بقلم: هشام الحلو
يُعتبر صلاح أحمد إبراهيم من أبرز المنظرين لمسألة الهوية السودانية؛ حيث لم يكن مجرد شاعرٍ ينمّق القوافي، بل كان جراحاً أنثروبولوجياً بامتياز، غاص بمشرطه في ثنايا الوجدان السوداني ليحرره من عقدة النقاء المتوهمة. إن انتماءه لجيل الرواد لم يكن انتماءً زمنياً فحسب، بل كان ريادةً في التأصيل لـ “التشظي” بوصفه ثراءً؛ حيث رأى في السودان تلك البقعة الكونية التي لا تقبل القسمة على واحد، ومن هنا بزغ كأول وأبرز من نظّر لتيار “الغابة والصحراء”؛ ذلك التيار الذي ينظر للسودان كلقاحٍ حضاري فريد بين الأصول العربية والجذور الإفريقية.
وفي هذا الفضاء، صاغ مقولته المدوية والمحمّلة بالدلالات: “نحن عرب العرب”، وهي مقولة لم تكن تعني الاستلاب، بل كانت إعلاناً عن عروبة سودانية خاصة، لا تعتذر عن سواد سحنتها، بل تزاوج بين فصاحة اللسان العربي وعنفوان الإيقاع الزنجي، محولاً الصراع من خيار صفري إلى حالة من التصالح الجمالي. لقد كان صلاح هو المهندس الذي نقل الأدب السوداني من سكونية الريف ورومانسية الخمسينيات المدرسية إلى صخب المدينة وأسئلتها الوجودية؛ ففي الوقت الذي كان فيه الشعر يغرق في توصيف الطبيعة، كان هو يقتحم عوالم “الواقعية الاشتراكية”، جاعلاً من القصيدة أداةً للتحرر ومنارةً للعدالة الإنسانية، حيث ارتبط شعره بقضايا الجماهير والعدالة الاجتماعية.
وتجلى هذا التحول مبكراً في مجموعته القصصية المشتركة مع رفيق دربه علي المك، “البرجوازية الصغيرة” التي صدرت في الخمسينيات، حيث وضعت حجر الزاوية لأدب المدينة عبر تشريح سوسيولوجي دقيق لطبقة “الأفندية” وتحولات الشخصية السودانية تحت ضغط الحداثة الحضرية. وفي سياق ثورته الجمالية، كسر صلاح طوق المباشرة، فكان أول من استجلب الرمز والأسطورة اليونانية والإغريقية إلى فضاء الشعر السوداني، كما في قصيدته الخالدة “مريا”؛ حيث لم يعد الحزن فيها ذاتياً، بل استدعى “فينوس” و”أبولو” ليخلق حواراً كونياً يتقاطع فيه الجمال الكلاسيكي مع سمات الأنا الإفريقية السمراء، مما منح القصيدة السودانية بُعداً ميتافيزيقياً وثقافةً موسوعية باذخة.
ولم يكن عبقري الرواية الطيب صالح يلقي الكلمات جزافاً حين وصف صلاحاً بأنه “صوت وطني عظيم”، مُدركاً أنه يمثل الضمير الحي للأمة، وهو ما تجلى بوضوح في قصيدته “الطير المهاجر” التي غناها الموسيقار محمد وردي لتصبح أيقونة أدب الغربة في السودان؛ فهي ليست مجرد حنين، بل بيان أدبي ضد الجمود، تلخص ارتباطه الوجداني بتراب السودان وأم درمان الأصيلة التي سكنت جوارحه حتى في منافيه البعيدة. تتراصف أعماله من “غابة الأبنوس” و“غضبة الهبباي” إلى “نحن والردى”، كقلاعٍ فكرية تحرس الوجدان السوداني من التحلل، مؤكداً أن الوطن ليس جغرافيةً فحسب، بل هو ذاكرة ووجع. إن إرث صلاح أحمد إبراهيم يظل حياً في كل محاولة جادة لفهم “السودانوية”؛ فهو الجسر الذي عبرت فوقه الحداثة لتصافح تراثها، واللقاح الذي جعل من أدبنا صوتاً يسمعه العالم، غارقاً في محليته، ومحاوراً للأساطير، ومناضلاً من أجل إنسانٍ حر.
hishamissa.issa50@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم