خالد أبوأحمد
في أمسية ليلة العيد وقف رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أمام الشعب السوداني يُلقي كلمته بمناسبة عيد الأضحى المبارك، في تقليد عريق أرسى دعائمه الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري (1969-1985)، حين كنا صغاراً نجلس في كنف الأسرة نُنصت إلى تلك الكلمات التي كانت في الغالب تحمل رسائل سياسية مُحكمة، تنزل على الأسماع في لحظة وجدانية استثنائية، حيث يكون الناس أكثر انفتاحاً وصفاءً.
وفي عهد الديمقراطية الثالثة (1986-1989)، سار السيد الصادق المهدي رحمه الله على ذات الدرب، يُوظّف هذه المناسبة منبراً لرسائله السياسية والحزبية. ثم جاء نظام الإنقاذ والحركة المتأسلمة عام 1989، فامتدت سلسلته المتصلة من عمر البشير إلى عبد الفتاح البرهان، بنفس اللغة، ونفس المفردات، ونفس الرسائل التي تخدم أهدافاً حزبية ضيقة مُلفَّعة في عباءة الوطنية. وقد جرت عادة البشير كلما أحسّ النظام بخناق الضغوط الاقتصادية، وتداعياتها الأمنية والسياسية، أن يُلوِّح بورقة الحوار – لا إنقاذاً للوطن، بل إطالةً لعمر النظام. وآخر نداءاته للحوار جاء والبلاد تغلي من الأزمات الاقتصادية، والحزب الحاكم يتآكل من الداخل صراعاً، والنظام يرزح تحت ثقل العزلة الإقليمية والدولية.
والمشهد ذاته يتكرر اليوم بإتقان مُخيف في عهد الفريق عبد الفتاح البرهان؛ العزلة الدولية والإقليمية ذاتها، والضغوط الاقتصادية ذاتها، والصراع داخل أروقة الحركة المتأسلمة بين تياراتها المتناحرة يفرض نفسه على المشهد. فلم يجد البرهان من مخرج إلا تحريك البركة الراكدة بإعلان حوار سياسي، أُشهر فشله قبل أن تتشكّل ملامحه التنفيذية. ذلك أن العبارات التي تفوّه بها حول هذا الحوار المزعوم جعلت منه حواراً بين الصُّمِّ والبُكم، إذ يقتصر على المؤيدين من جماعة الموز والتنظيمات الجهادية التي اعتادت المراوغة بين اللباس المدني حين يتطلّب الأمر الحديث السياسي، والكاكي العسكري حين يتمشدقون بالسلاح ويتباهون به. أما أصحاب الرؤى السديدة والخبرات السياسية والدبلوماسية الحقيقية، فلا مقعد لهم على طاولة هذا الحوار ولا نصيب.
يرى الفريق البرهان أن الحوار السياسي يقتصر على “القوى الوطنية”، وكل ذي بصيرة يُدرك أن هذه العبارة المُعلَّبة ليست إلا شفرةً مكشوفة لاستبعاد المكون المدني بالكامل، فرأيه في تحالف صمود بقيادة د. عبد الله حمدوك بات معروفاً للقاصي والداني، إذ لا يرى فيهم إلا عملاء ومأجورين، والمفارقة الصارخة التي لا تخطئها العين أن مليشيا الدعم السريع الإرهابية بقياداتها ومقاتليها أقرب إلى البرهان في الروح والحساب من صمود وقياداتها، وهذه حقيقة يعرفها المواطن البسيط في قلع النحل وعقيق وعقيتاي وشلعوها الخوالدة، والمقصود الحقيقي من هذا المؤتمر ليس بناء سودان جديد، بل إطالة عمر النظام الحاكم الأصلاء لا من يُمثّلونهم، ولذا أتوقع إن انعقد أن يتمطّى لشهور متواصلة تُحقق للحاكمين ما يصبون إليه.
أما المسألة الثانية التي لا تقل خطورة، فهي في العبارة التي أطلقها البرهان حين تحدث عن “تحديد أسس البناء الوطني واستكمال مسار الانتقال المدني الديمقراطي والتحضير للانتخابات”. إذا تأمّلنا هذه العبارة وقرأنا ما وراءها، أدركنا أنه أطلق برصاصة الرحمةَ على كل الجهود الدولية الرامية إلى حل الأزمة السودانية وإخماد نيران الحرب، وفي تقديري أن هذا التصريح المُتسرِّع سيجلب عليه مشاكل جسيمة مع الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية على حدٍّ سواء.
البرهان وهو يجترّ من كتاب عمر البشير لم يتوقّف ليحسب ما سيترتب على تصريحاته، لأنه في واقع الأمر لا يملك القوة ولا الإرادة ولا الصلاحية الحقيقية لتحديد أسس البناء الوطني أو استكمال مسار الانتقال الديمقراطي، فضلاً عن التحضير للانتخابات وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية وإدارة دونالد ترامب مشغولةً بالملف الإيراني، فلا يعني ذلك أن الساحة قد خلت لتفعل الحركة المتأسلمة ومن يُمثّلها في الحُكم ما تشاء، فثمة تعهدات دولية وإقليمية تُشرف عليها مؤسسات راسخة لن تُغمض عيناً.
وكان السودانيون يُعوِّلون على الرباعية الدولية لإيجاد حل جذري للأزمة وإيقاف الحرب، من أبرز ركائزه إقصاء المتأسلمين من المشهد السياسي في المرحلة التالية لوقف الحرب، ولذا رأى كثيرون أن البرهان يتعمّد التملّص من الحلول التي اتفقت عليها الأطراف الدولية كالمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، سائراً عكس تيارها في استعراض لا يخلو من تهوّر سياسي.
وقد حُظي خطاب البرهان يوم وقفة العيد باهتمام واسع ونقد مُوجَع، تجلّى في موجة المقالات والتقارير وكتابات الأعمدة، غير أن أبرز ما شدّ المتابعين كان تحليل المحلل السياسي الأستاذ حاتم حمدتو، رئيس قناة (سلام سودان)، الذي كتب تحت عنوان لافت (ألعب غيرها يا برهان)، فشنّ فيه هجوماً لاذعاً على قائد الجيش، واصفاً دعوته للحوار بأنها “مناورة سياسية فاشلة” تأتي في أعقاب إخفاق عسكري ذريع، على الرغم من شهاداته الأكاديمية في الخدمة العسكرية. وذهب الكاتب إلى أن تجارب التفاوض مع البرهان لم تُثمر طوال الوقت إلا غدراً وتنصّلاً، بدءاً من مجزرة فضّ الاعتصام، مروراً بانقلاب أكتوبر، وانتهاءً بالانقلاب على الاتفاق الإطاري وإشعال الحرب بالتحالف مع المتأسلمين.
الفريق عبد الفتاح البرهان، وهو غارق في قراءة كتاب سلفه البشير، لا يلتفت إلى ما يجري في ميدان المعركة الحقيقي، فمليشيا الدعم السريع الإرهابية أعلنت قبل أيام عن أسلحتها الجديدة من مركبات نقل مُسلَّحة وأسلحة رشاشة متطورة، فيما تتردد أنباء عن طائرات مسيّرة حديثة على وشك الدخول في الخدمة، والمتابع المُتمرِّس يُدرك أن البلاد مُقبلة على صيف يحترق، تشتعل فيه المحاور العسكرية اشتعالاً أشدّ وأعتى مما مضى، وهذا منطق الحروب ودورتها: حين تتوقف المفاوضات وتبرد الأسلحة تصدر الأوامر لتُحقق ما عجز عنه الكلام.
أن كتاب (الرئيس) عمر البشير، ذلك الكتاب الثقيل بتجارب مريرة امتدت ثلاثة عقود، لا يُقرأ بعين عجلى خشية السوط، بل يُقرأ بعين البصيرة المتأنية التي تستشرف ما بين السطور وما خلفها، فالقراءة العابرة هي التي أودت بهذا البلد إلى هذا المصير الثقيل، وهي ذاتها التي إن استمرت ستُودي به إلى ما هو أشد وطأة وأقسى عاقبة.
خلاصة القول.. كان بإمكان الفريق عبد الفتاح البرهان أن يصنع في خاتمة مسيرته العسكرية اختراقاً تاريخياً حقيقياً يُخلِّد اسمه في ذاكرة الأجيال لا في سجلات المحاكم الدولية، والقرار الذي يعرفه في سويداء نفسه ليس خافياً عليه، بل هو يُدركه تمام الإدراك، لأنه يُعبِّر عن إرادة غالبية الشعب السوداني، ويُجسِّد طموح السودان دولةً وإنساناً في أن يلحق بركب الأمم المتحضرة، ويستعيد موقعه اللائق بين الشعوب الحية.
ولا أرى في هذا القرار صعوبةً في حدِّ ذاته بل العكس تماماً فهو ليس تنازلاً عن قوة، بل ارتقاء يُقدِّم وطنه على حظوظه، ويختار التاريخ على السلطة الزائلة، وسيكون في نهاية المطاف طوق النجاة له قبل غيره، ولبلادنا العزيزة التي تستحق أن تعود كما عرفها الأجداد: أرضاً للخير والمحبة والتسامح، مرفوعة الرأس في مضمار الحضارة، تُواصل فعلها الإنساني الذي أسهمت به في تاريخ هذه الأمة.
وما أجمل السودان حين يستعيد ريادته القديمة قوةً بوحدته الوطنية، وتماسكاً بنسيجه الاجتماعي، ومضيَّا في مسيرة بنائه دون أن تعوقه الأحقاد أو تُثقله الضغائن، وليس ذلك على الله ببعيد إذا تجرَّدنا من حظوظ الدنيا الدنيئة، وجعلنا بلادنا في حدقات عيوننا، واستشرفنا مستقبل أبنائنا بقلوب نزعنا منها الغِلَّ، وطهَّرناها من درن الحقد والأثرة فيومئذٍ يُشرق فجر السودان من جديد.
صباح السبت 30 مايو 2026
