بسم الله الرحمن الرحيم
أ.د. أحمد محمد أحمد الجلي
ahmedm.algali@gmail.com
إنَّ قضية التكفير والحكم على المخالفين بالمروق من الدين، من المسائل التي أثيرت خلال التاريخ الإسلامي من قبل بعض الجماعات،لا سيما من قبل الخوارج الذين لم يكفروا فقط من خالفهم الرأي،بل قاتلوه واستباحوا دمه وماله .وترتب على إثارة قضية التكفير بتلك الحدَّة التي أثارها الخوارج، نتائج عملية كان لها أثر سالب في حياة المجتمع الإسلامي واستقراره. وتعود المسألة في أصولها العقدية ، إلى الاختلاف حول مفهوم الإيمان،الذي رغم وضوح مدلوله القرآني وتأكيد ذلك المدلول في سنة الرسول ،فإنَّ جماعات عديدة اختلفت آراؤها حول حقيقة الإيمان. وحاصل هذه الآراء، كما يقول الامام الطحاوي(238 هـ / 852م-، 321هـ/933م) ، شارح العقيدة الطحاوية :يرجع إلى أنَّ الإيمان إما أن يكون بالقلب واللسان وسائر الجوارح، كما ذهب إليه جمهور السلف من الأئمة الثلاثة ( ابو حنيفة ومالك والشافعي )،وغيرهم ، أو بالقلب واللسان دون الجوارح كما ذكره الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه ، أو باللسان وحده كما قالت الكرامية( اتباع محمد بن كرّام)، أو بالقلب وحده وهو: إما المعرفة، كما قال الجهم بن صفوان ، أو التصديق، كما قاله أبو منصور الماتريدي.وقد تبنى الخوارج الرأي الأول ولكن اختلفوا عن السلف في أنَّهم ساووا بين الخطأ في العمل والخطأ في الاعتقاد،ومن ثم كفروا كل من ارتكب معصية أو ذنباً وأخرجوه من الملّة،وبهذا لم يسلم من أحكامهم القاسية سوى المنتمين إليهم.
ولكن ظاهرة التكفير لم تقتصر على الخوارج، بل سرعان ما سرت إلى بعض الطوائف والفرق التي تباينت آراؤها حول بعض المسائل السياسية (الشيعة والسنة)،أو العقدية( الفرق الكلامية: المعتزلة والاشاعرة والماتريدية وغيرهم) ،وأسهم الجدل الكلامي والفلسفي فيما بعد، في إثارة ذلك الاختلاف،وانتشار الظاهرة وتعميقها. فالجاحظ المعتزلي،(ت:255ﻫ)، يقول: ” ما علمنا فرقة من أهل الملَّة سلمت من ذلك، (يعنى التكفير) ، فهذه الخوارج يكفر بعضها بعضاً ، وهذه الروافض( الشيعة) يكفر بعضها بعضاً . وهذه المجبرة فرق مختلفة وبعضها يكفر بعضاً .. فهو ( أي التكفير )، لازم لفرق الأمة أجمعين”، (انظر: كتاب الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد (الخياط)، ص:55.)
وامتد الزمان بهذه الظاهرة إلى عهد الإمام أبي حامد الغزالي، (450-505هـ )، الذي وضع كتابه:” فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة”، لمعالجة هذه الظاهرة، وشكا أيضاً من تفشيها ، قائلاً: ” إنَّ كل فرقة تكفر مخالفها ،وتنسبه إلى تكذيب الرسول ، فالحنبلي يكفر الأشعري، زاعماً أنَّه كذب الرسول فى إثبات الفوق لله تعالى، وفى الإستواء على العرش . والأشعري يكذبه زاعماً أنَّه مشبه، وكذب الرسول في أنَّه تعالى ليس كمثله شيء ، والأشعرى يكفر المعتزلي زاعماً أنَّه كذب الرسول فى جواز رؤية الله تعالى، وفى إثبات العلم والقدرة والصفات له ، والمعتزلي يكفر الأشعري زاعماً أنَّ إثبات الصفات تكثير للقدماء وتكذيب للرسول فى التوحيد”( فيصل التفرقة: “الغزالي” ص: 50).
وقد نهى الغزالي وحذر من التكفير فقال في كتابه”الاقتصاد في الاعتقاد:” والذي ينبغي أن يميل المحصِّلُ إليه الاحترازُ من التكفير ما وجد إليه سبيلًا، فإن استباحة الأموال والدماء من المصلين إلى القبلة، المصرحين بقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، خطأ، والخطأ في ترك تكفير ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم امرئ مسلم، وقد قال : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ»] (ص: 157).
والغزالي -رغم تحذيره هذا- لم يسلم من هذه الممارسة،فقد شنَّ حملة شعواء على من عرفوا بالفلاسفة المسلمين لا سيما ابن سينا (370- 427 هـ/980- (1037م، والفارابي،:( 260 – 339 ه/ـ874- (950م. وتعرض في كتابه:” تهافت الفلاسفة”،وبطريقة منهجية لمقولاتهم،وبيَّن تهافت حججهم في سبع عشرة مسألة،وعلى تكفيرهم في ثلاث مسائل:قولهم بقدم العالم،وأنَّ الجواهر كلها قديمة،وقولهم أنَّ الله تعالى لا يحيط علماً بالجزئيات الحادثة من الأشخاص،والثالثة إنكارهم بعث الأجساد وحشرها.
وبصرف النظر عن صحة أحكام الغزالي على الفلاسفة،أو عدم صحتها، فإنَّ ظاهرة التكفير استمرت في المجتمعات العربية والإسلامية ، وشملت دوائر بعض المتكلمين والفلاسفة وبعض الصوفية والفقهاء وغيرهم،وانتهت ببعض اتباع تلك التيارات إلى القتل.وفي العصور المتاخرة ،ظهرت بعض الجماعات التي حملت لواء التكفير، ولعل من أشهرها في العصور الحديثة،”جماعة التكفير والهجرة”،التي كفرت مرتكبي الكبائر الذين لم يتوبوا منها، كما كفرت الحكام والمحكومين والعلماء ، واختارت الهجرة مسلكاً للهروب من عالم الجاهلية والفساد(حسب وصفهم للمجتمعات الإسلامية) ،ودعت إلى مفارقة الجماعة وهجرة مجتمع المسلمين. و هجر أصحابها المساجد، وتخلوا عن صلاة الجمعة والجماعة، وهجروا التعليم والمدارس، والوظائف الحكومية، كما هجروا المجتمعات الإسلامية بمن فيها. ثم تتالت الجماعات التكفيرية في مختلف انحاء العالم الإسلامي،رافعة شعار الحاكمية،وتطبيق الشريعة الإسلامية,،موجهة سلاحها الى كل من خالفها الرأي واختلف معها في المنهج ،فأشاعت الرعب بين المسلمين وغير المسلمين ،وأسالت كثيراً من الدماء وأزهقت العديد من الأرواح البريئة باسم الإسلام وشرعه ،والإسلام من تلك الأفعال براء.ولم يقف خطر تلك الجماعات المتطرفة على المسلمين، بل أصبحت تمثل تهديداً للعديد من البلاد والعباد .ولعل خير من يمثل هذه الظاهرة في عصرنا هذا، ما عرف بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام( داعش)،الذي دعا الي اقامة دولة اسلامية واطلق عليها الدولة الاسلامية في العراق وسوريا ، وقد قدمت- بما ارتكبت من جرائم- إساءآت بالغة -على مستوى العالم- الى الإسلام والمسلمين ،وأصبح اسم المسلم مرتبطاً في كثير من الدول لا سيما الدول الغربية ،باسم الإرهاب والعنف. وانتهزت الدوائر المعادية للإسلام ،هذه الفرصة فوجهت سهام نقدها وهجومها على الإسلام نفسه متهمة إياه بتشجيع ظاهرة العنف والأرهاب ، وأنه دين تدمير ،وحرب وعدوان،وبهذا أصبح المسلمون والإسلام في قفص الإتهام.
ولم يكن السودان استثناء من هذه الظاهرة ،,ويذكر ان أول ظهور لفكر التكفير في السودان المعاصر كان على يد رجل يدعى أبو الحسن علي السماني في السبعينات من القرن العشرين، الذي ينسب اليه انه ألف وطبع كتاباً جامعاً لمعتقدات مجموعته، أسماه (أصنام وعاكفون)، عكس فيه ما يقرب من أفكار جماعة التكفير والهجرة المصرية، إلا أنه سرعان ما تراجع عن أفكاره التكفيرية، وأخرج كتابا آخر أطلق عليه (التحذير من مجازفة التكفير)، أوضح فيه أن التكفير والتفكير ضدان لا يجتمعان.والرجل على كل مصدر شك في كل مانسب اليه،لا سيما وان اسمه ظهر فيما بعد ،،كمدرس للخط العربي في كلية الفنون الجميلة بالخرطوم، وانه انتقل إلى السعودية في مطلع الثمانينيات، حيث عمل في مجال الطباعة والتصحيح، قبل أن يتجه إلى البحث في الشؤون الإسلامية. كما أشار مقال نشرته المجلة العربية بعنوان «فن الخط العربي في السودان.. تاريخه.. مدارسه وأهم رموزه» إلى من عرف بالبروفيسور أبي الحسن علي السماني بوصفه شخصية بارزة في جمعية الخطاطين السودانيين، وإلى نشاطه في تدريس الخط العربي في أفريقيا. وويذهب البعض الى أن هذه الإشارات تتعلق بالشخص الذي دعا الى التكفير ثم تراجع عنه ، خصوصاً في ضوء الرواية التي تتحدث عن دراسته الخط العربي في الخرطوم.( انظر : المجلة العربية، فن الخط العربي في السودان.. تاريخه.. مدارسه وأهم رموزه»العدد (601) .)
ومثّلت فترة الثمانينيات من القرن العشرين ،فترة إنتعاش الفكر التكفيري في السودان، حيث شهدت تمدده أفقيا ورأسيا، وتكونت خلايا ومجموعات تكفيرية، ظهرت في تشكيلات ومجموعات صغيرة في مناطق متفرقة بالبلاد مثل: منطقة (أبوقوتة) بولاية الجزيرة بوسط السودان، ومنطقة (الفاو) بولاية القضارف بشرق السودان،ومناطق الدمازين وما حولها في ولاية النيل الأزرق جنوب شرق السودان، ثم ظهر أفراد في مدن الدويم وكوستي بولاية النيل الأبيض بوسط السودان، كما ظهر بعض التكفيريين في العاصمة الخرطوم، واستوطن بعضهم في أحياء أم درمان (الفتيحاب – أم بدة – الثورات) والكلاكلات، كما ظهروا في الولاية الشمالية في بعض قرى ديار المحس.(انظر: السودان .. من الغلو الخُليفي إلى الدولة الاسلامية في مصر والسودان (دامس)، محمد خليفة صديق).
وقد شمل الحكم بالتكفير بعض الرموز الاسلامية كالدكتور الترابي والسيد الصادق المهدي رحمهما الله وغيرهم من المفكرين السودانيين. فقد اعلن الترابي بعض الاراء العقدية ،حول إنكار نزول المسيح عليه السلام وعودته ، وظهور المهدي، وبعض الأحكام الفقهية حول جواز تزوج المسلمة بكتابي وجواز إمامة المرأة للرجال ،و مساواة شهادة المرأة بشهادة الرجل على إطلاقها، اضافة الى بعض آرائه المتعلقة بالحجاب وغيرها ،وقد أثارت تلك الآراء موجة من ردود الفعل بلغت درجة من الحدة إلى رميه بالدجل والزندقة والكفر، والحكم بخروجه من الملة والدين. ووصفت منظمات شرعية رسمية(مجمع الفقه الإسلامي) تلك الآراء بأنها مخالفة للكتاب والسنة وما استقر عليه عمل المسلمين، وطالب المجمع الترابي بالتوبة إلى الله. بينما اصدرت (الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان)، حكمها بكفره،كما طالبت الرابطة الدولة بتفعيل تلك الأحكام وتنفيذ حكم الردة فيه ،وفي أبريل/مايو 2006 أصدرت الرابطة بيانًا وكتيبًا حول آراء الترابي، واعتبرت عددًا منها مما يُخرجه من ملة الإسلام،ومن بينها بحسب ما نقلته مصادر صحفية عن بيانها:إباحة زواج المسلمة باليهودي أو المسيحي. اعتبار اليهود والنصارى مؤمنين وليسوا كفارًا،وإنكار حد الردة،و بعض آرائه في السنة والأنبياء،و إنكار نزول المسيح، جواز إمامة المرأة للرجال. وبعض الآراء الأخرى المتعلقة بالمرأة والحجاب. وقد قال الشيخ الأمين الحاج محمد أحمد، رئيس الرابطة آنذاك في مقابلة مع الجزيرةإن من الأسباب التي كفّر بها الترابي إباحته للردة وإنكاره حد الردة، وأضاف أن هناك أسبابًا أخرى كثيرة ( الجزيرة نت: الرابطة الشرعية بالسودان تتهم الترابي بالكفر ). اما الترابي نفسه فقد تمسك بأن هذه الآراء تدخل في باب الاجتهاد وتجديد الفكر الإسلامي، ولم يقبل وصفها بالردة وقد اعترضت بعض أطرافًا سياسية وحقوقية على مسعى بعض أعضاء مجمع الفقه لتشكيل محكمة شرعية لاستتابة الترابي أو الحكم بردته، بينما ظل الترابي يعتبر آراءه اجتهادات في تجديد الفكر الإسلامي،(ولفائدة القراء اود الاشارة الى درسة احسب انها علمية جادة ،قام بها الدكتور محمد مختار الشنقيطي عنوانها: اراء الترابي من غير تكفير ولا تشهير،هدف بها -كما يقول- الى دفع داء التكفير والتشهير الذي يستسهله البعض اليوم، والحث على أخذ المسائل الشرعية بمأخذ الجد دون تعجل. https://archive.org/details/m_946_201807)
كما تعرّض السيد الصادق المهدي ايضاً لاتهامات صريحة بالتكفير أو بالوقوع في أقوال عُدّت عند بعض التيارات الإسلامية خروجًا على الدين، ومن تلك الاقوال قوله، في سياق اجتهاده حول قضايا المرأة:أن الحجاب بمعنى تغطية الرأس ليس فريضة دينية ملزمة بالصيغة التي يقول بها الفقه التقليدي،كما قال بجواز أن تصلي المرأة بمحاذاة الرجل في بعض الحالات، مستندًا إلى قراءته للنصوص ومقاصد الشريعة،وتأكيده أن المرأة مساوية للرجل في أصل الإيمان والتكليف، وأن كثيرًا من الأحكام المتعلقة بالمرأة تحتاج إلى إعادة نظر في ضوء مقاصد الشريعة. وقد وصفت الرابطة الشرعية للعلماء في السودان بعض آرائه بأنها “كفر”، بينما طالبت هيئة علماء السودان بمراجعتها.
وبصرف النظر عن صحة تلك الاجتهادات أو بطلانها،فإن ظاهرة التكفير،لم تكن الأولى في السودان، ولن تكون الاخيرة ،فقد سبقتها أحداث أخر لعل من أشهرها : ظهور جماعات متطرفة رفعت شعار التكفير لكل من خالفهم الرأي، واعتدت على المساجد وبعض الأفراد.ووقعت منها احداث لعل من اشهر ها ما وقع من اشتباكات نهاية عام 1993م، في منطقة “كمبو عشرة”، التي تقع بالقرب من مدينة مدني وسط السودان،بين مجموعة تكفيرية والشرطة، أدت إلى مقتل مايزيد عن 17 من الجماعة. كما ان من ابرز تلك الحوادث المجزرة الدموية التي ارتكبت في الرابع من شباط/فبراير 1994 م،وأطلق فيها الجناة النار على المصلين في صلاة الجمعة في مسجد «أنصار السنة» في منطقة الثورة/ الحارة الأولى في مدينة أم درمان، ونفذ ذلك الهجوم المسلح شخص يدعى محمد عبد الله عبد الرحمن الخليفي (ليبي الجنسية) مع ثلاثة آخرين، حيث أوقع 16 قتيلاً، وجرح ما يزيد عن الثلاثين مصلياً، ثم جاءت حادثة أخرى تمثلت في إطلاق النار على المصلين في مسجد أبي بكر في حي الجرّافة شمالي مدينة أم درمان، وكانت في التاسع من كانون الأول/ديسمبر 2000 أثناء أدائهم لصلاة التراويح، وتعد من أكبر حوادث العنف والغلو، حيث قتل فيها (24) مواطناً، من بينهم أطفال، وجرح ما يزيد عن الأربعين، عندما هاجم رجل يُدعى عباس الباقر
أما حي ،”السلمة” فهو أحد أحياء جنوب الحرطوم، فقد انفجرت فيه قنبلة في 2007 بأحد المنازل، وقاد الانفجار إلى مقر خلية مسلحة، كانت تنتوي “مجاهدة” القوات الأجنبية (الأممية) في إقليم دارفور (غرب- ويشهد اشتباكات بين متمردين وقوات حكومية منذ 2003)، وفق ما تم إعلانه رسميا آنذاك.
وتعددت الحوادث خلال السنوات الماضية ومن ضمنها ما وقع فجر اليوم الأول من عام 2008م، عندما اغتيل الدبلوماسي الأميركي غرانفيل وسائقه السوداني عبد الرحمن عباس بالخرطوم بواسطة شباب يحسبون على تنظيم القاعدة .
وفي السنوات الأخيرة برز صراع بين مشائخ الطرق الصوفية، وجماعة من السلفيين “أنصار السنة”، فمنذ العام 2012 تكررت الإشتباكات بين الطائفتين اثناء احتفالات المولد النبوي الشريف، ما أدى إلى وقوع إصابات بينهما، حيث يرفض “السلفيون إقامة احتفالات لميلاد النبي ،بدعوى عدم وجود أصل لذلك في الكتاب والسنة.وفي المقابل، اعتاد أهل السودان على اختلاف طوائفهم لا سيما الصوفية ،الاحتفاء بميلاد المصطفى، واحياء الليالي ، بالمدائح النبوية والذكر، والأناشيد الدينية. ولا زال التوتر بين الجماعات السلفية وبعض الطرق الصوفية يتجدد كل ما اقترب الإحتفال بالمولد.
ومما زاد التوتر حدة ظاهرة الدعاة ممن عرفوا بالجامية ،الذين اتخذوا من الشوارع والميادين العامة ساحة للخطاب الدعوي،والحديث عما يرونه بدعة وضلال في مسائل فقهية تتنازعها الاختلافات والتباين في وجهات النظر ،واختيارهم للمقابل الصوفي لرميه بكل مشاكل المجتمع ،واختيار شخصيات ورموز إسلامية ورميها بتهمة الكفر والمروق من الدين،مع غلظة في الخطاب وحدة في التناول وتشنج في الاتهام.وتجنب المنهج القرآني في الدعوة والجدال بالتي هي أحسن.وقد دار موضوعهم الرئيسي حول العقيدة وجعلوها محور احاديثهم ودعوتهم وهم في هذا محقون لمكانة العقيدة في جوهر الاسلام وانه تنبني عليها وتنطلق منها كل نشاطات المسلم في جوانب حياته المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ،وفيما عدا ذلك فقد ركزوا على نقطتين : في الجانب السياسي:طاعة ولي الامر وتحريم الخروج عليه مهما ارتكب من موبقات،وتجريم التحزب واعتباره بدعة قد تخرج من ينادي بها او يمارسها من الدين.وحجتهم في ذلك ان اي تحزب وتكوين مجموعة في شكل حزب سياسي، من البدع التي تستلزم الكفر!!!.(لمعرفة المزيد عن الجهمية راجع مقالة النظام السياسي الاسلامي (2)على الرابط التالي النظام السياسي الاسلامي (2) – سودانايل) .
وقد ذهب بعض المناهضين للاسلام،والمعادين لتوجهاته، الى ان ظاهرة التكفير تعود الى الإسلام الذي شجع على معاداة الآخر، وحارب كل مخالف له في المعتقد ،وهذه فرية ساقطة سبق ان دفعناها في مقال سبق ان نشر على هذا الموقع،( انظر: علاقة المسلم مع غير المسلم في المنظور الإسلامي: بين المبادئ الإسلامية والممارسة العملية ،موقع سودانايل: 21 أيلول/سبتمبر 2020)،ويمكن تكرار القول بأن الإسلام بريئ من هذا المنهج التكفيري، وان المسلمين الاوائل تنبهوا الى هذا المنحى الذي سلكته بعض الجماعات ونسبت موقفها الى الإسلام،ومن ثم جاءت معالجتهم للموضوع من خلال سوق النصوص التي تدل على غير ما ذهبت اليه تلك الجماعات المتطرفة التي شهرت سلاح التكفير ضد خصومها،ورمت كل من خالفها الرأي بالكفر والخروج من الملة كما اشرنا الى بعض من هؤلاء.
وحقيقة إذا ما رجعنا إلى الشريعة الإسلامية،نجد أنَّ مصطلح الكفر في اللغة يدل على الستر والتغطية،و الزراع سموا كفاراً ، لأنَّهم يسترون الحب بالتراب ويغطونه ،كما ورد في قوله تعالى: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً) الحديد:20. واستخدم المصطلح للدلالة على كل اعتقاد أو قول أو فعل ينقض أركان الإيمان.كانكار الألوهية والربوبية لله تعالى ،أو الرسالة للانبياء، أو انكار ما جاء به الرسول ،أو جحد شيئاً مما ثبت بالنصوص القطعية الثبوت والدلالة، إلى غير ذلك من المكفرات التي اعتبرت مخالفة للفطرة.
والكفر بهذا المفهوم قسمان:
كفر أصلي ،وهو كفر كل من لم يقر بالشهادتين. ومنه كفر المشركين،من أصحاب الديانات الوثنية والوضعية،والملاحدة الذين أنكروا وجود الله تعالى،.و كفر أهل الكتاب (اليهود والنصارى)،ممن لم يقروا لمحمد بالرسالة،فهؤلاء كلهم يطلق عليهم مصطلح الكفر كما تدل على ذلك قطعيات النصوص والاجماع.وهذا الكفر وصف لحالة لا يترتب عليها من قبل المسلمين عمل عدائي ،بل غاية ما هناك دعوة هؤلاء الى الإيمان والإقرار برسالة الرسول عليه السلام.وكل آيات القرآن الكريم تدل على امكانية التواصل مع هؤلاء،رغم وصمهم بالكفر،والتعاون معهم ما داموا غير مقاتلين ،ولم يظهروا العداوة للمسلمين. وعلى هؤلاء تُحْمَل الآيات التي أمر الله فيها بالسلم، وأباح فيها الإحسان للكفار، كقوله تعالى 🙁 لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ “) “الممتحنة 8.”وذلك لأنَّ الحكم في قضية الكفر والايمان-كما تدل على ذلك النصوص الشرعية- شأن أخروي مرده إلى الله تعالى يوم القيامة: (وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ، اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) الحج: 68-69. ،( وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ، كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) البقرة:113.
والثاني الكفر غير الأصلي ( الطاريء).وهو الكفر الذي يقع فيه من كان على أصل الإسلام،من أهل القبلة ( المسلمين).وهو نوعان:
الكفر الأكبر الذي يخرج المسلم من الملَّة بالنسبة لأحكام الدنيا،ويوجب له الخلود في النار بالنسبة لأحكام الآخرة،وهو، المناقض لأصل الإيمان.
والكفر الأصغر، الذي يوجب لصاحبه الوعيدب العذاب دون الخلود في النار،و لا ينقل صاحبه من ملَّة الإسلام بل يدمغه بالفسوق أو العصيان.وهو لا يخرج من الملَّة ،وهو الذي يقود الى نقص الإيمان .وله صور كثيرة يدخل فيها كل ما أطلق عليه النبي لفظ الكفر من الأقوال والأفعال والأحوال ،مثل قتال المسلم،وضرب المسلمين بعضهم رقاب بعض ،وقوله:” إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما”. إلى غير ذلك من الأحاديث التي ورد فيها اطلاق الكفر.والكفر بالمعنى الأول يقابله الإيمان،فيقال مؤمن وكافر،كما في قوله تعالى:( فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ )، البقرة:253. والكفر بالمعنى الثاني يقابله الشكر،فالإنسان إما شاكر للنعمة أو كافر بها.قال تعالى:( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)، الإنسان:3. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي أنَّه قال:”رأيت النار فإذا أكثر أهلها النساء،يكفرن،قيل أيكفرن بالله؟ قال: يكفن العشير ،ويكفرن الإحسان،لو أحسنت إلى احداهنَّ الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت:ما رأيت منك خيراً قط”(،صحيح البخاري الرقم29
،مسلم الرقم: 907 ).
وفي تفسير قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ) المائدة:44. قال ابن عباس ليس بكفر ينقل عن الملة،وقال عطاء بن أبي رباح:” كفر دون كفر”. هذا الكفر متردد بين أن يكون كفرًا أصغر أو كفرًا أكبر، فالحاكم، بغير ما أنزل الله مستحلًا له وجاحدًا لحكم الله، أو يرى أن حكم القوانين التي وضعها البشر أحسن من حكم الله، فهو كافر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة؛ وأما من غلبه هواه فحكم بغير الشرع مع اعترافه بالحق، فهو مخطئ آثم, ولا يخرج عن الملة. ويمكن ان يطلق عليه أنه كافر كفرًا أصغر لا يخرج عن الملة، وهذا هو المقصود بقول ابن عباس – رضي الله عنهما: إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه, إنه ليس كفرًا ينقل عن ملة: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} كفر دون كفر.
وقد .احتاط الشرع في اطلاق لفظ الكفر على المسلم احتياطاً شديداً،وأوجب التثبت في ذلك لامرين: أولهما: أنَّ الكفر بهذا المفهوم تترتب عليه آثار عملية ،و يلحق من يوصم به أحكام في الدنيا قبل الآخرة, من ذلك استحلال دمه إذا لم يتب عن ردته، كما يفقد حق النصرة والولاية من المجتمع الإسلامي،فلا يُغسَّل بعد قتله، ولا يُكفَّن و لا يُصَلَى عليه،و لا يدفن في مقابر المسلمين.كما أنَّه لا يرث و لا يورث،و لا يحل لزوجته البقاء معه، حيث يفسخ عقد الزواج تلقائياً ويفرق بينهما، ،ويحكم عليه بالخلود في النار ،والحرمان من الجنة.وثانيهما: لما ورد في القرآن والسنة، من التحذير من تكفير المسلم ،كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً)، النساء: 94. ومثل قوله : ” أيَما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما،إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه” ، وقد سيق الحديث لزجر المسلم من أن يقول ذلك لأخيه المسلم ،وقيل معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره،فمعنى الحديث: فقد رجع عليه تكفيره،فالراجع التكفير لا الكفر،فكأنه كفر نفسه لكونه كفر من هو مثله”.”.( انظر:فتح الباري بشرح صحيح البخاري (للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني)،. 10/466.).
يتبع….
أ.د. احمد محمد احمد الجلي
