علامات تعجب في خطاب السيدة وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي .. بقلم: د. محمد عبد الحميد/ أستاذ الجامعي

 

علي عهد سيادة التكفير والإرهاب الفكري في الثمانينات والتسيعينات من القرن الماضي صَدّر الشهيد فرج فودة أحد كتبه (بالشهادة) كتأكيد علي إيمانه بالله ورسوله، رغم خلافه مع الجماعات الإسلامية التكفيرية فقد صدق حدسه حيث طالته يد الغدر ، وهو ينافح عن فكره.

ذات الأجواء تكاد تسود الآن في السودان عقب إنتصار الثورة المباركة بفارق وحيد أن في ذاك الوقت كان المحرك الأساسي هو الهوس الديني الذي أخذ يصادر مواقع احتلها العقل لصالح نظرة تصادره وتزدريه وتجعل من أصحابه هدفا مشروعا للتصفية وإهدار الدم. بينما الآن يسود جو من الترهيب بدعوي الخوف علي الثورة من الثورة المضادة والدولة العميقة وفزاعة(الجداد الإلكتروني ) مما قد يُضطر المرء برفع عقيرته بالإيمان بميثاق الحرية والتغيير كما فعل الراحل فرج فودة بإعلان الشهادة قبل الكتابة، وذلك لتفادي المنطق المعوج و النفسيات المنفعلة التي لا تكاد تقوي علي النقد ، ولا تحاول مجابهة الحقيقة إلا من وراء صوت يرهف بالتخوين قبل سماع النقد.

فالحقيقة التي لا مراء فيها أن الثورة السودانية هي ملك لكل من قال لا ووقف في وجه الظلم والطغيان ، وليس لأحد أو جماعة الحق في نصب محاكم تفتيش باسم الثورة ، فالشعب الذي فجرها جدير بالمحافظة عليها . فكما أبدع في خلق ثورته من فنون شتي ، سيبدع في الدفاع عنها بأساليب تبعد عنها شبهة كونها صنم يُعبد.

مناسبة هذه التقدمة الترحيب الهتافي الذي لاقاه خطاب السيدة وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي و الموجه لمديري الجامعات والذي حثتهم فيه علي ترشيح اسماء لمرشحين جدد لشغل مناصب مدراء للجامعات(حسب المعايير الأكاديمية المتبعة ) مع شرط وضعته ما أنزل الله به من سلطان وهو ضرورة أن يكون المرشح لشغل منصب مدير ( مؤمن بميثاق الحرية والتغيير ، و ألا يكون لديه نشاط سياسي صارخ).

إن كل المناضلين الذين كانوا يعارضون حكم الإنقاذ لاسيما في الوسط الأكاديمي ، كانوا يناضلون من أجل قيمة اساسية لا يمكن المساومة عليها وهي استقلالية مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي ، وعدم ربطها بأي كيان سياسي مهما كان ، فمنابر العلم ومؤسساته لابد وأن تظل مستقلة حتي عن قوي الحرية والتغيير ، لأنها في الأصل جماع كيانات سياسية، ولأن الإيمان بميثاق الحرية والتغيير لا يعتبر مؤهل في حد ذاته لكي يكون الشخص مديرا لجامعة ، كما أن الإنتماء السياسي صارخا كان أم خافتا لا يمنع أحدا من قيادة اي مؤسسة. فالوزيرة نفسها عندما تم اختيارها وكل الطاقم الوزاري لم يكن إلا علي أساس (الكفاءة) . وقد ترددت كلمة تكنوقراط كلازمة في معيار الإختيار ، والشخص التكنوقراطي لا يتم النظر إليه من منظور إيمانه بهذا الميثاق أو ذاك ، وإنما من مدي معرفته التقنية أو الفنية في المجال الذي يعمل به أو مجال تخصصه الدقيق حتي وإن كان له انتماء سياسي. لذلك فإن طلب السيدة الوزيرة من المدراء أن يتوخوا في بدلائهم من يؤمن بميثاق الحرية والتغيير طلب غريب ويحاول أن يركب موجة المد الثوري ، في الحين الذي لا يتكأ فيه علي أصول التعامل مع مؤسسات البحث العلمي والتعليم العالي. بل ويكاد يشابه نفس النزعة (التسيسية) التي تبنتها الإنقاذ فيما عرف بالتمكين بتعيين أصحاب الولاء منذ انقلابها علي السلطة والي حين إسقاطها. كما أنه ينبأ عن مصيبة أكبر وهو غياب الإستراتيجية و بالتالي والنظرة الكلية للسياسات التعليمية educational policies وما يجب أن تفرزه ، فبدلا عن أن تقول السيدة الوزيرة أن المرشح لابد أن يكون مؤمن برؤية الوزارة Vision ورسالتها Mission المتمثلة في… ( وتوضح هذه الرؤية وتلك الرسالة) لكي يعمل الجميع علي إنجازها ، راحت تتوسل قوي الحرية والتغيير بمغازلة غير ذكية تستجدي الروح الثورية السائدة لكنها لا تخدم الثورة ولا تفيد رسالة الجامعات في شئ. وادهي من ذلك أن الطلب موجه للمدراء الحاليين والمفترض أنهم (كيزان) فكيف يستقيم أن يقوم أحد هؤلاء بترشيح أحد منسوبيه ممن يؤمنون بميثاق الحرية والتغيير.؟!!!!!

كان يمكن بالفعل أن تؤسس السيدة الوزيرة لممارسة تفضي لعملية اختيار حر وديمقراطي لو أنها وجهت في خطابها أن تقوم هيئات التدريس في كل جامعة بترشيح ثلاثة أو أربعة من منسوبيها لتختار هي من بين تلك القوائم من تراه الأنسب (بحسب المعايير الأكاديمية المعروفة) وبعد ان تجري عملية تدقيق Vetting في أهلية المرشح وبذلك تكون قد فارقت عقلية المؤتمر الوطني في طريقة التعيين. وتكون في نفس الوقت قد أرست ممارسة جيدة الي أن تقوم نقابات الأساتذة في كل جامعة بهذه العملية دورياً بعد إنتهاء فترة كل مدير. وبذلك تكون قد عمقت ممارسة ديمقراطية في أكثر المؤسسات حاجة للديمقراطية والاستقلالية.

د.محمد عبد الحميد

//////////////

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …

اترك تعليقاً