نزار عثمان السمندل
يخالجك الشعور أحيانا بأن الفتوى تموت حين يسقط من صيغت لأجلهم من الطغاة، لكن ذلك لا يحدث. تظل باقية بينما تبدّل عنوانها فقط.
تتغير أسماء الطغاة، ويبقى فقه البلاط يؤدي المهمة نفسها: توفير غطاء أخلاقي للسلطة، ومنح قراراتها حصانة دينية، وتحويل الخصوم إلى عُصاة، ثم إلى بُغاة، ثم إلى أهداف مشروعة.
آخر حلقات هذا المسار جاءت مع فتوى عبدالحي يوسف التي حرّم فيها الانضمام إلى الحركات المسلحة، انطلاقا من أنها “تمرد على سلطان الدولة”. تبدو العبارة للوهلة الأولى دعوة إلى تجنيب البلاد مزيدا من الدماء، لكنك حين تتمعّن تجدها تحمل السؤال القديم نفسه: متى أصبح السلطان هو معيار الحق، حتى إذا تغير وجه السلطة بقيت الفتوى أسيرة الكرسي لا أسيرة الضمير؟
تاريخ عبدالحي يوسف لا يبدأ بهذه الفتوى، ولا ينتهي عندها. الرجل ظل سنوات طويلة أحد أبرز الأصوات التي وفرت الغطاء الديني لنظام الطاغية عمر البشير، حتى عندما كانت السجون تمتلئ بالمعارضين، والفساد ينهش مؤسسات الدولة، والبطش ينكّل بالثوّار الشباب والكنداكات، والحروب تلتهم أطراف البلاد.
لم يكن عبدالحي يسمع أنين الضحايا بقدر ما كان يسمع نبض القصر. وحين سقط النظام، لم يسقط معه ذلك المنهج، لأن المشكلة لم تكن في الحاكم وحده، وإنما في الفقيه الذي جعل من السلطة بابا إلى النص، بدلا من أن يجعل النص ميزانا للعدل.
ثم جاء انقلاب البرهان، فوجد من يصفق له باسم الضرورة، أو يبرره باسم حماية الدولة، أو يلتف حوله بمفردات شرعية تلبس القوة ثوب التكليف.
وعندما انفجرت الحرب التي مزقت البلاد، لم يتوقف هذا الخطاب ليسأل؛ من أوصلنا إلى هذا الدمار الواسع؟ ومن فتح أبواب الجحيم أمام ملايين السودانيين؟ بل انشغل مرة أخرى بتحديد من يملك حق حمل السلاح، وكأن أصل المأساة ليس الاستبداد، وإنما ردود الفعل عليه.
الفتوى التي لا ترى سوى الخارجين على الطاغية، وتتجاهل خروج الطاغية على شعبه، ليست اجتهادا دينيا، وإنما موقف سياسي يرتدي عباءة الفقه.
الدين لا يصبح عدلا لأنه يقف مع الدولة، كما لا يصبح ظلما لأنه يقف مع المعارضة. العدل يقاس بميزان الحق، لا بميزان القوة، وبكرامة الإنسان، لا بكرسي الحاكم.
أخطر ما يفعله فقهاء الطغاة أنهم لا يقتلون الحقيقة مباشرة، وإنما يرهقونها بالتأويل. يجعلون الظلم شأنا قابلا للنقاش، والاستبداد خلافا فقهيا، والقتل قضية تحتمل أكثر من رأي. عندها يتحول الدين، الذي جاء لتحرير الإنسان من عبادة البشر، إلى أداة تمنح البشر حق السيطرة على مصائر الناس باسم السماء.
ليس المقصود هنا محاكمة الأشخاص، وإنما محاكمة الفكرة التي تجعل الفقيه تابعا لمن يطغى. فالعالم الذي يفقد استقلاله، يفقد أهم ما يملك. وحين تصبح الفتوى مرتبطة ببقاء الحاكم أو سقوطه، تتحول إلى بيان سياسي مكتوب بلغة دينية، وتفقد قيمتها الأخلاقية قبل أن تفقد قيمتها العلمية.
السودان لم يدفع هذا الثمن بسبب البنادق وحدها، وإنما أيضا بسبب الكلمات التي مهدت للبنادق الطريق. كلمات أقنعت الناس أن طاعة السلطة فضيلة مطلقة، وأن الاعتراض فتنة، والمطالبة بالحرية باب للفوضى. وعندما انفجرت البلاد، لم تجد تلك الكلمات شجاعة الاعتراف بدورها في صناعة الكارثة.
الشواهد وفيرة في هذا الوطن المُبتلى، كلها منصوبة في العراء وتحمل السؤال وتعلقه فوق كل فتوى تصدر في زمن الدم: هل خرجت من قلب يخاف على الناس، أم من عقل يخاف على السلطان؟ بين الإجابتين تاريخ شاهق من الألم، وتاريخ آخر من المتاجرة بالدين. وفي السودان، كان ثمن هذا الخلط أكبر من أن تحصيه كتب الفقه، لأنه كتب هذه المرة بدماء شعب كامل.
