عفواً دكتور غازي … ولكنه ليس سؤالاً أبْـلَـهاً..!! .. بقلم: غفاري فضل الله السيد
من أكثر ما يعنيني، وأظنه يعني أيضاً الكثيرين من أمثالي، في مقاله هذا تلك الفقرة الأولى التي افتتحه بها حيث أثبت الآتي: “في صراعنا مع الرئيس الراحل نميري رحمه الله -وقد كنا طلاباً معارضين يافعين- ما كان يلجمنا سؤال مثل السؤال الأبله: “ما هو البديل؟” أي البديل لجعفر نميري.” ولمّا كنت أعرفُ من دكتور غازي تَـؤدةً عند الجدال ورزانةً عند الخصومة، فإنني أصدِفُ عن صرف البَلَه المراد الى ذلك المعنى الشائع في لغتنا العامية. لأنها ستكون ضرباً من الاساءة يعفُ عنها بالطبع قلم دكتور غازي لأنه يعلم أكثر من غيره أن هذا هو التساؤل الدائم عند السودانيين عندما يجابهون في كل مرة بسؤال من سيخلف هذا النظام حال ذهابه؟ هذا النظام الذي أزعم، بتحفظٍ شديد، أن الأغلبية الغالبة من أهل السودان لم تعد ترتضيه وزهدت فيه. ولم يبق الا أن الدكتور قصد المعنى المُعجمي للكلمة والذي اثبته صاحبُ لسان العرب بأن قولك شبابٌ أبْلَهُ : يعني أنه غافلٌ منعَّم، كما أن قولك عيشٌ أبْلَهُ : يعني عيشاً ناعماً رَخِياً راضياً مطمئناً. ولمّا لم يكن عيشُنا في السودان، ولا سيما في السنوات القلائل الماضيات، مما يمكن وصفه بسعة الرخاء ولا برَغَـده أو بُـحبوحتة، لم يبقَ إلا ما أثبته أبو حيّان التوحيدي معرفاً الرجلَ الأبله بأنه ذلك الذي لاَ يعْرفُ مَا يُخْرِجُ مِنْ أُمِّ دِماغِهِ.
إن المقارنة الضمنية التي عقدها دكتور غازي في بداية مقاله بين فترة الرئيس الأسبق نميري، رحمه الله، وبين فترة الرئيس الحالي تبدو غير موفقة الى حدٍ كبير. فمايو لم يكن قط نظاماً يبشر بمشروعٍ ايديولوجي كوني هدفُه أن يَـتسيَّد العالم أجمَع، ولا أن يسهم فعلياً في تغيير الأنظمة بالمنطقة من حوله، ولا أن يستضيف حركات مقاومة عالمية عابرة للحدود تتوخى إلحاق الأذى بدولٍ عظمى تتعدى أدنى إمكانياتها بمراتٍ عديدة إمكانات الدولة السودانية الهشة أصلاً والمعقدة التركيب والتي كان أصحابُ المشروع الحضاري أنفسُهم يعلمون مدى هشاشتها. لقد كان نظام مايو انقلاباً كلاسيكياً شاهدنا العديد من أضرابه في مرحلة الحرب الباردة، تقلصت فيه السلطةُ تدريجياً إلى أن وصلت كلُها شخص الرئيس النميري الذي مضى في مغامراته بغية احتفاظه بالسلطة إلى المدى الذي تحول فيه فجأةً إلى امامٍ للمسلمين! نشط أقوامٌ آنذاك، من ضمنهم الاسلاميون، في حشد الناس لمبايعته على الطاعة في المَنشط والمَـكره ما أقامَ الدينَ كلَّه. ولكن أين ذلك من حكم الإنقاذ في طبعاته المختلفة الذي أنشب أظفاره عميقاً وبالكامل في بنية مؤسسات الخدمة المدنية وغيرها من أجهزة الدولة والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية الأخرى وعمل جاهداً على تجييرها لتصبح خالصةً له من دون الناس فيما عرف بسياسات التمكين. والآن قلما توجد مدرسة نائية تحت أحد منحدرات جبل مرة في غرب السودان ولا في سهوب البطانة في شرقه ولا في غابات النيل الأزرق في جنوبه ليس للمؤتمر الوطني فيها منتسبٌ وشَوكة وصولة. ناهيك عن السيطرة الكاملة التي بسطَها النظامُ على كافة مؤسسات إدارة الاقتصاد والإعلام والهيئة الدينية منذ زمان. يُضاف إلى ذلك كله تحالفات واسعة قائمة على المصلحة والاستتباع على المستوى القاعدي ما انفك النظام يجدد عُراها مع القبائل والبيوتات الدينية بعد أن أعاد هندسة بعضها بالكامل في فترات خلت.
لا توجد تعليقات
