الصادق حمدين
جملة “عدا المؤتمر الوطني” التي أصبحت شعاراً رائجاً في الميديا والأسافير، ليست شعار إقصاء، بل موقف سياسي يهدف إلى حماية التحول المدني الديمقراطي ومنع عودة الاستبداد والقهر والطغيان عن طريق المال السياسي مرة أخرى.
فالمؤتمر الوطني ليس حزباً عادياً تداول السلطة وفقاً لقواعد وأدبيات الديمقراطية، بل تنظيم عقائدي إقصائي حكم السودان لعقود عبر نظام إنقلابي شمولي ديكتاتوري باطش أقصى خصومه وسيطر على مؤسسات الدولة حتى تماهى معها تمكيناً واستحواذاً وأنهى الحد الفاصل بين العام والخاص فلم تعد مؤسسة وطنية قائمة إلا وتم تدميرها وخصخصة ما بقي من ركامها لصالح منسوبي الحزب الشيطاني.
لذلك نرى إن الديمقراطية وكما هو معلوم بالضرورة لا تبدأ بالانتخابات فقط لأنها تٌعتبر آخر مراحلها الشكلية، بل بتفكيك البنية التي أنتجت الاستبداد. وهذا المبدأ عرفته شعوب العالم منذ ديمقراطية اثينا القديمة وتجاربها في الانتقال الديمقراطي حتى يوم الناس هذا، حيث مُنعت قوى وأنظمة استبدادية من العودة إلى العمل السياسي حفاظاً على الديمقراطية نفسها.
المقصود من الشعار ليس معاقبة الأفراد أو حرمان المواطنين من حقوقهم السياسية، بل تحميل جماعة تنظيم الجبهة الإسلامية “القومية” مسؤولية المرحلة المظلمة التي حكمت فيها ومنع إعادة إنتاج نفوذها السياسي والاقتصادي والإداري والعقائدي في ثوب ديمقراطي. فالتجارب أثبتت أن الأنظمة الشمولية قد تعود عبر صناديق الانتخابات إذا احتفظت بأدوات التأثير التي راكمتها خلال سنوات الحكم الطويلة.
من هذا المنطلق، تنظر القوى الديمقراطية إلى استبعاد المؤتمر الوطني وحظره من ممارسة العمل السياسي باعتباره إجراء لابد منه لحماية أهداف ثورة ديسمبر المجيدة وضمان عدم عودة النظام السابق، لا باعتباره رفضاً للتعددية السياسية. فالديمقراطية، بحسب هذا الطرح، تملك الحق في الدفاع عن نفسها ضد القوى التي استخدمت السلطة سابقاً لتقويضها.
ويستند هذا الموقف أيضاً إلى مفهوم “الديمقراطية الدفاعية” الذي تطور في الفكر الدستوري والسياسي الحديث، ويقوم على أن الديمقراطية ليست ملزمة بمنح الحرية الكاملة للقوى التي تسعى إلى استغلالها من أجل القضاء عليها.
فالديمقراطية لا تُقاس فقط بمدى اتساع هامش الحريات، بل كذلك بقدرتها على حماية نفسها ومؤسساتها من التهديدات التي تستهدف وجودها. ولهذا أقرت العديد من الدول الديمقراطية إجراءات قانونية ودستورية تمنع الأحزاب أو التنظيمات التي تتبنى ممارسات أو مشاريع مناهضة للديمقراطية من العودة إلى السلطة أو استخدام النظام الديمقراطي كوسيلة لإعادة إنتاج الاستبداد في صور جديدة.
ومن هذا المنظور، فإن استبعاد القوى المرتبطة بتجارب شمولية سابقة لا يُعد انتقاصاً من الديمقراطية، بل أحد الأدوات المشروعة للدفاع عنها وضمان استمراريتها. فلذا فإن استبعاد حزب المؤتمر الوطني ومنعه من ممارسة العمل السياسي إجراء ارتضته قواعد اللعبة الديمقراطية نفسها.
Sent from Outlook for iOS
umniaissa@hotmail.com
