عاشق النورين
( قصة قصيرة)
محمد صالح محمد
كان يعلم علم اليقين أن النجوم تبحث عنها في أطراف العتمة فلا تجدها، وأن الليل ما هو إلا ستار ثقيل تفرضه السماء خوفاً من أن تحرق عيون الناظرين بضياء وجهها.
لذلك كان يصبر على وحشة الظلام طوال لياليه الطويلة، مرتقباً بفارغ الصبر تلك اللحظة المقدسة حين تنفجر أنفاس الفجر الأولى على خط الأفق البعيد، معلنةً ميلادها اليومي المتجدد.
لم يكن يرى في الشمس مجرد نجمة دافئة في كبد السماء، بل كان يراها تجسيداً حياً لملامح تلك المعشوقة التي غابت، فاستوطنت روحه إلى الأبد. ففي كل شروق كانت عيناه ترتشفان من نورها طمأنينة الغائب الحاضر، وكأن شعاعها الذهبي الممتد على صفحة المياه ليس إلا خصلات شعرها الطويل المنسدل بلا قيود تداعبه رياح الفجر الحانية.
أما البحر فكان مرآتها العميقة وصندوق أسرارها الذي لا ينضب. كان يجلس الساعات الطوال على الشاطئ الصامت، لا يكلم أحداً، بل يكتفي بالإنصات إلى هدير الأمواج وهي تترنم باسمها على الرمال الناعمة، كأن البحر قد حفظ نبرة صوتها لكثرة ما بثته النغمات والآهات في صدور الصدفات.
وحين يشتد الشوق، ويلامس مد البحر قدميه، كان يغمض عينيه ليستشعر دفء يديها الطريتين تمسحان جراحات أيامه.
وفي ساعات الغروب الحزينة، حين كانت الشمس تميل تدريجياً نحو الاحتضان الأبدي في حضن الماء، لم يكن يرى في ذلك المشهد وداعاً، بل كان يراه موعداً متجدداً للعناق الأبدي. كان يبتسم في دموع صامتة، مدركاً أن الشمس والبحر هما الروح والجسد لحبيبته التي أبت أن تفارقه، فالتجأت إلى الطبيعة لتسكن فيها أبد الدهر، ولتبقى قريبة جداً من قلب لم ينسَ عهدها يوماً.
