عن ذاكرة عربية منسيّة .. بقلم: جمَال مُحمّـد إبراهيْـم

أقرب إلى القلب:

Jamalim1@hotmail.com
(1)       لماذا يتذكّر العرب الآن، وبعد خمسٍ وستين عاماً، اتفاقهم لإنشاء قوة دفاع عربية  مشتركة، وأوّل من وقعها هم الأعضاء السبعة الذين أسسوا الجامعة العربية عام 1945، وبينهم – للمفارقة- اليمن الحزين، والذي كان سعيداً ذلك الزمان. .؟
         مياهٌ كثيرة وأمواج صاخبة، من الأزمات ومن الحروبات ومن التنازعات، مرّت تحت الجسور العربية ، فما استيقظ الذهن العربي الرسمي، ولا الذاكرة المنسية من سباتها العميق، إلا حين اشتعل اليمن الآن . .!
         ثمّة مزوّرون جاهزون لتزويق الأمر، والإدعاء بأن “معاهدة الدفاع المشترك” الموقعة عام 1950، كيانٌ لم يتخلق بعد، طيلة هذه الفترة الطويلة، وهو مختلفٌ عن “القوة المشتركة” التي  يدور التداول حولها، منذ قمة “شرم الشيخ” الأخيرة في مصر، وارتبطت بأزمة اليمن و”عاصفة الحزم” في عام 2015. حديث طويل، يروّج له المروّجون، تزامناً مع تلك “العاصفة “، والتي- وإن أعلن الناس عن هدوء عجاجتها وإبدالها بنسمات الحوار والتفاوض المثمر- إلا أنها ما انفكت توالي هبوبها . التحالف العسكري عند البعض، هو غير التعاهد. الموافقة غير الاتفاق .
       إنه لممّا يدعو للسخرية، أن تتداعى الأمم من حولنا لتبني وتنهض بشعوبها، اقتصاداً واجتماعاً وثقافة، فإذا الحال هنا يُبذل  في  مشاكسات اللغة والتلهّي بالتباسات النحو ومناورات البلاغة. إن المصائر عند الآخرين، ترسمها الإرادة والتصميم،  وتصوغها الرغبة في استثمار فرص الحياة المتاحة، في الحيّز الزمني  المقدّر. أما عندنا فإن الغيبوبة تستفحل، وقد حبانا الله بعقول تميّز،  والثروات تفسد بين الأيدي، وقد هيأ لنا ربّ العباد  من رغد الموارد  ومن ذهب الأرض، الذي فوقها وفي باطنها، ما يثير الغيرة والحسد . .
(2)
   يحدثك أناسٌ، وفيهم بعض خبراء ضليعين، عن “معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي”، لكأنها وثيقة دخلتْ سلة مهملات التاريخ، وعلى المعنيين جميعاً نفض أيديهم ممّا جناهُ كبار العرب بالتوقيع عليها عام 1950،  وأن يجدّوا لهيل تراب النسيان عليها، لتصير ركاماً  فلا يسمع عنها أحد ، لا الجيل العربي الحالي ولا الجيل القادم. مطلوب من المواطن العربي أن يلغى ذاكرته تماماً. مطلوب منه أن  يصغي، لا أن ينطق. أن يستنشق ما يمنّ عليه من هواء، ثم يُمنع عليه الزفير. مطلوب منه أن ينقاد خنوعاً، لا أن يقود ابتداراً. باختصار الكلام، مطلوب منه أن لا يكون ، وفق ذلك السؤال الشكسبيري الشهير !
       في أغلب بلدان  الشرق الأوسط،  لا تسمع للشعب  صوتا . أجل، ولا تكاد تهتم القيادات العربية في الممالك والإمارات والمشيخات والجمهوريات المشوّهة، والديموقراطيات الكذوبة، فيما لو كان لتلك الشعوب المغلوبة على أمورها قسراً، والمتهمة بفقدان الذاكرة زوراً، رأياً يُسمع أو رغباتٍ تحترم، أو ميولاً يتحسّسها أهل الرئاسات، عبر استفتاءات حقيقة، أو انتخابات خالية من التزوير ، فيستجيبوا لمطلوباتها. لكأن الربيع  العربي الذي هبتْ  نسائمه موسم طاريء ، سريع الاشتعال ، سريع الانطفاء. .
(3)
       ما وقع في اليمن مِن تمدّد لسيطرة “الحوثيين” على مفاصل الدولة ، شكّل  لحظة إحياءٍ للذاكرة العربية المتآكلة، والتي من عجلة أمرها، لم تسارع لفتح ملفات الجامعة العربية القديمة، وفي قلبها  “معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي” الموقعة عام 1950، بل اختارت أن تتحرك بـ”مَن حضر” لاحتواء حراك “الحوثييين” في اليمن الحزين. لعل التحرّك الذي قادته  دولة هي من أحرص الدول على الأمن العربي، لم تسبقه الترتيبات السياسية التي  تستوجبها الدراسة المتأنية وبعمقٍ وبحصافة، للأوضاع في تلك الدولة المجاورة المضطربة، وتقييم مهدداته الأمنية بتدقيق موضوعي حصيف. قراءة الواقع الماثل، تتطلب نظراً أبعد من التركيز على ما يهدّد بلداً واحدا ، إلى ما يهدّد المنطقة برمّتها، بل وإلى ما يهدّد الأمن والسلم الدوليين، على النطاق الأوسع.
       إذا استصحب من ينظر،  بصيرةً مثل بصيرة زرقاء اليمامة،  لرأى أن الشجر الذي يتحرّك من أفقٍ بعيد، هو شجر مخادع، وأن وراءه حِزماً من أجندات وسيناريوهات أجنبية، هدفتْ إلى  التعتيم على البصيرة العربية، فلا ترى أبعد ممّا تحت أقدامها . في أبسط تحليل ، فإن القتال بالوكالة ، نيابة عن الآخرين ، هو الأقل كلفة ، من الناحية الاقتصادية والعسكرية، مثلما هو يجنّب القوى المتربصة، أيّ خسارات متوقعة في جانب الموارد البشرية. الأهزوجة القديمة  تُعزف مقاطعها من جديد. الفقراء يتقاتلون فيما بينهم، لينعم الأغنياء بالأمان وبالدعة وباستقرار الحال. . فيا لبؤس الحال. . !

(4)
       لا يغيب عن البصر، أنّ الاتفاق على العودة إلى الذاكرة العربية  لتنظر في المعاهدات القديمة، جاء بعد وقوع  الفأس على الرأس ، وقبل ترتيب البردعة على ظهر الحصان الجامح. ذلك أمرٌ قد يعرّض الفارس لكبوات محتملة، وخسران في الأهداف وفي الخطط وفي التوقعات . يعرف رسامو الخرائط السياسية، كيف يحققون أهدافهم، وهم يحركون البيادق في لعبة الشطرنج السياسية وفق أهوائهم ، وأهواؤهم في حقيقة الأمر، تمرّ عبر قنوات الصراع الحضاري الأشمل. لعلّ أوضح لعبة لا تغيب عن الذهن هي لعبة إذكاء الصراعات  الإقليمية ، والمناورة بتباين الثقافات والموارد والعقائد، دون الالتفات إلى إرادة الشعوب. ترى من حولك اللعب على اختلافات أهل السنة وأهل الشيعة، محوراً لشغل الشرق الأوسط جميعه، بصراعاتٍ تحدّ قدراتهم وتستضعفها لأقصى ما يصل إليه الاستضعاف، فيما تتزايد قدرات القوى المتربّصة في البعيد، تترصّد انجاز مطامعها ، مطمعاً بعد مطمع. وسيرى المتابع أن ما نسطره هنا، لا يعدو أن يكون اختزالا لواقعٍ أشدّ تعقيداً في الحقيقة، وأكثر التباساً ممّا يبدو.
        لن يكون اجتماع عددٍ من الجيوش العربية في أمر التدخل  لاحتواء انهيار الدولة في اليمن، تمريناً سهلاً، خاصة في أجواء إنفعال متزايد، أغفل خلاله أهل الرأي وصنّاع القرار، أن ثمّة ما يستوجب النظر في مرجعيات التعاون العربي  من كافة جوانبها، وفي مسيرة الجامعة العربية التي أنشئت في الأصل لهذا الغرض، دون أقل اعتناء برغائب الشعوب . ذلك أمر ضروري بمكان، حتى يستبين أهل القرار، أن الأمر يتصل بعودة للذاكرة العربية وبالإفاقة من غيبوبتها. على المنطقة التي يتهددها التشظي والمعضلات المعقدة، أن تعتمد ما هو قابل للتأسيس، من تعاهد سياسي واقتصادي وعسكري وأمني تعززه رغائب الشعوب،  لتواجه به معضلات المنطقة،  وبنفَسٍ طويلٍ وحكمة متأنية وعزيمة صادقة، فتجد لتلك التحديات  التي تتكاثر  من حولها، وتترصّد شعوبها، حلولاً ناجعة . .
(5)
       غير أني أقلل من تفاؤلي حول أيّ دور قابل للحضور بكثافة وفاعلية لجامعة الدول العربية، وهي على حالها الماثل. إنها بمختصر القول، منظمة قامت بإرادة رؤساء وملوك وحكومات ، ولم تقم بإرادة الشعب العربي الذي  حملت  إسمه مكتوباً على رايتها، لأكثر من سبعين عاما. علينا أن نقرّ أن  الجامعة العربية التي نرى، هي زرع لم ينبت في تربة الإرادة العربية الحقيقية. إنها المنصّة  التي أراد لها من أنشأها أول مرّة  وبنوايا حسنة، أن تكون  صالحة للكلام لا للفعل.
       حين أنظر فأرى الاتحاد الأوروبي يتشكّل وفق إرادة شعوبه من تشاركات متواضعة، بعد انطواء صفحة الحرب العالمية الثانية بسنوات،  إلى ما يقترب لأن يكون كياناً سياسياً متحداً ، أعجب لحال الجامعة العربية، التي بدأت  شراكاتها عام 1945، قبل بلدان أوروبا بسنوات.  تتوالى دورات إخفقات الجامعة العربية بلا انقطاع،  منذ أول الأزمات في عام 1948 والذي أسميناه عام “النكبة” في فلسطين ، مروراً بحرب السويس في عام 1956، و”نكسة” عام 1967،  إلى حرب 1973 واتفاقات كامب دافيد. يا لها من عبقرية صوتية في اختيار مسمّيات إخفاقاتنا، من “نكبة” إلى “نكسة” ولا نقول هزيمة. قف الآن لترى العجز البائن إزاء تغوّلات إسرائيل وشنها،  في دورات تشابه دورات القمم العربية ، حروبَ إبادة الشعب الفلسطيني، في  دولة لم تقف بعد على رجليها في الضفة الغربية. .

(6)
       الصورة في جميع مراحلها ترسّخ غياباً مأساوياً لإرادة حقيقية، لشعوب تقف في الضفة الأخرى تتفرّج ، لا صوت لها ولا فعل ولا فاعلية . أعجب أن أرى  صوت الشعوب في أوروبا يتحكّم إن أراد، في الإبقاء على العملة الواحدة، أو له خيار الخروج منها. له أن يقرّر البقاء في الحلف العسكري “الناتو”، أو الابتعاد منه . يقف “كاميرون” رئيس الوزارة في بريطانيا،  يقطع عهداً قبيل فوزه في الانتخابات الأخيرة هناك، بترك أمر البقاء في الإتحاد الأوروبي إلى إرادة شعبه في بريطانيا، ليحدد ذلك عبر استفتاء حر. في فوز حزب المحافظين وزعيمه “كاميرون” بأغلبية  مريحة ، ما يعزّز ثقة شعبه في توجّهاته وتعهداته واحترامها له. الشعوب هناك تقرر ما تريد. ثمّة شعوب أخرى  مغلوبة على أمرها ، تُجبَر على ابتلاع أدوية مشبوهة،  قد تفضي بها إلى فناءٍ وشيك..
       أيها المُغيّبون ، إن سماءَ التفاؤل في الشرق الأوسط  مُلبدة بغيومٍ  سوداء لا تريح. .

نقلاً عن “الوطن” القطرية
15   مايو 2015

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …

اترك تعليقاً