عندما تموت الكرامة غرقاً!

عندما انتشر نبأ موت ثلاث فتيات سودانيات شقيقات غرقاً في مياه البحر المتوسط، تذكرتُ نصاً روائياً ُ قلت فيه
” وأنا فوق مركب شوفني كيف بغرق”..
صوت مغنية يتهادى وسط أمواجٍ هادئة. ساعةٌ من الزمان ويتحرك الزَّورق الذي تسسلنا داخله في هدوء تحت ظلمةٍ غطت لون البحر. ها أنذا أقف متعلقاً على حبال أشرعة تشدني حنيناً إلى شاطئ ذكريات خائبة، تدفعني أشواقاً إلى عالمٍ مجهول الملامح والهوية.
تحسستُ نفسي وسط كتلٍ هلامية متراصة بعضها فوق بعض. كانت الكتل البشرية مسافرة بلا جوازات سفر، دون هويات، وحَّدتنا ظلمة الليل، وفراع البحر وسديم المجهول! نسينا جنسياتنا حينها، ما أقسى أن تتحرر من هويتك من أجل وطنٍ جديد قد يكون فراديس أوروبا على سواحل المتوسط، الأحلام الفسيحة، الانتقال من عالمٍ إلى آخر، لكن لا أخفي على أحد هواجسي و مخاوفي، قد يكون وطننا الجديد ينتهي داخل بطن حوت!.
وكم هو موجعٌ أن تنتهي رحلة ثلاث فتيات احداهن تبلغ من العمر تسع سنوات في جوف حوت!.
يتحدث الناس هنا عن الحيتان وأسماك القرش التي تنظم ولائم دسمة من التائهين وسط البحار الموحشة،ربما تكون تلكم البنيات العصافير دعامة الوليمة الشهية للأسماك عندما غرق الزورق .
لاشيء غير البحر يدرك مصيرهن هل البحر وحده سيروي عن الحكايات وكذلك سوف تروي ارتعاشاته وموجه للعالم قصة غضب وهيجان العواصف.. وأنا هنا في مواجهة نفسي والآخرين. هل نضع بدايةً للنهاية؟ أم هي بدايةُ رحلةٍ جديدة؟.
وجاءني صوتٌ يعلن، ينعي ويزيد مخاوفنا ” “البحرية العسكرية الإيطالية تؤكد مصرع 17 مهاجرا بسبب البرد والجفاف على زورق مطاطي قام خفر السواحل الايطالي بإغاثته، قبالة الساحل الجنوبي لجزيرة لامبيدوزا”
قبل توجه المغامرات والمغامرين صوب البحر ، لن يكن حالهم/ن حينها أفضل من حال طارق بن زياد، وخلفه عدوه وأمامه بحرٌ متوسط.
. بحرٌ لا تأتمنه تلك السفائن، أمواجه كاسرة، وزرقته لامتناهية، زرقةٌ تجذبنا بعض أحايين كي نرقص رقصتين؛ نرقص رقصةً للموت وأخرى للحياة.
بحارٌ شبقةٌ لا يتوقف مد ارتعاشاتها بل يفور ويتمدد حالماً بالتهام جسدٍ مُرهق، ينتصب موجه عنيفاً، يقذف ماءه داخل تجاويف الجسد المسجي بلا مقاومة..
لم تمت الفتيات الثلاث ومن معهن، بل ماتت الكرامة.
الكرامة التي أعدوا لوأدها الهتافات المشروخة، والبارود والدماء.
اعلنوا حرب ( الكرامة) ، تبضعوا في أسواق المزايدات، باعوا عشرات الآلاف من الأرواح البريئة، وأضعافها من الأرواح الشريرة التي تحتفي باراقة كل الدماء.
مؤكد أن حادثة غرق ثلاث شقيقات؛ ما عاد يحرك شعرةً في رأس من تطبع على الموت، حتى صار خبراً مثل موت ألف سوداني في كارثة طبيعية لا يلقي بظلِ فوق مساحات( تايملاين) الفيسبوك المزدحمة بفحيح حمالات حطب الفتنة، والملونة بحبر الكره والبغضاء وشح النفوس.
المفارقة، او قل الفاجعة، تأتي من فكرة أن الغارقات هربن من لظى حرب الكرامة، معهن ملايين؛ بينما اخترنَّ البحر عبوراً نحو عوالم اخرى،
ذات الكرامة المراقة بين طيات ملفات اللجوء والنزوح، المذبوحة في مكاتب ضباط جوازات السفر والهجرة.
نعم! أو ليس قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، إراقةً لدماء كرامتنا؟!.
كرامة الحرب التي مرَّغت أنف الدولة المتدحرجة إلى أسفل سافلين.
ومع ذلك؛ يرقص البعض رقصاُ هستيرياً فوق أشلاء الوطن، يرقصون لانتصارات صغيرة، في معارك فرِ وكر، لا يستفزهم موت آلاف، اغتصاب سيدات كريمات، نهب ممتلكات وافقار ملايين.
لا يشعرون باهانة مئات آلاف يتسللون تحت جبال الظلام عبر حدود دول الجوار، أو يتوسلون أهل تلك البلدان للسماح لهم بالبقاء بينهم حتى يكونوا بعيدين عن اخطار ( حرب الكرامة).
هل سمعتم قبل حرب الكرامة بمحاولة طفلة صغيرة عبور البحر فوق زوارق الموت؟.

عن فايز الشيخ السليك

شاهد أيضاً

حمار جحا!

لما جحا ردف ولده فوق ظهر حمارهاستهجن الناس عليه ذلك وقالوا انو انسان بلا رحمة، …