أحزنني رحيل أستاذنا الدكتور عبد القادر حسن أسحق (1923) قبل أشهر قليلة وهو من أبكار الأطباء واختصاصي العيون. وما أخرني عن نعيه وأنا بالسودان إلا أن مذكراتي عنه (وهي لقاءات صحفية بالصحافي الدولي في أول الألفية الثانية)، كانت بأمريكا. وهو من أبكار الماركسيين. وأذكر أنه تأخر في قفل عيادته ذات ليل في السبعينات ليداويني من علة بالعين خلال أيامي المتخفية عن نظام نميري ككادر متفرغاً بالحزب الشيوعي. وأذكر له أنه اتصل بي يوماً ليثني على ما كتبته عن الدكتور أكولدا ماتير لتقلده عمادة كلية القانون بعد أن مطلته جامعة الخرطوم هذا الحق طويلاً.
متى قرأت أحاديث المرحوم وجدت صحة قولي إن الماركسيين خرجوا من معطف الحركة الوطنية. فهم أعلى مراحل الحركة الوطنية. كان المرحوم طالب طب يقرأ لكتاب مصر ويتطوع لعمل مؤتمر الخريجين. ثم دخل عليه زميل يصغره بكتاب لرفيقنا لينين عنوانه “ثورة الاشتراكيين الديمقراطيين في روسيا”. وقرأه عبد القادر في إنجليزيته ولم يفهم شئياً من سياساته لا لغته. فأعانه زميله. وليس هذا المعين سوى المرحوم الدكتور مصطفى السيد. ولم أنقب في تاريخ الشيوعيين حتى عثرت بهذا الشاب العجيب. فأقرأ له كتابه “مشاوير في دروب الحياة” لتقف على بدائع صنع هذا الرجل لكادحي السودان. ولم يلبث أن وجد عبد القادر نفسه عضواً بالحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو، منشأ الحزب الشيوعي لاحقاً) ثم عضواً بسكرتاريتها مسؤولاً عن التثقيف في اقل من ستة أشهر. فقد فتح له الكتاب، وآخر اسمه “الاقتصاد محرك التاريخ”، منطقة الوطنية العليا فرمى بسهم كبير فيها.
تعود بنا سيرة المرحوم إلى تاريخ أفضل لحستو غطى عليه تاريخ الحزب الشيوعي بدت فيه كحلقة خالفة تركها الحزب إلى مراق أعلى. بل جاء برموز منها لم أكن أعرف علاقتهم بالماركسية وحستو عن يقين مثل خضر عمر وحسن أبوجبل وميرغني على مصطفى. ولك أن تعلم أيها القاريء أن هؤلاء كانوا في حركة الأشقاء بل صار أبوجبل أمينها العام وخططوا لتغيير ما بها. بل هم من فرضوا على الزعيم الأزهري مقاطعة الجمعية التشريعية في 1948 بعد أن تردد. ولما قويت شوكتهم “كرشهم” الزعيم الأزهري من حزبه بصاقعة النجم: “إلى من يهمه الأمر”. ويؤيد هذا قولي عن خطأ من قالوا إنه كان بوسع الشيوعيين أن يبقوا على يسار الأشقاء بدلاً من تكوين حزب مستقل.
وذكر عبد القادر أيامه في الحركة ورفاقه بالخير. قال شعراً في صديقه قاسم أمين عضو سكرتارية حستو. وزكى زهادة عوض عبد الرازق تزكية غراء. وجعل من الدكتور زين العابدين عبد التام، مؤسس حستو، معلماً أولاً للماركسية ودعك من هنري كورييل والشاويش إستور الشيوعي بثكنات الجيش البريطاني الذي ذاع أنه كان يختلط بطلبة كلية غردون ويحبب لهم الماركسية.
رحمك الله يا عبد القادر بما أسديت لكادحي السودان وجبر كسر الأهل والجيرة في بري: أجدع ناس.
Ibrahim, Abdullahi A. [IbrahimA@missouri.edu]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم