي في مقاله بشأن محمود محمد طه، وبالطبع النتائج والخلاصات، وقلت له في صدر الرسالة، إنني: “شعرت بشيء من المسؤولية بمشاركتك بما لدي من معلومات… فالمثقف للمثقف زمالة ومحبة وعون وحماية وشراكة، طالما كانا في خدمة التنوير وتنمية الوعي وأنسنة الحياة، وشرط ذلك هو إشاعة روح الزمالة والثقة المتبادلة”. وذكرت له بأن مقالك اشتمل على معلومات غير صحيحة، وأخبار غير سليمة، وقدم تحليلاً وخرج بنتائج تحتاج منك إلى إعادة نظر، وأضفت له، قائلاً: إنني علمت “بأن المقال سيخرج في كتيب ضمن سلسلة: قراءة من أجل التغيير.. وهذا ما دفعني بأن أعجل بأمر رسالتي إليك مع بعض الملاحظات في المقال، ربما تجد فيها ما يفيد”. وزودته بنصوص مع مصادرها حتى تعينه في التصحيح والتدقيق.
رد الدكتور مجدي على رسالتي، برسالة في 22 أبريل 2016، قائلاً: “عزيزي عبد الله… خالص تقديري وشكري لجهدك في نقد المقال والملاحظات التي أبديتها والتي ستجد مني كل اهتمام وسأعود متى تيسر إلى المصادر التي نصحت بها (وبعضها مجهولة عندي تماما) لمراجعة المقال”. لكن للأسف حينما صدر مقاله، بعد ذلك، في كتاب (يونيو 2016) لم تجد تلك الملاحظات اهتماماً من مجدي، على الرغم وعده بأنها ستجد منه كل اهتمام، فلم يراجع المقال، ولم يصوب شيئاً، ولم يُقوِّم النص كما أشار في رسالته. وظلت النقاط التي لفت انتباهه إليها، كما هي، ست عشرة نقطة. كانت تلك النقاط تتصل بمواقف محمود محمد طه من قضايا التهميش في السودان، ولم يكن مجدي محقاً فيما ذهب إليه. بل مثَّل كتاب مجدي، في تقديري، نموذجاً ناصعاً، كما هو حال معظم الدراسات السودانية، في ضعف الانفتاح على الإرشيف القومي السوداني. فقد حمل الكتاب معلومات خاطئة، وقدم تحليلاً قاصراً، فجاءت خلاصاته غير صحيحة البتة، ومضللة كذلك. والحق أن كتاب مجدي الجزولي، ومثله كثير في الدراسات السودانية، يمثل إسهاماً في التضليل وتعميق التهميش، أكثر من كونه إسهاماً في تنمية الوعي. ومن هنا يمكننا أن ندرك كيف أن التهميش يتراكم بسبب ضعف انتاج المثقفين وعدم جودة خدمتهم، إلى جانب غياب النقد، وعدم الاحتفاء به.
وتكشف هذه الوقائع، سواء ما ورد عند الدكتور أمين أو الدكتور مجدي، أو غيرها مما سترد الإشارة إليه في كتابنا الموعود، أن الإشكال لا يكمن فقط في اختلاف التقدير حول مواقف المفكر محمود محمد طه من قضايا التهميش والتنوع والحكم في السودان، وإنما، بصورة أعمق، في المنهج الذي تُقرأ به تجربته الفكرية والسياسية. فالنصوص الموثقة تُظهر أنه انشغل، عملاً لا قولاً فقط، وفعلاً لا مجازاً، ومنذ عقد الأربعينات من القرن الماضي، بقضايا الأقاليم وعلاقة المركز بها، وبمسألة الجنوب، ومؤتمر البجة، والحكم الذاتي والحكم الفدرالي. ولم يتعامل مع هذه القضايا باعتبارها شؤوناً هامشية أو طارئة، بل نظر إليها في إطار تصوره لطبيعة الدولة السودانية وكيفية بناء علاقة أكثر عدلاً بين المركز والأقاليم.
كما أن دعوة المفكر محمود محمد طه إلى أن “يتعلم الناس المسؤولية بمباشرة المسؤولية” وأن “يتعلموا الحرية بممارسة الحرية” تكشف عن رؤية تتجاوز مجرد إعادة توزيع السلطات، إلى تصور سياسي وتربوي لبناء الإنسان والمجتمع على أساس المشاركة والمسؤولية والحرية. ومن ثم، فإن إطلاق أحكام عامة عن غياب المفكر محمود محمد طه عن قضايا التهميش، أو عن عدم تناوله لعوامل تخلف السودان، من دون استقراء هذه النصوص وغيرها، لا يكشف فقط عن نقص في الإحاطة بالمصادر، وإنما قد يقود إلى صورة مبتسرة عن طرحه الفكري والسياسي.
وسيأتي التفصيل عن كتاب الدكتور مجدي ضمن كتابنا القادم، وهو بنفس عنوان سلسلة هذه المقالات، ويتناول، إلى جانب كتابي دكتور أمين ودكتور مجدي، كتابات عدد من المثقفين السودانيين عن فكر محمود محمد طه.
وفي تقديري، لا تكتسب هذه الملاحظة أهميتها من الجدل حول قراءة الدكتور مجدي الجزولي وحدها، وإنما لأنها تضع أيدينا على مشكلة أوسع في الكتابات السودانية عن المفكر محمود محمد طه: إطلاق الأحكام قبل استقراء المصادر. وهذه المشكلة هي التي تجعل مراجعة ما كتبه الدكتور أمين حامد زين العابدين في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة، عن المفكر محمود محمد طه أمراً ضرورياً؛ فقبل القول إن المفكر محمود محمد طه لم يشرح عوامل تخلف السودان، ينبغي أولاً الرجوع إلى ما كتبه عن السودان وأقاليمه، وعن التعليم، والحكم، والجنوب، ومؤتمر البجة، والعلاقة بين المركز والأطراف. فالمسألة، في جوهرها، ليست الدفاع عن المفكر محمود محمد طه من النقد؛ وإنما مطالبة بأن يبدأ النقد من الوثيقة، وأن يُبنى الحكم على استقراء كافٍ للمصادر، لا على ما غاب عنها أو ما لم يصل إليه الباحث منها، فضلاً عن الاستيفاء لشروط النقد العلمي. وكان المفكر محمود محمد طه قد دعا إلى ممارسة النقد، وقال إننا لا نرفض النقد، ولكننا ندعو بأن يكون الناس علميين في نقدهم. كما طالب باستيفاء شروط النقد، وقد لخصها في الآتي: الصدق، والعلم، والمسؤولية، والتوازن. وقد ورد تفصيل ذلك في كتابنا آنف الذكر.
نلتقي في الحلقة السابعة (7- 9).

abdallaelbashir@gmail.com

Author

عبدالله الفكي البشير

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منشورات غير مصنفة
اليد الباطشة .. بقلم: عائشة حسين شريف
منشورات غير مصنفة
الصورة والتذكار .. بقلم: د. عبد اللطيف البوني
منبر الرأي
فرجة مكتملة بإنقلاب لم يكتمل ! .. بقلم: ابراهيم عثمان
منشورات غير مصنفة
إِنْتَبِهْ .. أَمَامَكَ تَخَلُّفٌ عَقْلِي! .. بقلم/ كمال الجزولي
بيانات
الحركة الشعبية تتمسك بالتفاوض مع حكومة انتقالية تحظى بقبول الشعب السوداني

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

ترميم

صباح محمد الحسن
منبر الرأي

حوار جنوب أفريقيا.. وحوار الوثبة..!! .. بقلم: نور الدين عثمان

نور الدين عثمان
منبر الرأي

وزير التعليم العالي: البصيرة أم حمد؟ (4)

دكتور محمد عبدالله
منبر الرأي

النخب السودانية ومهادنة أحزاب وحل الفكر الديني والشيوعية السودانية .. بقلم: طاهر عمر 

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss