عند حلاق .. بقلم: هلال زاهر الساداتي
كنت في عجلة من أمري فقد بقي لي ساعة من الزمن أنجز خلالها ما أريد في مدني وكان من ذلك قص شعري ، فقد كث وغزر وصار منظره كنبات شيطاني متسلق ! والمرء في الريف لا يكترث كثيرا” لهندامه ومظهره نظرا” للبدائية المخيمة حوله والحياة الجافة التي يحياها ، حسنا” ، فقد ذهبت الي أول محل حلاق وقع عليه نظري ، والحق أن محيا الرجل لم يرق في عيني ، من الوهلة الأولي ، فقد بدا لي كأنه من مترددي السجون ومن المجرمين العتاة الذين أستبدلوا دورهم ومنازلهم بدور الحكومة المجانية التي يجدون في رحابها الأمن والطمأنينة ! كان شكل الرجل كأن له عرض بلا طول تسبقه كرش أمامه ، وقد ركب علي كتفيه وجه جامد صفيق برز منه عينان تشعان بالشرر والويل ، وخيل الي أن يديه الغليظتين خلقتا لحز الرؤوس لا قص شعرها ، أما منظر الدكان من الداخل فقد كان يبدو في تناقض كبير مع صاحبه ، فقد كان محلا” أنيقا” له مرآة بعرض الحائط وكرسي جلدي دوار ، حاولت أن أفرغ روعي وجلست علي الكرسي وبدأ يرجل شعري بعنف خلت معه أنه سينزع فروة رأسي في يده ، ثم أمال رأسي الي الأمام بحركة عاتية تقعقعت لها عظام عنقي ، وبدأ العمل ، نسيت أن أذكر أني حدثته أول ألأمر بأن يفرغ من قص شعري سريعا” لأني أريد أن ألحق بالبص الذاهب الي المناقل ، ولما أنتهي رفعت رأسي ورأيت في المرآة عجبا” ، كان رأسي يبدو كالحفر الممتلئة بمياه الأمطار في فصل الخريف في امدرمان ألا أنها فاضية ، وبدا لي رأسي كأنه ليس مني ، حفرة هنا ونقرة هناك ، خط متعرج في الجانب الأيسر ، وخط دائري علي الجانب الأيمن ، وفجوة في منتصف الرأس ، وحدثت نفسي ماذا يضمر هذا المجرم في نفسه بعد هذا ؟ وسرعان ما جاءني الرد عندما التقط الموسي في أناة وذهب الي سير الجلد المعلق علي الحائط في مواجهة الجالس وراح يمررها ببطء ويرمقني بين الحين والآخر بنظرة جانبية قاسية ، عند هذا الحد شعرت بقلبي يصعد الي حلقي وضربالته تكاد تشغل كل فراغ الدكان ، وارتعشت أطرافي ، حين ذلك توكلت علي الحي الذي لايموت وأضطربت شفتاي تردد الشهادتين ودارت في رأسي خواطر شتي ، هل أهرب جاريا”؟ هل أقول له أن هذا فيه الكفاية متعللا” بضيق الوقت ، أم أستسلم وليكن ما يكون ؟ وجاء في تؤدة ووقف علي رأسي ، ثم نظر الي خيالي في المرآة لبعض الوقت قبل أن يبدأ ، يا لله ! لماذا لا ينتهي سريعا” ويريح أعصابي من كل هذا التوتر والتحفز ؟ لعله سفاح من النوع السادى الذي يتلذذ بعذاب ضحيته قبل أزهاق روحها ، يا تري كم روحا” أزهق هذا السفاح ولم تمتد اليه يد العدالة ؟ علي أي حال سأكون ضحيته التاسعة أو العاشرة ، من يدري؟ وبحركة من يزيل عن سبيله عائقا” أمال رأسي جانبا” ، وأغمضت عيني فلا أرغب أن أري مصرعي، أنتهي من الجانب الأيمن ، وركلني بيده الي الجانب الآخر أن كنت رأيت يدا” تركل ،وبدأ يمزق بموساه الجانب الأخر بالرغم من تأوهاتي وصرخاتي شبه المكتومة التي تخرج من حلقي : أخ آخ ، وأقول يمزق بالموسي لأنه ترك علي صدغي ثلاث قطعات بموساه . أقد قلب هذا الرجل من صخر ؟ لا عجب أن شعرت نحوه لأول مرة عندما وقعت عيناي عليه أنه مجرم عريق وقاتل عتيد ، وازداد خفقان قلبي وعلت ضرباته وخيل الي أن المارة في الشارع يسمعون دقاته ، وانتهي من ذلك الجانب من رأسي ولكزني فأمال رأسي الي الأمام ، وبدت لي أنها اللحظة الحاسمة ، ضربة واحدة علي قفاي وأصير المرحوم ، واستجمعت شتات شجاعتي ورفعت رأسي وقلت بكل ما أملك من صوت ( حسبك يا هذا أن ميعاد البص فد أذن ) ورغم ذلك خرج صوتي ضعيفا” مهزوزا” . أمسك بالموسي ووقف ساكتا” لحظة ثم هدر : ( لم أنتهي بعد يا أستاذ ) ، وانتفضت قائما” علي قدمي ولا أدري كيف فعلت ذلك ، وحينما وقفت لحظت لأول مرة حقيبة قديمة من الجلد معلقة في ركن الدكان من النوع الذي يستعمله المزينون الذين يزاولون الحلاقة والحجامة تحت الأشجار ، وازداد حنقي علي الرجل ، ومع ذلك دفعت يدي في جيبي وأخرجت ورقة نقدية لم أتبينها ناولتها له واندفعت خارجا” من الدكان كالمقذوف الناري غير مصدق أني نجوت من الموسي وصاحبها الرهيب .
هلال زاهر الساداتي
لا توجد تعليقات
