عن رحيل آخر المهنيين .. قلم: صلاح محمد أحمد

بقلمه اللاذع ،و صدقه الساطع، كتب الزميل عوض محمد الحسن..مقالة رائعة تحت عنوان ، فى وداع آخر المهنيين، بعد ان لملم السفير رحمة الله محمد عثمان اوراقه ، وودع وزارة الخارجية، بعد نحو 38 عاما قضاها فى الخدمة العامة، واصفا اياه “كان آخر المهنيين الذين يحترمون انفسهم ، و بلادهم ، و شعبهم” و لاشك ان الاحترام للنفس والبلاد و الشعب له مستلزماته  ..فالمهنى يكون فى حيرة من امره حين تتمكن  سياسات التمكين والاقصاء و التهميش على مفاصل الدولة ، والمهنية  التى اعنيها مرادفة  لحيادية الخدمة العامة فى شقيها  المدنى والنظامى، فى عالم السياسة التى وصفها الراحل د. طه حسين بأنها مثيرة للغيظ ، وهائجة للحفائظ ، مغرية بالشر.

و حيادية الخدمة العامة، ظل و سيظل حلما..يحتاج الى من يؤطرها و يسطرها فى مدونة قانونية ، تستقرأ تجارب كل الامم، بدءا من تلك المتقدمة مرورا بالنامية  والاقل نموا، لتتعافى التجربة، وتستقر الخدمة بشقيها. و عند اختيار السفير  رحمة الله  وكيلا لوزارة الخارجية كتبت مقالا بأنه امتداد لمدرسة بشير البكرى رحمه الله، و ماكان يغيب عن بالى بانها يمكن ان تكون خطوة لها مابعدها أو مقدمة  لتمكين من يجب ان يتمكنوا، و كتبت من قبل عن تجربة  الراحل أحمد خير الذى رفض اقصاء من نجحوا فى الالتحاق بالخارجية بتهمة انتمائهم الحزبى، لان رؤيته كانت وطنية متجردة ، و اشرت الى رفض الراحل جمال محمد احمد  وهو وكيل وزارة الخارجية احالة احد الدبلوماسيين للصالح العام  بعد انقلاب مايو بسبب انتمائه الحزبى المصنف كمعاد للنظام الجديد اللى اتولد!!، فالنموذجان يحتمان على الانسان  دراسة جذور كل منهما ثقافيا ، واجتماعيا ، و سياسيا. و تعليقا على كتاب الزميل احمد عبد الوهاب أوردت معلومات تفيد بأن الدولة لجأت الى خدمات المهنيين لكسر طوق العزلة، بينما ظل الذين أتوا للتمكين فى الظلال ينتظرون السانحة التى تجعل لطلتهم قبولا !!

و لاأخفى بأن همسات كثيرة كانت تدور، عن الاسباب التى جعلت المهنيين يقبلون الوظيفة فى حد ذاتها..و هم العالمون بأن أس القرار فى يد من يريدون تمكين بعض العناصر، التى ولجت ساحة العمل العام دون حتى الايفاء بشروطها !!، و كثرت التفسيرات مابين مهنى يقبل التكليف ولكن بشروطه ووفق رؤاه، فان  وجد مايناقض قناعاته آثر الابتعاد، و هذا هو فى تقديرى المهنى الحقيقى، و مهنى آخر من الجانب الآخر يقبل التكليف، و يتمتع بالوظيفة و مخصصاتها ، وان رأى تجاوزا يتناقض و طبيعة عمله سكت و كأنه لايرى و لايسمع!  و من فوق رأسه تستمر السياسات اتى يدعى لاحقا بأنه لايقبلها ، ثم يأتى بعد استنفاذ كل مدته فى الخدمة ليتحدث عن التجاوزات و ينتقد بعد فوات الاوان و هؤلاء يحق لنا ان نسميهم الانتهازيين الذين تجدهم فى كل واد يهيمون!!

و عند الحديث عن الذين أتوا للتمكين اذكر قصة دبلوماسى و صل الى بلدة من البلاد..و منذ الوهلة الاولى شمر عن ساعديه، يقول للقاصى والدانى انه أتى ليفرز من مع السلطة  ومن ضدها؟! بل وفى سابقة غريبة   اتصل بأحد الاساتذة الاجلاء ، و كان قد سمع بأنه امين لصندوق خيرى يخص المعلمين، و طلب منه التبرع الفورى لمال المجاهدين، واجابه الاستاذ بأدب  بأن الصندوق مخصص بلائحة لاعمال خيرية  تخص الاعضاء و لايمكن التصرف فى الاموال لاغراض اخرى ،، و اضاف بأنه يمكن الترويج لفتح باب للتبرعات للمجاهدين، و انبرى المتمكن قليل الخبرة ليقول اعلم انك تعارض السلطة  ، و لقد جئت خصيصا لتأديب امثالك ،  و امتلك الغضب الاستاذ و كان متحمسا للذهاب الى داخل السفارة لجلد ذاك المتمكن الجاهل .الا ان الكثيرين الحوا عليه بالحلم  عن حماقة الجاهل وسكت عن مضض، لتنتشر القصة وسط الناس يحكونها بدهشة وألم  ، و يتساءلون من اى نبت  اتى مثل هذا الصفيق!!

و هكذا بين تصرفات مثل هذا الذى اتى ليتمكن ، و نموذجى أحمد خير و جمال محمد أحمد ، و مقارنة ادوار المهنيين فى اجواء الاقصاء  والتهميش  يسهل وضع كل فى القائمة التى تناسبه بينما التأريخ يسجل ، و ما الدنيا الا متاع الغرور

salahmsai@hotmail.com

//////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

السودان بين حروب الموارد وأقنعة الهوية -قراءة لكتاب

زهير عثمانzuhair.osman@aol.comقراءة في كتاب د. محمد سليمان محمد على ضوء الحرب الجاريةفي خضمّ الحرب المدمّرة …

اترك تعليقاً