خالد البلولة
تمثل عودة البروفيسور علي شمو إلى السودان هي عودة الكبير إلى بيته، وعودة الركيزة إلى موضعها من البناء.فهو من أولئك الرجال الذين يشكلون أعمدة الأوطان وشُعَبها الراسخة، إذا حضروا بثّوا الطمأنينة، وأضاءوا الطريق.
عاد إلى وطنه وهو في مرحلة من العمر كان يمكنه أن يقيم في المملكة العربية السعودية مكرمًا معززًا،حيث يحظى بمكانة رفيعة وتقدير كبير من السعوديين والسودانيين على السواء، تقديرًا لمسيرته الطويلة وعطائه الممتد في الإعلام والثقافة وهو أحد رواد الإعلام السوداني والمؤسس للتلفزيون السوداني وأول مدير له وصاحب إسهامات بارزة في العمل الإعلامي العربي والسوداني.
لكنه آثر أن يعود إلى وطنه، لأن للأرض نداءً لا يسمعه إلا الكبار، وللوطن حقًا لا يتخلى عنه الأوفياء. فكانت عودته أشبه بعودة السراج المنير إلى مكانه الطبيعي ليبدد شيئًا من العتمة، ويبعث الأمل في النفوس.
إن رجعته ليست مجرد انتقال من بلد إلى بلد،بل هي عودة القَمْرَة إلى وطن القماري وعودة الغيث إلى الأرض التي تنتظر مطره، وعودة القلب إلى موضعه الذي لا يستريح إلا فيه.
فالبروفيسور علي شمو، ليس شخصا عاديا انما أحد أبرز رواد الإعلام السوداني وأول مدير للتلفزيون السوداني،وهو من الشخصيات التي تركت بصمتها الواضحة في مسيرة الإعلام العربي والسوداني.
(١)
أذكر أن صديقًا عزيزًا لي،سافر مرافقًا لعلي شمو إلى إحدى الدول العربية، ولم يكن قبل تلك الرحلة يعرفه عن قرب، لكن بعد أسبوع واحد من المعايشة المباشرة عاد ليقول جملة ما زالت عالقة في ذهني: (مهما قيل في علي شمو، يظل الرجل كبيرًا وعظيمًا وسودانيًا أصيلًا.
تواصلت معه في مرات متعددة مستفسرًا عن بعض القضايا والشخصيات الإعلامية والثقافية ،وأشهد الله أنني ما طرقت بابه في أمر يتعلق بالإعلام إلا وجدته مبادرًا ومتعاونًا وكريمًا في وقته وعلمه.
وفي عام 2018 أرسلت إليه كتابي الصحافة التلفزيونية وطلبت منه التكرم بالاطلاع عليه وكتابة مقدمة له إن رأى فيه ما يستحق. فوافق مشكورًا،ولم يكتف بذلك، بل بعد أن فرغ من كتابة المقدمة اقترح أن نلتقي في جامعة أم درمان الإسلامية بالسجانة لتسليمي إياها.جاء من منزله في الصافية وتأخرت أنا عن الموعد المحدد،فترك لي المقدمة واعتذر بلطف ومضى..
وقبل ذلك، نحو عام 2010،كتبت مقالًا في صحيفة (الصحافة) ذكرت فيه أن علي شمو يستحق كرسي اليونسكو للإعلام، فما كان منه إلا أن اتصل بي شاكراً،ثم قال بتواضع جم:(لم أفعل شيئًا أستحق عليه ذلك، فهذا واجبي ومهمتي).ذلك هو علي شمو الذي عرفته؛ رجل كبير بعلمه، أكبر بتواضعه،وأعظم بأخلاقه.ومهما تعددت المناصب والألقاب، فإن أجمل ما فيه إنسانيته وقربه من الناس.
(٢)
ومن الإنجازات المهمة التي تُحسب للبروفيسور علي شمو، مبادرته بإنشاء المقر الدائم للمعسكرات الشبابية بسوبا جنوب الخرطوم.فقد تبنى الفكرة وسعى لتحقيقها، وتوجه بطلب الدعم إلى الأمير الراحل فيصل بن فهد بن عبدالعزيز آل سعود،الذي كان يتولى رعاية الشباب في المملكة العربية السعودية آنذاك ،فاستجاب للمبادرة وقدم دعمًا سخيًا أسهم في تشييد المشروع وتجهيزه وتأثيثه حتى أصبح صرحًا شبابيًا متكاملًا. وعندما اكتمل المشروع وافتتح عام 1987،كانت المفارقة أن علي شمو، صاحب المبادرة وأحد أبرز الذين سعوا لإنجازه، لم يكن ضمن المدعوين لحفل الافتتاح. وقد جاء ذلك بعد تغيير حكومة نميري عام 1985 غير أن ذلك لم ينل من عزيمته أو يغير من طبعه شيئًا،فقد كان من أولئك الذين يعملون من أجل الوطن السودان.
(٣)
في واحدة من احتفالات الإذاعة السودانية باليوم العالمي للراديو، تحدث بروف علي شمو عن أهمية هذا اليوم ودور الإذاعة في تشكيل الوعي العام وتعزيز التواصل الثقافي،وقد شهدت المناسبة حضور عدد من الرموز الفنية والثقافية، من بينهم الفنان الراحل عبد الكريم الكابلي.وفي حديثه عن الكابلي أشار بروف علي شمو بإعجاب قائلاً:(نحن اليوم بيننا رجل إذا غنّى أطرب وإذا تحدث أمتع)في إشارة إلى حضوره الفني والثقافي المتفرد،وهو ما يعكس تقديره للكلمة المبدعة أياً كان مصدرها سواء في الغناء أو الخطاب العام.
(٤)
كان يحاضر طلاب الدراسات العليا بقسم الإعلام جامعة الخرطوم،وكنت يومئذٍ قد ناقشت رسالة الدكتوراه،وارغب بالتدريس الجامعي،فكانت محاضرته (التخطيط الإعلامي) ومحاضرة د.الطيب حاج عطية(وكالات الأنباء)من المحاضرات القيمة تجمع بين الخبرة والمعرفة و الاستمتاع بطريقة السرد والنقاش،وللاطلاع على طريقة التدريس وحوار الطلاب معهم .(كانت محاضراتهم تدريبا مجانيا).
يُعد البروفيسور علي شمو، إلى جانب الأستاذ خاطر أبو بكر والأستاذ محمد العبيد إسماعيل،من أوائل الجامعيين الذين التحقوا بالإذاعة السودانية في سنواتها الأولى، وأسهموا في ترسيخ العمل الإذاعي على أسس مهنية وعلمية.وقد مثّل هؤلاء جيلًا من المتعلمين الذين نقلوا الإذاعة السودانية من مرحلة البدايات إلى آفاق أكثر رحابة،فجمعوا بين الثقافة الأكاديمية والخبرة العملية، وأسهموا في تكوين أجيال من الإعلاميين الذين حملوا الراية من بعدهم.
هذه المواقف تكشف جانبًا أصيلًا من شخصية بروف علي شمو؛ الذي يبذر البذور ولا ينتظر جزاءً من أحد.فهو مثل الغيث، أينما هطل نفع، وأينما حلّ ترك أثرًا طيبًا لا يُنسى.
dr.khalidbalula@gmail.com
