عندما تضع الحرب أوزارها

بقلم: هشام الحلو
في اللحظة التي سيتوقف فيها هدير الرصاص، وتكفُّ الأرض عن الارتجاف تحت وطأة القذائف، سيخرج السودانيون من مخابئهم في اماكن الشتات والنزوح ليواجهوا شمساً لم تعد كما كانت، وهواءً يحمل في طياته غبار الذكريات المتربة. إنها اللحظة التي تضع فيها الحرب أوزارها، لكنها اللحظة التي تبدأ فيها الروح رحلة استكشاف ندوبها العميقة.
نحن اليوم نشبه ذلك الشيخ “سانتياغو” في رائعة إرنست همنغواي “الشيخ والبحر”؛ ذاك الذي أبحر وحيداً في لُجّة الأقدار، صارع أمواجاً عاتية، وقاتل قروشاً شرسة نهشت صيده الثمين، ليعود في النهاية بهيكلٍ عظمي لسمكته الكبيرة، لكنه عاد بكبرياءٍ لم تطأطئ الحرب له رأساً.
لقد دفعت الأرض السودانية ضريبة باهظة من دم أبنائها؛ رأينا الشيوخ الذين أفنوا أعمارهم في غرس فسائل الأمل، يمشون اليوم بين ركام بيوتهم بظهورٍ انحنت من الثقل لا من العمر، وعيونٍ غائرة تحكي فصولاً من الفقد والذهول. ورأينا الأطفال، أولئك الذين كان من المفترض أن تكون أكبر مخاوفهم هي “الغول” في حكايا الجدات، فإذا بهم يواجهون وحوشاً حقيقية من حديد ونار، ويفقدون في زحام النزوح براءةً لا تُسترد بالكلمات. لقد دُمّر الحجر، واهتز الشجر، وصار الموت خبزاً يومياً يُقسم بين الأحياء بالعدل المرير.
لكن، وفي قلب هذا الخراب الشامل، تبرز الحقيقة “الهمنغواوية” الخالدة: “الإنسان قد يُدمر، لكنه لا يُهزم”. إن السوداني الذي فقد بيته، ومجده، وربما عزيزاً من أهله، لا يزال يحمل في جفونه ذات البريق الذي لمحناه في عيني سانتياغو وهو يصارع المحيط.
وكما أن البحر كان قدر الصياد العجوز، فإن النيل هو قدرنا الأزلي؛ ذاك النهر الذي شهد انكساراتنا وانتصاراتنا، وظل يتدفقُ بصمتٍ وكبرياء، معلماً إيانا أن الانحناء للعاصفة لا يعني الغرق، بل هو استجماعٌ للقوة قبل الاندفاع من جديد. الحرب قد تكسر العظم، وتجرح الكرامة، وتهدم الجدران، لكنها تعجز عن هزيمة إرادة الانبعاث في شعبٍ جُبل من طين النيل وصبر الصحراء. إننا نعود والوطن في أيدينا يشبه ذلك الهيكل العظمي للسمكة؛ ممزقاً ومنهكاً، لكننا نملك شرف المحاولة، ونملك يقين الصمود الذي يخبرنا أن “الإنسان ليس مخلوقاً للهزيمة”.
إن الضوء في نهاية هذا النفق المظلم ليس وهماً بصرياً، بل هو ذلك النور الكامن في يدٍ تمتد لترفع الأنقاض، وفي قلبٍ يرفض الكراهية رغم كل ما جرى، وفي صرخة وليدٍ جديد تولد وسط الركام لتعلن أن الحياة أقوى من الفناء.
عندما تضع الحرب أوزارها، سنبدأ معركة البناء بالصبر الذي تعلمناه من الصيادين، وبالحكمة التي ورثناها من الأجداد، موقنين بأن الانكسار ما هو إلا محطة عابرة في تاريخ الشعوب العظيمة، وأن الروح السودانية، كبطل إرنست همنغواي، قد تتعب، قد تنزف، لكنها أبداً لن ترفع راية الاستسلام أمام قدرها المحتوم في البقاء والانتصار.

hishamissa.issa50@gmail.com

عن هشام الحلو

شاهد أيضاً

كيمياء “العودة إلى سنار” عند محمد عبد الحي

بقلم: هشام الحلولطالما كان الشعر عند محمد عبد الحي أكثر من مجرد رصٍّ للقوافي؛ فقد …