خالد محمد فرح
Khaldoon90@hotmail.com
وما كان قيسٌ هُلكُهُ هُلكُ واحدٍ
ولكنّهُ بنيانُ قومٍ تهدّما
نشر صديقنا الإعلامي الأديب والكاتب المرموق، مصطفى عبد العزيز البطل مؤخراً، مقالاً ، تناول فيه الأجواء التي اكتنفت وأعقبت المباراة التي جرت بين منتخبي مصر والأرجنتين، من أجل التأهل لمرحلة ربع النهائي للنسخة الحالية من بطولة كأس العالم لكرة القدم، التي ظلت تستضيفها دول: الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، منذ اليوم الحادي عشر من شهر يونيو المنصرم، وحتى اليوم التاسع عشر من شهر يوليو الحالي.
لقد ظل التعصب الاعمى في مضمار الرياضة عموماً وكرة القدم خصوصاً، مجالاً واضحاً لتبادل الشحناء والبغضاء، وانطواء النفوس على مختلف أنواع السخائم والحسد والغل، حتى بين مشجعي بعض الأندية التي تنتمي إلى قطر واحد أحيانا. فمنذ بضعة أعوام على سبيل المثال، كان شعار مشجعي نادٍ سوداني شهير، تصادف أن وقع مع صنوه وغريمه اللدود في مجموعة واحدة في منافسات دوري أبطال أفريقيا، وقد يئس ذلك النادي من التأهل إلى المرحلة التالية، وكانت حظوظ منافسه التاريخيّ افضل هو ” ما بنطير برانا ! “.
لقد أوحى إليّ مقال الصديق البطل، هذا الكاتب ذو القريحة السيالة، والقلم المطواع الذي يأتي دائماً بالمعجب والمثير من الخواطر والأفكار على تباين المواضيع التي يطرقها، حتى ليكاد يصنع من الفسيخ شربات كما تجري بذلك العبارة الشعبية السائرة، أوحى إلي كذلك ببعض الخواطر والتأملات التي هي ليست بالبعيدة حقا عن المضمون العام لمقال البطل، وان كان ثمة اختلاف فسيكون اختلاف في المدى والمقدار، وليس في الطبيعة والنوع.
فبمناسبة حزن الجم الغفير من عشاق مباريات كرة القدم، ومتابعي أخبارها من بين شعوب العالم الثالث على إقصاء منتخب البرازيل، فقد ظللت اتساءل منذ ان وعيت لهذه الظاهرة الكروية الكونية المثيرة، واجتذبتني من ضمن من اجتذبت من الناس: لماذا ظلت هذه الأعداد الغفيرة من عشاق لعبة كرة القدم في بلدان العالم الثالث، تشجّع المنتخب البرازيلي في كل بطولة تقام منذ عقود طويلة ؟ وأجبت على نفسي – وقد أكون مخطئاً – بأن الأمر ليس فقط بسبب أن المنتخب البرازيلي ظل يقدم مستويات راقية، وأداءً فنياً ممتعاً ورائعاً في لعبة كرة القدم، كما ظل يبرز في كل بطولة سلسلة من النجوم الساطعة الذين ما يزال بريق موهبتهم ماثلا في الأذهان على الدوام ، وإنما ربما هنالك بعد سايكولوجي مستتر، يبدو فيه منتخب البرازيل، التي هي دولة لاتينية من بلدان العالم الثالث على كل حال، كما أنّ قسما كبيرا من سكانها، هم من ذوي البشرة السمراء، من ذوي الأصول الأفريقية، او من السكان الأصليين، ولذلك يغدو التماهي معهم سهلا من الناحية النفسية، خصوصا في ظل ندرة الفرق المشاركة قديما من بلدان اسيا وإفريقيا خاصة. وبالتالي فإن شعوب تلك البلدان ” المحرومة ” من المشاركة بالأصالة ، تتبنى منتخب البرازيل كسلوك تعويضي ، في مواجهة منتخبات الشعوب البيضاء ، التي أذاقت دولها شعوب العالم الثالث – وما تزال – الويلات، استعماراً وحروباً ودماراً وانتهاباً للثروات واستغلالا بشعاً على جميع المستويات.
فعندما يفوز اي منتخب إفريقي او اسيوي او لاتيني على أي فريق أوروبي آخر، أو من أمريكا الشمالية، يسعد مثل هذا الفوز سائر النظارة العالمثالثيين أيما سعادة ، ويشفي صدورهم بصفة عامة. ولكن هؤلاء لا يصمدون كثيرا، وسرعان ما يتهاوون صرعى الواحد تلو الاخر، كلما تقدمت البطولات نحو خواتيمها ، وبالتالي فانه لا يتبقى للمستضعفين إلا البرازيل، وإلا فالأرجنتين يا هذا ..
ألا إن لا تكن أبلٌ فمعزى … كما قال امرؤ القيس.
لقد بدأت تُسمع في الواقع، بعض الأصوات هنا وهناك، خصوصا في بعض الدول النامية المشاركة في هذه النسخة، التي تشير بأصابع الاتهام بانعدام الشفافية والنزاهة، بل السعي لإقصاء منتخبات الدول المستضعفة عمداً، وحرمانها عن المضي قدماً إلى مراحل متقدمة من المنافسة الخ الخ.
والحق هو أن مثل هذه التهم ليست بالجديدة تماما في عالم كرة القدم العالمية. فان لم يكن المقصود بها ادارة الكرة العالمية نفسها، وشركات المراهنات، وشركات الدعاية والترويج ، وبعض جماعات الضغط والمتنفذين هنا وهناك، فان هنالك بعض أنماط السلوك والممارسات ، والروح غير الرياضية التي ما تزال عالقة بالأذهان في هذا المضمار ، ولعل من أشهرها – على سبيل المثال -.تعمد المانيا والنمسا على أن تخرج مباراتهما بصورة سلبية باهتة، وفي أداء مسرحي واضح، انتصرت فيها المانيا على النمسا بهدف لصفر فقط ، وذلك حتى يحرما منتخب الجزائر من التأهل ، فيما عرف بفضيحة ” خيخون ” ، في نهائيات مونديال 1982م. لقد جسد ذلك الصنيع البغيض، أبشع صور المكر السيء، وانعدم الأخلاق، وسوء النية، والاصطفاف العنصري ضد الاخر المختلف حضاريا. فهل من جديد، أم أن الإنسان سوف يظل هو الإنسان ؟.
