بدايةً، لا بد من تزجية الشكر والثناء العميق للجهد الفكري والتحليلي الرفيع الذي بذلته الدكتورة ناهد محمد الحسن، واجتهادها المشهود والمقدر في تنوير الرأي العام والاشتباك مع القضايا الوطنية الملحة بحس نقدي عالٍ
إن الطرح الوارد في هذه السطور لا يأتي من باب الخلاف الفكري أو التقاطع مع خلاصاتها النفسية-السياسية الرصينة، بل يتنزل كقراءة من “زاوية أخرى”؛ نظرة تحاول تفكيك مواقف المشير عبد الفتاح البرهان من منظور عقيدة المؤسسة العسكرية الصلبة وإستراتيجيات القوة، إثراءً للنقاش وتوسيعاً لآفاق الرؤية في هذه اللحظة التاريخية المعقدة
يرتكز الخطاب السائد في تحليل شخصية عبد الفتاح البرهان على اعتباره “فاعلاً حدّياً” أو “مهندس بقاء” يتحرك بمرونة وسط المتناقضات مدفوعاً بغريزة النجاة الشخصية والمؤسسية
إلا أن القراءة العميقة لمساره السياسي والعسكري تكشف عن مقاربة مغايرة البرهان ليس مجرد قائد تفاعلي ينتظر الأحداث ليصنع منها توازنات بقائه، بل هو منفّذ إستراتيجي لعقيدة راسخة في تاريخ الجيش السوداني، تقوم على تفكيك مراكز القوى البديلة واحتكار قرار الدولة
في هذه القراءة، نزيح جانباً فرضية “الغموض والتردد البنيوي”، لنعيد قراءة سلوك البرهان بوصفه مناورات هجومية محسوبة لإعادة إنتاج سلطة “الدولة المركزية”
تفكيك الأسطورة المناورة العنيفة بدلاً من التفاعل السلبي
تُرجع التفسيرات النفسية بطء البرهان وتردده الظاهري إلى سمة “تحمّل الغموض”,و لكن في الواقع السياسي، هذا البطء هو إستراتيجية إنهاك وتأطير للخصوم (Attrition Strategy)
البرهان لا ينتظر الأحداث، بل يدير زوايا اللعبة عبر خطوات حاسمة تُغير قواعد الاشتباك
انقلاب أكتوبر 2021 لم يكن مجرد رد فعل على تقليص الصلاحيات، بل كان خطوة إجهاضية مبكرة لمنع انتقال رئاسة مجلس السيادة للمدنيين وتفكيك نفوذ الوثيقة الدستورية
إدارة ملف الدعم السريع التعايش لسنوات مع محمد حمدان دقلو (حميدتي) لم يكن عجزاً عن الحسم، بل كان مرحلة ضرورية لبناء المشروعية واحتواء القوة الموازية قبل الدخول في مواجهة صفرية حتمية فرضتها شروط دمج الجيوش
عقيدة الدولة المركزية – المشروع الغائب الحاضر
تنطلق القراءات التقليدية من أن البرهان يفتقر إلى “مشروع سياسي” للسودان. بيد أن التدقيق في تحركاته يشير إلى امتلاكه مشروعاً واضحاً ومحدداً , إعادة بناء الدولة السودانية تحت المظلة الحصرية للمؤسسة العسكرية، وتصفية أي تمثيل سياسي أو عسكري يهدد هذا الاحتكار
هذا المشروع لا يحتاج إلى تنظير أيديولوجي؛ فهو يستند إلى إرث ممتد من الحكم العسكري في السودان، حيث يُنظر إلى الجيش باعتباره النواة الصلبة والوحيدة القادرة على حفظ تماسك الدولة وسط التشظي المجتمعي والقبلي
التحالف مع التيار الإسلامي: توافق عضوي لا تبعية وظيفية
تُصنف علاقة البرهان بالإسلاميين غالباً كـ “تبعية متبادلة مؤقتة” تمليها ظروف الحرب
لكن القراءة المغايرة ترى في هذا التحالف امتداداً عضوياً للهيكل التاريخي للقوات المسلحة السودانية
البرهان لم يرث الإسلاموية وظيفياً فحسب، بل يتحرك داخل بيروقراطية عسكرية وأمنية تشكل وعيها وعقيدتها القتالية على مدى ثلاثة عقود عبر هذا التمازج
حضور التيار الإسلامي في جبهات القتال (كتائب البراء بن مالك وغيرها) ليس مجرد حاجة لكتلة بشرية، بل هو إعادة تفعيل للعمق الإستراتيجي للمؤسسة، مما يجعل الانفكاك عنهم مستحيلاً لأنه يعني تفكيك الجيش من الداخل
سقوط “توازن ناش”: حتمية خيار الحسم الصِفري
تطرح المقاربات الدبلوماسية مفهوم “توازن ناش” (الوصول لنقطة لا يجد فيها أي طرف مصلحة في الانسحاب) كمدخل للتسوية مع البرهان عبر تقديم ضمانات شخصية ومؤسسية
إلا أن السلوك السياسي للبرهان يثبت عدم إيمانه بالتسويات النصفية في اللحظات الحرجة
إن طبيعة الصراع الراهن في السودان صِفرية بامتياز؛ فالمؤسسة العسكرية لا يمكنها التعايش مع “جيشين” أو قبول تقاسم السيادة مع سلطة مدنية غير منضبطة برؤيتها
بناءً على ذلك، يصبح استخدام “الزمن كسلاح” ليس لتأجيل الحسم، بل لإعادة صياغة شروط الاستسلام بالكامل
تفسير القبول الظاهري بالمفاوضات (سواء في جدة أو جنيف) لا يعدو كونه مناورة ديبلوماسية لامتصاص الضغوط الدولية، وتوفير غطاء شرعي لتحركات الجيش على الأرض، دون تقديم أي تنازل يمس جوهر السلطة المركزية
القائد كمعبّر عن عقيدة المؤسسة
في الختام، إن اختزال ظاهرة عبد الفتاح البرهان في سمات نفسية كـ “الغموض الإستراتيجي” أو “منطق البقاء الشخصي” يغفل المحرك الأساسي لأفعاله
البرهان يتحرك بوصفه حارس العقيدة المؤسسية الصارمة للجيش السوداني. هو لا يبحث عن مخرج آمن أو تسوية تاريخية تضمن بقاءه الفردي بقدر ما يسعى إلى تسليم الدولة للمؤسسة العسكرية كاملة السيادة، غير مجزأة، وخالية من الشركاء الأقوياء. وطالما ظلت كلفة الحرب تخدم هذا الهدف الإستراتيجي على المدى البعيد، فإن الرهان على مرونته السياسية سيبقى رهاناً على سراب.
zuhair.osman@aol.com
