كعادتي في الأمسيات الرتيبة، كنت أشاهد التلفاز وأتنقّل بين قنواته في ضجر يستنزف ما تبقّى من صبري. تتعاقب الصور، وتتداخل الأصوات، حتى استوقفني عنوان يتوسط الشاشة: «الحرب في السودان». كان فيلمًا وثائقيًا على قناة DW. ظننته واحدًا من تلك الأفلام التي اعتدنا مشاهدتها عن الحروب؛ صورًا للخراب، ووجوهًا للناجين، وشهادات تختصر مآسي طويلة في دقائق، ثم تمضي الكاميرا إلى حكاية أخرى.
غير أن الفيلم خالف توقعي. لم يكتفِ بعرض صور الخراب، بل اقترب من الناس، وأصغى إلى حكاياتهم، ومنحهم وقتًا ليروا ما عجزت الصور وحدها عن قوله. شيئًا فشيئًا، أخذت الكاميرا تقترب من الذين حملوا الحرب في أجسادهم وذاكرتهم، وتتوقف عند تفاصيل حياة أسر كاملة؛ تفاصيل صغيرة قد تغيب عن نشرات الأخبار، ولا تستطيع أرقام القتلى والنازحين أن تحكيها.
توالت الحكايات، وكانت كل واحدة منها تفتح في داخلي بابًا جديدًا للألم. لكن حكاية امرأة واحدة ظلّت عالقة في ذاكرتي أكثر من سواها. كانت تتحدث بثبات مهيب، يظلّله إيمان عميق وتوكّل هادئ. روت رحلتها من الفاشر إلى معسكر الدبة في شمال السودان؛ حكت عن القصف الذي كان يلاحقهم، وعن العطش الذي رافقهم في الطريق. أمضوا يومين تقريبًا يتقاسمون كوبًا صغيرًا من الماء، حتى نفد ما معهم تمامًا. ثم عثروا على ماء في ماكينة العربة. كان أخضر، ومع ذلك شربوه. ظننت أن هذه كانت أقسى محطات الحكاية، لكن المرأة مضت في شهادتها. قالت إن بناتها شربن البول وخلطْنه بالبسكويت، وإن شبابًا آخرين اضطروا إلى شرب بولهم. عندها، غلبتني الغصّة، حتى كدت أعجز عن متابعة المشاهدة. ولم يكن العطش سوى وجه واحد من أوجاع رحلتها؛ فقد حكت أيضًا عن فقدان ثلاثة من أبنائها وابن أخيها. كانت تتحدث عن النجاة، فيما تحمل في ذاكرتها خسارات لا يمحوها الوصول إلى مكان آمن. في تلك اللحظة، لم أعد أشاهد فيلمًا عن الحرب. كنت أرى الإنسان حين تُنتزع منه أبسط مقومات الحياة: الماء، والطعام، والبيت، والطريق الآمن، وحتى حق الاختيار.
وأنا أستمع إلى حكاية هذه المرأة، وجدتني أفكر في الذين غادروا بيوتهم على عجل، وهم يظنون أن الغياب لن يطول، وأن ما تركوه خلفهم سيظل في انتظار عودتهم. ربما خرجوا دون أن يتاح لهم الوقت ليلتفتوا، أو ليتخيلوا أن أشياء ألفوها طويلًا قد تصبح بعيدة عنهم. صورة معلقة على الحائط، وثوب في خزانة، وكوب اعتاد أحدهم أن يشرب فيه قهوته كل صباح. أشياء صغيرة لا تستوقفنا كثيرًا حين تكون في أماكنها، لكنها تكتسب معنى آخر حين نفقد القدرة على العودة إليها. وأفكر في كل ما انقطع برحيلهم؛ في أعمار كان يفترض أن تمضي على مهل، وأحلام لم تكن تحتاج إلى أكثر من فرصة لتنمو، وفي غدٍ كان يشبه الأمس، قبل أن يصبح المجهول أقرب إليهم من الحياة التي يعرفونها. لا أملك أمام كل هذا الفقد إلا أن أتمنى أن تتوقف الحرب، وأن يستعيد الناس حقهم في حياة آمنة، وأن يأتي يوم تتسع فيه الحياة من جديد لأحلامهم الصغيرة.
“وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة” محمود درويش
د. إيمان المازري
