عودة الإمام المُغيَّب والإنقاذ الثانية

 


 

د. زاهد زيد
22 February, 2014

 


هل هي عودة الإمام المُغيَّب لقيادة الجماعة بعد أن استشعر الخطر بزوال النظام ؟ أم أنه لم يغادر أصلا حتى يعود؟ سؤلان مشروعان في ظل إرهاصات عودة الدكتور الترابي لمسرح السلطة بعد وثبة الرئيس الشهيرة ، التي يعتبرها البعض بأنها كانت فصلا في مسرحية مرسومة بعناية كان فصلها الأول (اذهب للقصر رئيسا وأنا سأذهب للسجن حبيسا ) وأن المفاصلة هي قمة الملهاة الإسلاموية والضحك على أهل السودان ومن يسمون أنفسهم بزعماء البلد السياسيين . ويقين هؤلاء ومن يعتقدون بأنها مسرحية : أنه لو كان السيد نقد حيا لقال للدكتور الترابي مثل ما قال له قبلا وهو حبيس معهم في كوبر  (اِلحق أولادك ، يكفي هذا ) . فهل مرت تلك اللعبة - إن صحت - من تحت ذقون الحاضرين يومذاك في قاعة الصداقة ؟ أم هم أيضا جزء من المسرحية ؟ سؤال آخر يعضضه ما دعا له المهدي متزامنا مع دعوة مماثلة للدكتور الترابي بعدم اسقاط النظام( بالقوة ) .
تبدو مثل هذه الأسئلة رغم وجاهتها غير ذات جدوى إلا إذا اقترنت بسؤال مهم وهو ما الجديد الذي يحمله معه الدكتور الترابي سواء عاد في ضوء خطة ممسرحة من البداية البعيدة أو بافتراض عودة وفق اتفاق سياسي بعد مفاصلة حقيقية لا شك فيها .الاجابة عن هذا السؤال ليس فرضية ولا من قبيل التكهن بما سيحدث وعلينا أن ننظر لأقوال الدكتور الترابي ومنها تصريحه بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية في القاهرة الذي نقلته الصحفية صباح موسى  وطلال في أوقات سابقة حيث قال :( إنه على الرغم من معارضته للحكومة لكنه لايحملها كل اخطاء انفصال جنوب السودان ،  وأوضح في ندوة والسياسية :  أن  تراكمات الحكومات منذ حقبة الاستقلال قادت الى أن يختار الجنوبيون فراق الشمال عندما أتيح لهم تقرير  مصيرهم  .
واضاف:” الطلاق مع الجنوب لم يكن باحسان ونحدثهم بأن الطلاق له رجعة، فهم حزينون على الانفصال من دواخلهم ويبدو عليهم ظاهريا أنهم فرحون بالاستقلال.” ووضع الترابي   شروطا ستة للتصالح مع الحكومة وقال الترابي : (لابد أن يعترفوا انهم أخطاؤا وان يعتذروا للمعتقلين والمسجونين ويردوا أموال الناس ويعتذروا للجنوبيين وان يعترفوا بأخطائهم في دارفور ثم بعد ذلك يتركوا الحكم ومن الممكن ان نعفو  بعد ذلك.)
حرصت على نقل كلام الدكتور الترابي كما ورد على ذمة الصحفيين عن الجنوب أيضا لأن نفس التصريح نقل عنه مؤخرا وهو هنا للربط بين الأخطاء التي يعتقد الدكتور أنهم ارتكبوها وبين أخطاء أخرى ذكر أنه لابد من الاعترف بها ورد الحقوق لأهلها وأن يتركوا الحكم ثم يأتي العفو عنهم وهذا يشمله هو لمرارة في حلقه من قبلهم .ولا أظنه كان يتحدث بلسان هؤلاء المظلومين فهم وحدهم أصحاب الحق في العفو .
من هذا التصريح الذي يشبه الدكتور في ذكائه المعهود نرى بوضوح الأرض التي يقف عليها اليوم للعودة المرتقبة فالأخطاء التي يتحدث عنها ليست مما تفكر فيه المعارضة الأخري وإنما هي أخطاء في حقه هو والذين معه وهذه تكفي جلسة شاي على الطريقة السودانية للاعتذار عنها وتعني أول ما تعني إقصاؤه عن الحكم  . أما رد الحقوق فواهم من يعتقد أن الدكتور يعني حقوق العباد والبلاد المنهوبة بل هي حقوق تعنيه هو وحزبه الشعبي في العودة لمكاسبهم ومناصبهم التي يرى أنها حق لهم بإعتبار أنه صانع هذا الحكم وهو الأحق به . وبذات الفهم ندرك ما يعنيه الدكتور بتركهم للحكم فقد تحقق له هذا بتنحية خصومة من موقِعِي (مذكرة العشرة) ومَن عمل على إقصائه عن الحكم وقد كنسهم البشير استجابة لهذا المطلب ، وأحل مكانهم من ليس في عير طه ولا كان في نفيره .
لا شك في أن تضحية النظام ببعض أفراده - إن كانت تضحية - خير له من عاصفة تأتي علي أخضرهم ويابسهم ، بل حتى الضحايا ربما هم أسعد حالا أن يُلقى بهم من السفينة بغرض تخفيف الحمولة وإلا فالغرق مصير الجميع .
إذا لقد وضح الأمر بكل أبعاده والعودة المرتقبة تلك كانت شروطها ودع عنك الجنوبيين فهذا ليس مربط فرس الدكتور الذي لا يتكلم إلا وهو مدرك لما يقول ودع عنك أحلام الحالمين بعودة لهذا الرجل تحمل في طياتها خيرا للبلاد والعباد ، فما يدور الآن في الساحية السياسية ما هو إلا إعادة ترتيب البيت الإسلاموي في ضوء مرحلة حاسمة يراها الأعمى قبل المبصر . وهي رؤية (لإنقاذ ثانية) تعمل على إنقاذ (الإنقاذ الأولي) من زوال أبدي يوشك أن يعصف بالمتأسلمين جميعا.
لكن السؤال المهم هو هل يملك الدكتور الترابي عصا سحرية لصنع إنقاذ ثانية ، ينقذ بها نظامه الذي هو من صنع يديه الذي يعيش منذ سنوات في غرفة الإنعاش ؟ وما هي خطواته القادمة ؟ ليس من المتوقع على كل حال أن ينتقم من الذين أقصوه فالعفو عنهم بعد أن تحققت شروطه هو مسألة لا تتعدي جلسة شاي كما ذكرتُ ؟ والرئيس يبدو أنه قد أدرك أنه يجب رد الخبز لخبازه بعد أن شبع منه وأصبح الأمر عالة عليه ، فلن يرشح نفسه مرة أخرى ، ويفكر في مخرج آمن بعد أن ورطته الزمرة المبعدة فيما لا طاقة له به . والمشهد مرشح لكثير من التداعيات ولنا عودة إن شاء الله.




zahdzaid@yahoo.com

 

آراء