علم السودان: الرؤية القومية وغدر النميري .. بقلم: د. ميرغني محمد الحسن/ محاضر سابق بكلية القانون، جامعة الخرطوم
في مستهل القرن العشرين بدأت الإمبراطورية العثمانية الشائخة في التصدع والانهيار فسال لعاب القوى الإمبريالية الأوروبية (بريطانيا العظمى وفرنسا) على الإرث العثماني الشاسع في الشرق الأوسط. فكرّ الإمبرياليون الأوربيون في أقصر الطرق وأقلها كلفة لالتهام المستعمرات التركية: ثورة القبائل العربية ضد الحكم العثماني بتوجيه بريطاني فرنسي. وهكذا بدأت المراسلات بين هيربرت كتشنر، القنصل البريطاني العام في مصر، مع الحسين بن علي شريف مكة في الحجاز عام 1914. وتلي ذلك الوعد الذي قطعه السير هنري ماكمهون، المفوض البريطاني العام في مصر، إلى شريف مكة بضمان خلق دولة عربية موحدة تمتد من حلب في سوريا إلى عدن في اليمن، فقط يتعين على العرب تحرير بلادهم من الاستعمار العثماني. كلفت بريطانيا السير مارك سايكس وكلفت فرنسا فرانسو جورج-بيكو بإثارة نعرة “العروبة” ضد العثمانيين. لكن المعضلة التي واجهت الأوربيين تمثلت في توحيد القبائل العربية المتنافرة المتحاربة لدرجة إن الفرنسيين قالوا “أهون علينا رعي قطيع من القطط من أن نوحد العرب، حتى في سبيل استقلالهم”. وفي مكر بريطاني خلاق “نبش” السير مارك سايكس في التراث العربي عله يهتدي على إشارة “لدلقانة”، أي “دلقانة” والسلام ليوحد قبائل العرب حولها. وفي ظني فقد استعان بمركز أوكسفورد للدراسات الشرقية للتنقيب في التراث العربي عن راية يعيد تدوريها لإيقاظ الحس العربي لخدمة الأهداف الاستعمارية. ولما لم يجد ضالته فكر في استحداث “دلقانة” من الألوان التي وردت في قصيدة لصفي الدين الحلي (1339-1277) بعنوان “سلي الرماح العوالي عن معالينا” والتي يقول فيها:
حري بنا الآن أن نتفكر في علم بلادنا، رمزنا القومي وموجز أمانينا الوطنية ومدلول هويتنا وجوهر رسالتنا للعالم. ماذا يعني لنا هذا العلم؟ هل يرمز للحسرة القومية لتهورنا في سحق الأتراك دون انتظار الوصاية الأوروبية لنحاربهم بدعم أوروبي تحت علم الحجاز؟ هل قصدنا بتغيير علم استقلالنا إرسال إشارة متأخرة إلى شريف مكة إنه فاتنا شرف حرب الأتراك تحت قيادة البريطانيين والفرنسيين ونعبر له الآن، بعلم جديد، عن انضمامنا لجيش الحجاز بعد كل هذه السنين؟ أين هويتنا القومية في علبة ألوان صفي الدين الحلي؟ هل نحن عباسيون أم فاطميون أم هاشميون؟ وأحسب لو أن صفي الدين استرسل في ألوانه بأن أضاف مثلاً:
لا توجد تعليقات
